اتفاق الجزائر “هش” …. النفط الى تراجع والأنظار الى تشرين.

في ختام اجتماع استمر نحو ست ساعات ومشاورات استغرقت اسابيع ، توصلت الدول المنتجة والمصدرة للنفط وداخل وخارج منظمة أوبيك مساء الاربعاء 28 ايلول 2016 الى اتفاق تاريخي ومفاجئ يساهم في تخفيض سقف الانتاج في اول اتفاق لمنظمة البلدان المصدرة للنفط في 8 سنوات على خفض الإنتاج، ما يدعم الاسعار ويوقف مسيرة نزيف اسعار الذهب الاسود المستمرة منذ منتصف حزيران 2014، نتيجة فائض المعروض في الاسواق العالمية. وبالفعل، شكل اجتماع الجزائر ومقرراته مفاجأة للأسواق العالمية التي لم تراهن مسبقاً على أي اتفاق قد يشهده هذا اللقاء، واقله عدم الخروج بأي اتفاق قبل اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط اوبك في تشرين الثاني المقبل. فبشكل غير متوقع، وافقت السعودية على تخفيض سقف إنتاج الدول الاعضاء وغير الاعضاء في المنظمة مع إعفاء ايران خصمها السياسي والنفطي تاريخياً، من اتخاذ أي خطة تحد من إنتاجها وكبح طموحها بالعودة الى مستويات الانتاج التي كانت تُسجلها في الفترة ما قبل فرض عقوبات دولية عليها، عند 4 ملايين برميل نفط يوميا مقارنة بإنتاج يراوح بين 3.6 و 3.8 ملايين برميل يوميا في الوقت الحالي. وعدد ليس بقليل من الدول استفاد من هذا الاتفاق التاريخي. فكل الدول التي تعتمد موازناتها على إيرادات النفط استفادت من هذا الاتفاق، مثل فنزويلا، الجزائر السعودية وغيرها. كما يُتوقع أن يستفيد منتجون رئيسيون من خارج منظمة أوبك، على رأسهم روسيا التي تواجه عقوبات دولية وتعاني من ركود اقتصادي وهبوط في قيمة عملتها.

دعم محدود للأسعار
اتفقت الدول التي اجتمعت في الجزائر على هامش المنتدى الدولي للطاقة على خفض محدود لإنتاج النفط بنحو 700 ألف برميل يومياً، من ما بين 32.5 مليون و33 مليون برميل يوميا من حوالى 33.47 مليون برميل يوميا بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية لشهر آب الفائت، في مسعى لتعزيز الأسعار التي هوت من 100 دولار للبرميل في 2014 إلى أقل من 50 دولاراً للبرميل. وقالت أوبك إن التفاصيل الأخرى للخطة سيتم الإعلان عنها في الاجتماع الدوري للمنظمة في تشرين الثاني لتترك علامات استفهام بخصوص توقيت دخول الاتفاق حيز التنفيذ وحجم حصص الإنتاج الجديدة لكل دولة من الدول الأعضاء، والفترة التي يسري خلالها العمل بتلك الحصص وكيفية التحقق من الالتزام بها، إضافة الى إستمرار المخاوف حيال النمو المستمر لأنشطة الحفر الأميركية للتنقيب عن النفط.
بالفعل، تلقت الاسواق العالمية خبر التوصل الى إتفاق بكل إيجابية فصعدت اسعار النفط في الدقائق الاولى بعد الاعلان عن الاتفاق بنحو 6%، وإقتربت من 50 دولارا للبرميل. ومنذ إعلان اتفاق أوبك صعد برنت نحو 7% وارتفع الخام الأميركي حوالى 8% في أعلى صعود على مدى يومين منذ نيسان الفائت. الا ان العديد من الدراسات والتحاليل توقعت ان يكون تأثير هذا الاتفاق قصير المدى، ولن يستمر فترة طويلة لعدة اسباب منها أن خطة أوبك ستقلص المعروض بنحو 700 ألف برميل يوميا لكن الفائض في المعروض العالمي من الخام يقدر بنحو مليون و1.5 مليون برميل يومياً، ما سيحد من التداعيات المرجوة لهذه الخطة. بدورها، وكالة التصنيف الائتماني العالمية فيتش ،  وتعليقاً على اتفاق الجزائر، اعتبرت ان خفض إنتاج منظمة أوبك يدعم تعافيا بطيئا لأسعار النفط وليس انتعاشا قويا، كم أشارت الى ان خفض إنتاج أوبك يدعم وجهة النظر القائلة بأن أسعار النفط ستواصل تعافيها لكنه لا يرجح انتعاشا قويا، ورغم ذلك توقعت ان تستعيد السوق توازنها بشكل عام خلال العام 2017. مصرف غولدمان ساكس، لم يكن بعيداً من تحليل تداعيات اتفاق الجزائز عما قدمته وكالة فتش. فقد توقع المصرف ان يقدم الاتفاق الذي تم التوصل اليه دعما للأسعار على المدى القصير فقط، لكن هناك احتمالات ألا يؤثر ذلك على المعروض. وأضاف البنك في مذكرة للمستثمرين، أنه متمسك بتوقعاته للخام الاميركي  عند مستوى 43 دولاراً للبرميل نهاية هذا العام، و53 دولاراً خلال عام 2017، متوقعاً في حال تطبيق الاتفاق بحزم ودعم الأسعار أن تتزايد عمليات التنقيب حول العالم بشكل كبير على المدى المتوسط. وذكر محللون لدى غولدمان ساكس أن ارتفاع أسعار النفط سيعزز الإنتاج من خارج أوبك وخصوصاً النفط الصخري الأميركي في وقت ارتفع عدد منصات الحفر الأميركية الباحثة عن النفط في الولايات المتحدة في 12 أسبوعاً من الأسابيع الثلاثة عشر الأخيرة. وتشير تقديرات البنك إلى أن الاتفاق قد يسهم في تخفيض الإنتاج بمقدار 480 ألفا إلى 980 ألف برميل يومياً عن المستويات التي يتوقعها لعام 2017. وبحسب غولدمان ساكس، تطبيق الاتفاق بدقة خلال النصف الأول من عام 2017 سيكون من شأنه إضافة ما بين 7 دولارات إلى 10 دولارات للبرميل، لكنه أضاف أن الخضوع لحصص أقل ثبت فشله بخاصة عندما يكون الطلب ليس ضعيفاً.
أما مبعوث وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الطاقة آموس هوكستاين فتوقع ان يؤدي إتفاق الجزائر الى نتائج عكسية، وان لا يرفع أسعار الخام العالمية لفترة طويلة بسبب طفرة أنشطة الحفر الأميركية وتحسن كفاءة الطاقة على مستوى العالم، بما يعني أن أسواق الطاقة لن تتأثر بخفض الإنتاج. وبحسب هوكستاين، مع مرور الوقت سيؤدي ارتفاع الأسعار الناجم عن هذه الخطة إلى زيادة كبيرة في الإنتاج الأميركي بما يدفع الأسعار للهبوط بسبب تخمة المعروض أو يزيد حصة المنتجين الأميركيين في السوق، ما سيأتي بنتيجة عكسية على منظمة أوبك. ولم يستبعد هوكستاين أن تكون تقلبات أسعار النفط التي تقودها “أوبك” محفوفة بمخاطر تهدد ما لا يقل عن 6 دول منتجة للنفط تعتمد اقتصاداتها وخدماتها وشبكات الضمان الاجتماعي فيها على إيرادات النفط.

