حرب الدولار على الغير.

بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح الدولار العملة الرئيسية في النظام المالي العالمي الجديد الذي صيغ خلال مؤتمر في بلدة بريتون وودز Bretton Woods بولاية هامشير الاميركية عام 1944.
تداعت الى هذا المؤتمر الدول المواجهة لالمانيا واليابان استشرافًا لفترة ما بعد الحرب، وتقدم بمشاريع اصلاحية عامة خبيران، أولهما جون ماينارد كينز الاقتصادي البريطاني الذي وضع كتاب النظرية العامة الصادر عام 1933 والذي ركز خلاله على دور الدولة في تجاوز مصاعب الانكماش عبر الاستدانة وتنفيذ المشاريع المفيدة والضرورية اجتماعيًا كالمطارات والطرق وشبكات المياه الخ…
وكان الخبير الثاني الاقتصادي الاميركي جورج مارشال وحظي مشروعه بالاهتمام والاقرار، وكان هذا الامر متوقعًا، ذلك ان الولايات المتحدة – التي لم تطاولها الحرب الا في هاواي، المنطقة المحكومة أميركياً من غير ان تكون كذلك بالفعل عندما قصف اليابانيون أكثر من قاعدة اميركية للقوى البحرية والجوية – كانت الدائن الاكبر للدول المحاربة سواء منها بريطانيا أو فرنسا او روسيا، وكرست اتفاقات بريتون وودز انشاء البنك الدولي الذي كان يسمى البنك الدولي للانشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي، وأولت الولايات المتحدة المسؤولية القيادية، وكان الدور الثاني الى حد ما في نطاق صندوق النقد الدولي لبريطانيا. وجدير بالذكر ان الجنيه الاسترليني كان العملة العالمية الرئيسية حتى بداية الحرب العالمية الثانية.
وقد عزز انتهاء الحرب موقع الدولار في النظام المالي العالمي، خصوصاً ان مشاريع اعادة بناء اقتصادات أوروبا المتهدمة اعتمدت على مساعدات أميركية سميت مشروع مارشال (الجنرال جورج مارشال) وهو غير الاقتصادي الوارد ذكره سابقاً. في حين أن اليابان التي أجبرت على الاستسلام بعد استعمال القنبلة الذرية لتدمير هيروشيما وناغازاكي اعتمدت في مساعيها لاعادة البناء على برنامج مساعدات للجنرال ماك آرثر الذي قاد الحرب عليها.
وبات الدولار العملة المطلوبة لاستيراد النفط والغاز والمعدات الرأسمالية والطائرات الخ، وكانت قيمة الدولار تستند الى ما يسمى القاعدة الذهبية Gold Exchange Standard. وأواسط الستينات، كانت الاقتصادات الاوروبية قد تعافت وبدأت مسيرة التحول الى سوق مشتركة، واليابان طورت اقتصادها الى حد بعيد وصارت تصدّر مليوني سيارة سنوياً وتحقق فوائض على ميزان مدفوعاتها.
في المقابل، تسبب انغماس الولايات المتحدة بقرارات من الرئيس جون كينيدي ومن بعده الرئيس ليندون جونسون في حرب فيتنام، التي كانت واجهت الفرنسيين بخسائر كبيرة، بتآكل الموارد المالية الاميركية. وأوائل السبعينات تعاظم عجز الموازنة الاميركية، بينما كانت الفوائض الاوروبية وحتى اليابانية تدفع الدول المعنية الى شراء الذهب من الاحتياط الفيديرالي الاميركي بـ35 دولاراً للاونصة، كما فعل الرئيس الياس سركيس عشية تعليق الرئيس ريتشارد نيكسون هذا الالتزام عام 1971.
بعد ذلك التاريخ، خسر الدولار دوره المركزي في النظام الاقتصادي العالمي، وانصبت الجهود الاميركية على الدفاع عن سعر صرفه، فرفعت الفوائد على الودائع في السبعينيات في الولايات المتحدة، الى معدلات فاقت الـ10 في المئة، وتالياً استقطبت استثمارات وودائع ملحوظة من الدول المتمتعة بفوائض، ومنها الدول العربية النفطية التي بدأت تتمتع بفوائض بعد ارتفاع اسعار النفط، نتيجة حرب 1973 من 2,2 دولارين للبرميل الى 11.2 دولاراً للبرميل. وقد سارع وزير مالية الولايات المتحدة الى زيارة الكويت والسعودية طالبًا من سلطات البلدين توظيف قسم كبير من الفوائض في سندات الخزينة الاميركية وهذا ما حصل.
