أوبك وإعادة الاستقرار إلى الأسواق.

قرر وزراء النفط في دول «أوبك» خلال اجتماع استثنائي في الجزائر في 28 أيلول (سبتمبر) الماضي وبعد ثلاثة أيام من الاستشارات، خفض إنتاج


المنظمة إلى 32.5 – 33 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ33.24 مليون في آب (أغسطس)، لتسريع إعادة التوازن بين العرض والطلب في الأسواق. لكن المنظمة أجّلت اتخاذ القرارات المحدِّدة إنتاج كل دولة، وشكلت لجنة لاقتراح اللازم خلال الاجتماع العادي في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) في فيينا. ودعت الدول المنتجة غير الأعضاء فيها، خصوصاً روسيا، إلى المشاركة في خفض الإنتاج.

يعكس الاتفاق مخاوف متزايدة من أخطار انهيار الأسعار على الصناعة النفطية، إذ قلصت الشركات استثماراتها في تطوير حقول جديدة، ما سيؤدي إلى خلل كبير في ميزان العرض والطلب قبل نهاية هذا العقد من الزمن، إذ لن تستطيع الطاقة الإنتاجية المستقبلية تلبية الطلب. وهذا سيعني ارتفاعاً عالياً وسريعاً في الأسعار تحذر منه المنظمة، فكلما اضطربت السوق، تحسنت فرص استبدال النفط بطاقات بديلة متوافرة.

يشكّل قرار المنظمة تحولاً مهماً في سياستها التي تتبناها منذ سنتين. إذ تبين أن محاولة الدفاع عن الحصص غير كافية للحفاظ على أسعار معقولة أو استقرار الأسواق. وواضح أيضاً، أن المؤثر الرئيس في الأسواق خلال السنوات الثلاث الماضية، كان زيادة إمدادات العرض، خصوصاً في بداية الأزمة مع ارتفاع إنتاج النفط الصخري الأميركي ثم ازدياد إنتاج النفط الروسي في آب إلى 11.1 مليون برميل يومياً، وهو ليس فقط أعلى إنتاج عالمي، بل مستوى قياسي لإنتاج النفط الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

ويعكس قرار المنظمة خلافات بين دولها، فغياب أي تفاصيل علنية عن الاتفاق، مثل مستوى إنتاج كل دولة أو تحديد الدول المستثناة من الخفض، يعكس بعض الخلافات التي نشبت في مشاورات الجزائر، خصوصاً تصعيد إيران مطلبها الذي يعود إلى أوائل العام، بعودتها إلى إنتاج أربعة ملايين برميل يومياً، وهو مستوى سجلته قبل العقوبات الدولية. وتراوح معدل إنتاجها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، حول 3.6 مليون برميل يومياً، الأمر الذي شجع الدول المعارضة على القبول بمطلبها، على رغم عدم إمكان تنفيذه قريباً.

تطالب إيران الآن، بزيادة حصتها الحالية إلى أكثر من أربعة ملايين برميل يومياً كي تشارك في الاتفاق، وأن تشكل هذه الحصة 12.7 في المئة من إنتاج «أوبك». وشكّل الموقف الإيراني الجديد وإمكان عدم مشاركتها في الاتفاق تحدياً جديداً للمنظمة، إذ أبدت روسيا استعدادها لخفض إنتاجها فقط في حال توصُّل «أوبك» إلى قرار جماعي. وعقد وزراء المنظمة اجتماعاً استثنائياً بعد المشاورات، قرروا فيه خفض الإنتاج من دون الغوص في التفاصيل المهمة، ما يتيح لهم وقتاً لاستكمال التفاوض من خلال اللجنة المشكّلة ومن خلال لقاءات تشاورية جماعية، للوصول إلى قرار ذي مصداقية، وفتح باب التعاون مع روسيا. ارتفعت أسعار النفط بعد إعلان اتفاق الجزائر، لكن الأسواق واصلت حذرها، نظراً إلى غياب التفاصيل المهمة، والشكوك عند البعض في إمكان التوصل إلى اتفاق شامل وتفصيلي في فيينا. وتوقع «مورغان ستانلي» أن ترتفع الأسعار 5 – 10 دولارات عن النطاق الحالي البالغ 45 – 50 دولاراً في حال الاتفاق على إعلان الجزائر والالتزام بالتفاصيل وتعاون روسيا. ويُتوقَّع أن تبقى الأسعار متأرجحة إلى حين اجتماع فيينا.

تشير تجارب «أوبك» إلى أن أصعب تحدٍّ تواجهه المنظمة هو محاولة تقليص الإنتاج وتحديد مستويات ولو موقتة، لبعض الدول. وتبرز أسئلة كثيرة يصعب التعامل معها: ما هو معدل الخفض لكل دولة؟ هل سيكون على أساس نسبة واحدة للكل أم سيتحتم على الدول التي رفعت إنتاجها كثيراً في السنوات الماضية، أن تتحمل مسؤولية أكبر؟ مثلاً، استطاعت بعض دول الخليج تحقيق زيادة كبيرة في إنتاجها أثناء العقوبات على العراق وإيران، فهل هذا يعني أن هذه الدول ستتحمل مسؤولية أكبر في خفض الإنتاج؟ وكيف يجب التعامل مع الدول التي لم تتمكن من تطوير طاقاتها الإنتاجية أثناء الحروب التي خاضتها أو أثناء العقوبات؟ مثلاً، هناك تجربة إيران والعراق.

في ما يخص إيران، فرضت الدول الغربية العقوبات بسبب الملف النووي لطهران، ولا علاقة لدول «أوبك» الأخرى بالأمر. وتحققت زيادة الطاقة الإنتاجية للدول الأخرى بقرارات سيادية، علماً أن إيران زادت طاقتها الإنتاجية أثناء العقوبات على العراق وهي في طور زيادتها اليوم، فيما ينحسر الإنتاجان النيجيري والليبي بسبب اضطرابات سياسية وعمليات عسكرية.

أما العراق، فخاض حروباً منذ أوائل الثمانينات ثم خضع لعقوبات دولية ودُمِّر كثير من منشآته النفطية. لكن الإنتاج ارتفع أخيراً ليسجل معدلات قياسية عند 4.5 مليون برميل يومياً. وهذا الرقم قد يرتفع أو ينخفض إذا أضيف إليه إنتاج كردستان العراق وحقول كركوك أو لم يُضف. والعراق ثاني أكبر منتج في «أوبك»، فهل يمكن إعفاؤه من الخفض أم لا؟ وفي أي حال، ما لا شك فيه أن النفط جزء أساسي من الصراع الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط ولا يمكن فصله عن العلاقات السياسية بين دول المنظمة.

هذه الأسئلة تثير شكوك الأسواق في قدرة المنظمة على التوصل إلى قرار شامل ودقيق وذي مصداقية في اجتماع فيينا. وتنبع الإجابات عنها من تجربة اجتماع الجزائر، فمعظم دول «أوبك» في ضائقة مالية، وعدم الاتفاق في فيينا سيعني زيادة كبيرة في الإنتاج الروسي، ما سيزيد من ضعضعة الأسواق. وأخفقت كل التوقعات بفضل اجتماع الجزائر، ويُحتمل جداً أن تفاجئ المنظمة الأسواق ثانية باتفاق في فيينا على رغم صعوبة التوصل إلى اتفاق.

وليد خدوري.