آفاق ومؤشرات مُقلقة في الإقتصاد العالمي

حذّر صندوق النقد الدولي في آخر تقرير له من أن استمرار الركود سيما في الاقتصادات المتقدمة يمكن ان يشجع الافكار الشعبوية التي تدعو الى فرض قيود على التجارة والهجرة.

يقول كبير مستشاري صندوق النقد الدولي، أوبسفيلد ان من المهم جدا الدفاع عن احتمالات زيادة التكامل التجاري، وان اعادة عقارب الساعة الى الوراء يمكن ان تعيق وان تطيل أمد الركود الحالي في الاقتصاد العالمي.

وقد ورد في تقرير الصندوق ان من اهم عناصر مكافحة تباطؤ النمو في الاقتصادات المتقدمة الحفاظ على السياسات النقدية الحالية بما في ذلك زيادة مشتريات الاصول في اوروبا وزيادة الانفاق الحكومي على التعليم والتكنولوجيا والهياكل الاساسية. كذلك يجب اجراء اصلاحات لزيادة المشاركة في اسواق العمل وخفض الحواجز التي تعترض الدخول الى السوق.

لذلك تبدو الصورة قاتمة، وليس من قبيل المصادفة ان يركّز تقرير صندوق النقد الدولي على جملة مخاوف تواجه الاقتصاد العالمي، قد يكون أبرزها التعافي العالمي بعد الأزمة المالية في العالم ٢٠٠٨ والذي لا يزال بطيئا، والتراجع الكبير في حجم التجارة الدولية، وتراجع زخم التدابير الرامية الى تحديد التجارة وعودة التدابير الحمائية.

هذا الوضع يؤدي الى تباطؤ في نمو الطلب الكلي سيما الاستثمار. أضف الى ذلك موضوع التضخّم المنخفض في العديد من الاقتصادات والذي يترافق مع انخفاض اسعار السلع الاولية.

كذلك تباطؤ النمو الذي شهدته الصين أخيرا وتداعيات الهجرة التي باتت تشكل عامل عدم استقرار، سيما في دول مثل اوروبا التي تعاني مشاكل بطالة ارقامها لا تزال عالية في العديد من الدول.

يبدو ان التعافي العالمي لا يزال ضعيفا خصوصا في بيئة يسودها الطلب المنخفض واسعار فوائدها قاربت ادنى حدودها ومخاوف تأثير الهجرة على المساواة في توزيع الاجور بما يساهم في زيادة التوترات السياسية والحركات الانفصالية.

وتأكيدا على ذلك يمكن ايراد نموذج الـ Brexit وما شهدته اوروبا. كذلك يعتقد كثيرون ان هكذا عملية انفصالية قد يكون لها تأثير Domino على اقتصادات عديدة اخرى باتت ترى في انفصالها امكانية تحقيق نمو بات مستحيلا لغاية الآن .

أصبح عامل عدم اليقين مهما اذ زاد من خوف المستثمرين، سيما في دول اوروبا والمملكة المتحدة التي باتت تتوقع تباطؤ في النمو في الاعوام القليلة القادمة. علما ان تداعيات الـ Brexit ما زالت غير واضحة وقد يكون من المبكر قليلًا التحدث عنها، علما ان الآثار المترتبة عنها قد تكون اكبر.

وهذا ما يؤكده آلان غرينسبان، الذي خدم ١٩ عاما كرئيس لمجلس الاحتياطي الفدرالي في الفترة ما بين ١٩٨٧ و ٢٠٠٦ . وقد اعرب عن قلقه اثر تصويت بريطانيا الصيف الماضي على الانسحاب من الاتحاد الاوروبي وقوله انه فوجىء ان اثر الـ Brexit ليس واضحا اكثر في الاقتصاد العالمي.

وهو يعتبر ان فترة الـ Brexit هي «الاسوأ» طوال سنين امضاها في الخدمة العامة بما في ذلك انهيار اسواق الاوراق المالية الاميركية عام ١٩٨٧. لذلك وان اختلفت الآراء حول الـ Brexit يبدو ان مفاعيله لم تتضح بعد وقد لا تكون اكثر مما يحدث الآن من تراجع قيمة الجنيه الى ادنى مستوى له منذ ٣١ عاما.

لذلك نرى أن صندوق النقد الدولي يدفع العديد من الاقتصادات في العالم الى زيادة الانفاق وسط ضعف النمو شرط ألا يكون ذلك على حساب السياسة النقدية سيما وانه حسب ديفيد ليبتون (صندوق النقد الدولي) ان اي انسحاب سابق لاوانه في السياسة المالية قد يحدث امورا نحاول تحاشيها، سيما الانكماش في اسعار فائدة مرتفعة، وانخفاض الناتج المحلي الاجمالي وتزايد نسب الديون العامة، كذلك البطالة. ومن المعروف انه قد يكون من الصعب محاولة مكافحة هذه الامور في حال ترسخت» حسب دائما، حسبما يقول ليبتون.

هكذا هي المعطيات ونظرة صندوق النقد الدولي للامور بما يعني ان المال السهل ما زال الدواء الوحيد لعدة مشاكل ما برح العالم يتخبّط بها. وتبقى الفوائد المنخفضة دواء للشركات والتيسير الكمي العلاج الوحيد الذي من المتوقع امتداده للعام ٢٠١٧.

وبينما تشير تنبؤات السيناريو الاساسي للاقتصاد العالمي الى انتعاش النمو في المرحلة المقبلة فإن احتمال حدوث انتكاسات يظل كبيرا الامر الذي تؤكده التخفيضات المتكررة لتوقعات النمو في السنوات الاخيرة وارتفاع مخاطر التضخم المنخفض.

مع استعراض هذه الامور، تبقى آفاق الاقتصاد العالمي مُقلقة في غياب السياسات المالية والضريبية التقليدية، وبروز سياسات غير تقليدية باتت هي العرف والحل الوحيد لامور ومشاكل برزت بعد الأزمة المالية العالمية وتفاقمت في اوروبا بعد العام ٢٠١١ حيث بات النظام المصرفي القائم مهددا.

والمشهد الحالي غير متعاطف بتاتا مع ارتفاع اسعار الفوائد حتى في اميركا وربما يفضل مجلس الاحتياطي الفدرالي عدم رفعها في عام الانتخابات ولكن اذا سمحت الارقام الاقتصادية وواضعي السياسة بهكذا اجراء ربما ترفع في كانون الاول للمرة الثانية.

اصبحت الاقتصادات المتقدمة نتيجة للتوترات السياسية مركزا رئيسيا لعدم اليقين السياسي والاقتصادي وغيره من العوامل، ترافقها صعوبة متزايدة في تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية او حتى الحفاظ على الذي تحقق منها، مما يُبقي عامل عدم اليقين السمة الابرز حاليا.

بروفسور غريتا صعب