تحديات مخيفة للاقتصاد العالمي سنة 2017

يرزح العالم الصناعي تحت وطأة الانكماش منذ عام 2008 تاريخ اندلاع الازمة المالية العالمية وتقلص معدلات النمو في العالم الصناعي الى ما دون مستويات تزايد السكان – بل تناقصهم حتى في العديد من البلدان الاوروبية العريقة – وهنالك مؤشرات سياسية توحي بان العالم قد يواجه ازمة مالية اقتصادية أقسى من الازمة المستمرة في العالم الصناعي منذ ثماني سنوات، أي فترة تتجاوز سني البطالة المتوسعة وتفشي الكساد والفقر بعد ازمة عام 1929 التي ابتدأت في الولايات المتحدة وتوسعت الى أوروبا وأسهمت في اعتلاء هتلر وموسوليني الحكم في المانيا وايطاليا بهدف تجاوز مفاعيل الازمة عام 1934. ثم أسهمت استعدادات الحرب العالمية الثانية في تجاوز ازمة البطالة واللاثقة، لكن سني الحرب عدلت انظمة الحياة والتعامل ونتجت منها اتفاقات بريتون – وودز التي ظلّت تمثل اطار التعاون المالي (عبر صندوق النقد الدولي) والانمائي (عبر البنك الدولي) حتى تاريخه، وهذه الاتفاقات كرست دور الولايات المتحدة والى حد ما بريطانيا في الهيمنة على التوجهات والقرارات الاقتصادية والمالية ذات الابعاد الدولية.
والسيطرة على القرارات المالية والاقتصادية الدولية استندت الى اعتماد الدولار-العملة الرئيسية للتداولات الدولية – وكان الجنيه الاسترليني صاحب هذا الدور حتى عام 1928 قبيل الازمة المالية العالمية واتضاح دور الولايات المتحدة الاقتصادي المتوسع، مقابل ضمور دور بريطانيا التي تحولت من إمبراطورية الى دولة مدنية بعد الحرب العالمية الاولى. وعام 1928 كتب رئيس وزراء بريطانيا العظمى ان الجنيه فقد دوره لمصلحة الدولار.
الانظمة الدولية واتفاقات التبادل التجاري الحر كما تحرير الاسواق لاستقبال الاستثمارات من أي مصدر ومن ثم تسييل الاستثمارات لاصحاب الحقوق، وتنامي الدين العام في جميع البلدان الصناعية، وتزعزع أسس الوحدة الاوروبية، كل هذه التطورات مع توجهات نتائج الانتخابات في المانيا، وفرنسا، وايطاليا، توحي بان هيكلية الاقتصاد العالمي، ودور الدولار بصفته العملة الرئيسية للتبادل التجاري الدولي معرضة للانهيار.
نتحدث بصيغة التوقعات عن فرنسا، المانيا وايطاليا بعد ما حصل، أولاً في بريطانيا حينما أظهرت نتائج الاستفتاء على الاستمرار في عضوية الاتحاد الاوروبي أو لا، وتصويت الغالبية (بنسبة 52 في المئة) على الخروج منه، كما في نتائج انتخابات الرئاسة الاميركية، ونجاح دونالد ترامب في تولي مركز الرئاسة بدءاً من 20 كانون الثاني 2017.
وقد اعلن ترامب عن سبع خطوات سيتخذها من اليوم الاول لولايته. ونشير الى الخطوات الثلاث الاولى التي تتعلق بشكل أو بآخر باتفاقات دولية هدفت الى تكريس حرية التجارة وضبط المخالفات البيئية.
أولى الخطوات الثلاث، اعلان ترامب الانسحاب من اتفاق تحرير التجارة والتبادل بين عشر دول تطل أو هي في المحيط الهادي. وهذه الدول لا تشمل الصين. وكان أوباما قد عمل على وضع شروط هذا الاتفاق بحيث أنجزت التفاصيل العام المنصرم، لكن اقراره يستوجب موافقة السلطات التشريعية في البلدان المعنية. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق – وكما يقول رئيس وزراء اليابان- لا تعود هنالك فائدة منه.
الخطوة الثانية التي سيعلنها الرئيس ترامب الغاء القيود على انتاج الطاقة، ووسائل نقل النفط والغاز في الولايات المتحدة وتشجيع تصدير الغاز من الولايات المتحدة، وهذا التوجه يعني تفلت الولايات المتحدة من اتفاق ضبط حرارة المناخ التي انجزت في باريس قبيل انتهاء عام 2015 واعتبرت انتصارًا دوليًا لكبح تردي شروط الحياة البيئية على نطاق عالمي.
الخطوة الثالثة، الغاء القيود التنظيمية التي وضعت للتأكد من حسن التزام قواعد الاقراض المصرفي، والتحقق من الشفافية في عمل الشركات، والابتعاد عن ممارسات الاحتكار الخ، وهذا التوجه يعني الافساح في مجال تزايد المضاربات من المصارف الاميركية واعتماد وسائل عمل تناهض مساعي انتظام التعاملات المالية. وكانت السلطات الاميركية بعد أزمة 2008 وضعت تشريعات وتنظيمات استغرقت 10 آلاف صفحة، ولا شك في ان ترامب سيسعى الى الغائها، واعطاء القطاع المالي الحرية الكاملة وربما نتيجة هذا التوقع ارتفعت اسهم المصارف بنسب مرتفعة في الولايات المتحدة، واعلن رئيس “الدويتشه بنك” ان المصارف الاميركية ستنعم بشروط تيسيرية مقابل الشروط التقييدية على المصارف الاوروبية.