توالت النكسات على الاقتصاد الاميركي وكان من اسبابها انعدام القوانين التي تمنع احتكار المعلومات، واستغلال ما يسمى المعلومات المسبقة لجني الارباح. وكان سوق لندن قد شهد تحريرًا لشروط عمل المصارف، وانفتاح مجالات تحويل العملات، والتعجيل في اجراء المعاملات نتيجة الثورة الالكترونية، ونقل الاميركيون بعض نشاطهم الى لندن وخصوصاً في مجال المضاربات. ومع ذلك برزت فضيحة تحايل مجموعة من تجار الاسهم والسندات في الولايات المتحدة، على القوانين لتحقيق منافع على حساب المودعين، وانكشفت أعمال 10 مضاربين يتعاونون في ما بينهم. وكانت النتيجة سجن العدد الاكبر منهم، وتغريم الناشط الاكبر في تسويق السندات غير الموثقة، مايكل ميلكن مليار دولار عام 1986 وسجنه عشر سنين خفضت في ما بعد الى ست سنوات. وفي 19 تشرين الاول 1987، انخفضت اسعار الاسهم في يوم واحد في سوق نيويورك بنسبة 30 في المئة، وسمي ذلك النهار الاثنين الاسود.
الانهيار الاكبر، فكان عام 2008 مع افلاس ثالث اكبر مصرف للأعمال في الولايات المتحدة “ليمان براذرز” مما أدى الى تفشي الازمة المالية العالمية التي تسببت بخسائر تتجاوز ثلاثة تريليون دولار، في الولايات المتحدة وأوروبا وجنوب شرق آسيا وروسيا الخ. واستفاق الاميركيون على ضرورة اصدار تعليمات تعزز الرقابة على أعمال المصارف والمضاربات، فصدرت تعليمات في 10 آلاف صفحة، ومن المؤكد انه ليس هنالك خبير أو بيت خبرة ملم بكل التفاصيل.
وعلى رغم ذلك، نشهد اصدار قرارات قضائية بغرامات باهظة لمصارف اميركية ودولية، وفي غالبية الحالات تفرض هذه الغرامات وزارة المالية الاميركية استنادًا الى مطالعات قضائية. وآخر المستجدات قرار تغريم “دويتشه بنك” اكبر مصرف الماني 14 مليار دولار، ورأسمال هذا المصرف لا يتجاوز 18 مليار دولار، ولو فرضت هذه الغرامة لتعرض المصرف الالماني الاول والاكبر لازمة لا بد ان تتجاوز آثارها ما شهدناه من مآسٍ وانخفاض لمعدلات النمو بعد ازمة عام 2008.
معلوم ان الاقتصاد الالماني هو رابع اقتصاد في العالم على صعيد الحجم بعد الولايات المتحدة والصين واليابان، كما ان السلطات المالية الالمانية كانت الاكثر تشدداً في منح القروض للدول الاوروبية التي واجهت ازمات مصرفية، مثل قبرص، واليونان وقبلهما ايرلندا والبرتغال.
وتوجيه انذار الغرامة الى “دويتشه بنك” ظهر كأنه يبرز رغبة أميركية في احراج اوروبا، بإظهار ضعف جهازها المصرفي. ومعلوم ان مفاوضات تجرى بين دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة لتحرير التجارة بين الجانبين، لكن فرنسا والمانيا، الدولتين الاساسيتين في الاتحاد الاوروبي، لا ترغبان في انجاز اتفاق تحرير التجارة مع الولايات المتحدة بالصيغة المعروضة.
فهل أرادت السلطات الاميركية ضرب الاقتصاد الالماني والاورو؟ ليس من السهل التكهن ذلك وان تكن اعتبارات العقلانية قد برزت حديثاً في اخبار اتفاق بين وزارة العدل الاميركية (التي تنوب عن وزارة المالية في تحديد قيمة الغرامات) والرئيس التنفيذي لـ”دويتشه بنك” (وهو بريطاني الجنسية) على خفض الغرامة الى مستوى خمسة مليارات دولار تساوي الاحتياط المكون لدى المصرف الالماني لتسوية هذا الموضوع.
لا شك في ان اتفاقًاً على خفض الغرامة يساهم في تأخير تفجر ازمة كانت ستشمل عشرات المصارف الاوروبية، ولا بد من القول إن السلطات الاميركية بالغت في فرض العقوبات، التي كانت في الاساس غير مطلوبة، لو مارست هذه السلطات، رقابة فعالة على نشاطات المصارف والاسواق المالية. ونشير للذكرى فقط الى ان الغرامات المفروضة بلغت حتى تاريخه 300 مليار دولار.

مروان اسكندر.