الأنظار الى تشرين!
وتتجه الانظار اليوم الى القمة نصف السنوية لأوبك (تنتج 60% تقريباً من صادرات النفط العالمية) في 30 تشرين الثاني المقبل في فيينا، حيث ستتحدد القرارات التطبيقية حول أهداف الانتاج لكل من الدول الاعضاء خلالها، إستناداً الى بنود الاتفاق الذي لاحظ تشكيل لجنة لدراسة خطة التثبيت وتحديد مستويات حصص كل دولة على أن ترفع هذه اللجنة مرئياتها لإقرار الاتفاق في اجتماع أوبك المقبل الذي تعول عليه الأسواق لكونه يعدّ أكثر أهمية من أجل الحصول على مزيد من التفاصيل بخصوص مدى استعداد المنتجين لخفض صادراتهم. ويُمكن هذا الاجتماع أن يشهد بعض التجاذبات والإختلافات خصوصاً حيال تقاسم حجم التخفيض المطلوب، في وقت تسعى فيه ايران الى رفع إنتاجها الى مستويات ما قبل العقوبات، أما موقف العراق فلم يكن مغايرا كثيرا في الفترة الماضية، وعبّر عنه بصراحة وزير النفط جبار لعيبي مؤكداً ان بغداد تعكف على زيادة الإنتاج النفطي الى أكثر من 5 ملايين برميل يومياً من ما بين 4.6 ملايين و 4.7 ملايين برميل نفط يوميا في الوقت الحالي. بدورها ليبيا تصارع بقوة للعودة الى السوق النفطي العالمي مع استمرار معاركها ضد الجماعات الارهابية التي تسيطر على الموانئ النفطية لديها. وأمام هذا الواقع، فالسوق لا يتوقع أبداً ان تتحمل السعودية الجزء الاكبر من الاخفض المنتظر في حجم الانتاج. وتعرض الرياض خفض إنتاجها إلى 10.2 مليون برميل يومياً من 10.7 مليون برميل يومياً، لكن معظم المحللين يرون أنها ستصل إلى هذا المستوى بأي حال مع انحسار حرارة فصل الصيف وانخفاض الحاجة إلى أجهزة تبريد الهواء. وهذه العوامل قد تؤدي مجددا الى خلل داخل اوبك، ويعيد الاسعار إلى المنحى الانحداري، رغم التفاؤل الذي عبر عنه وزير الطاقة السعودي خالد الفالح حيال النتائج المتوقعة لاتفاق الجزائر متوقعاً ان تتجه أسواق النفط العالمية نحو التوازن والتعافي خلال الأشهر القادمة مع تنامي الطلب العالمي وموازنة الإنتاج.

موريس متى.