بعد مفاجأة انتخاب ترامب وتكشف برامجه التي يمكن وصفها بالحمائية للاقتصاد الاميركي، تفشت نفسية الاحتجاج الشعبي على نتائج العولمة وسياساتها. والواقع ان التبرم من نتائج العولمة كما مورست له ما يبرره، لكن الانتقال الى نظام حمائي من جديد له مخاطره، ومع ذلك ثمة مؤشرات توحي بان العالم يسير في هذا الاتجاه، وأول مؤشر امكان نجاح ماري لوبن في انتخابات الرئاسة الفرنسية المقررة في أيار 2017.
مجلة “الإيكونوميست”، التي شجعت مدى سنوات وعقود اقرار اتفاقات تحرير التجارة، والتكامل الاوروبي، والتعاون الموسع مع الولايات المتحدة، انجزت تقريرًا عن توجهات الناخبين في فرنسا، وكانت النتيجة ترجيح فوز ماري لوبن في انتخابات الرئاسة بنسبة 40 في المئة. ومن المؤكد ان تقريراً كهذا لم يكن في وارد تفكير المسؤولين سابقًا، لكن تطورات انتخاب ترامب وقرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الاوروبي تشجع الناخبين في فرنسا على انتخاب ماري لوبن.
تنادي رئيسة الجبهة الوطنية اليمينة الفرنسية بالانسحاب من الوحدة الاوروبية والأورو والتشدد حيال موجات الهجرة، والانفلات من القيود على السياسات النقدية والاقتصادية التي تنادي بها الهيئات الدولية منذ تفجر ازمة 2008. وكما ينادي ترامب باستعادة الولايات المتحدة عظمتها، تنادي لوبن باستعادة فرنسا وزنها الثقافي والتكنولوجي، واذا انتخبت رئيسة لفرنسا في أيار 2017 فعلى الاتحاد الاوروبي السلام، ذلك لان فرنسا والمانيا هما الدولتان اللتان يرتكز قيام الاتحاد الاوروبي على تآزرهما وتصميمهما على متانة اتفاقات السوق.
في مواجهة لوبن وامكان انتخابها، نرى ان المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي أبلغت حزبها نيتها الترشّح لولاية رابعة، تتعرض للانتقادات على سياساتها بالنسبة الى اللاجئين والمهجرين. فهي كانت بالفعل السياسية الاولى بين أصحاب القرار من الشجعان في النظر الى هذه القضية ليس من زاوية انسانية فحسب بل ايضاً من زاوية تكامل الشعوب. فالدول الاوروبية تشهد تناقصًا في اعداد مواطنيها، والدول النامية تعج بالولادات، ففرص التكامل بين المنهجين فيه فائدة للمجتمع الدولي. وكانت ميركل الزعيمة الاكثر شجاعة وبعد نظر في خيارها استقبال مليون لاجئ، وقد واجهت انتقادات من احزاب اليمين في المانيا ومن زعماء بعض الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي، فلم تتراجع، وها أنها بدأت تستعيد نسبة من المناصرين الذين كانوا ابتعدوا عنها. وفي حال عدم اعادة انتخاب ميركل، وحتى من دون انتخاب لوبن، يتعرض كيان الاتحاد الاوروبي للاهتزاز، وهذا أمر يضر بالاقتصاد العالمي، ومدى الاطمئنان الى امكان تجاوز مفاعيل تطور كهذا غير مضمون.
ايطاليا، كانت دوماً من اعمدة قيام السوق الاوروبية المشتركة، واتفاق قيام الاتحاد الجمركي الاوروبي انجز وسمي اتفاق روما قبل 60 سنة. ولولا انجاز ذلك الاتفاق لما كانت هنالك سوق اوروبية موحدة نتجت من تطوير اتفاق روما. وايطاليا اليوم، وهي صاحبة رابع اكبر اقتصاد في أوروبا، قد تخسر التوجه الاوروبي، لان رئيس وزرائها الاصلاحي ماريو رنزي طالب باستفتاء على تعديل الدستور، وتاريخ الاستفتاء 2016/12/4، فان كانت النتيجة رفض التعديل، سيستقيل رئيس الوزراء، الذي هو شاب واصلاحي وصاحب توجهات تكاملية مع أوروبا ومناصر للاورو، وقد تفوز الاحزاب المناهضة للاورو وللوحدة الاوروبية.
بعد انتخاب ترامب وبدء سلسلة سياساته، وقرار انسحاب بريطانيا من الوحدة الاوروبية، واذا انتخبت ماري لوبن رئيسة لفرنسا، وخسرت ميركل قيادتها لألمانيا، وجاءت نتائج استفتاء ايطاليا مخيبة لتوجهات رئيس وزرائها، فعلى الاتحاد الاوروبي السلام والاورو قد يخسر نسبة ملحوظة اضافية من سعر صرفه، والعالم قد يواجه ازمات مالية واقتصادية تتجاوز ما عرفناه حتى تاريخه وما لم يتمكن العالم من مواجهته حتى تاريخه!

مروان اسكندر.