اتفاق أوبك.. لماذا فشلت الأسواق في رؤية الصورة الأشمل؟

اتفاق “أوبك” في فيينا لم يكن مفاجأة، وذلك على الرغم من الصعاب التي واجهت تحقيقه. المفاجأة الحقيقية كانت في الجزائر نهاية سبتمبر الماضي، عندما تحول اجتماع غير رسمي لأعضاء “أوبك” على هامش منتدى الطاقة الدولية في العاصمة الجزائر إلى اجتماع استثنائي للمنظمة، تم التوصل فيه لاتفاق على خفض سقف الإنتاج، وإرجاء التفاصيل إلى الاجتماع الوزاري العادي في فيينا في 30 نوفمبر.

العقبة الأكبر في التوصل إلى الاتفاق كانت إيران، والزيادة القوية التي كانت تحققها في إنتاجها خلال هذا العام، وهذا ما أكده لي وزير الطاقة الجزائري نور الدين بوطرفة عراب الاتفاق. أما الصعوبة الأخرى التي واجهت الاتفاق فقد كانت طول الفترة الزمنية ما بين الاجتماعين (28 سبتمبر إلى 30 نوفمبر)، والذي قد يفتح الباب أمام تدخل عوامل جديدة لم تكن محسوبة.

لكن، وبحسب الوزير واتصالاته الأولية، فقد كان واضحاً أن الجميع أراد التوصل إلى اتفاق، وبالتالي ما كان ينقص هو الجهد الحثيث في تقريب وجهات النظر حول بعض التفاصيل.

الملفت أن الأسواق والعديد من المحللين بالغوا في تشاؤمهم حيال توصل “أوبك” إلى اتفاق، ساخراً بعضهم من أن المنظمة فقدت مصداقيتها بشكل تام وليس لها دور تلعبه في السوق، مشيرين إلى قرار المنظمة بعدم خفض سقف الإنتاج في اجتماع نوفمبر عام 2014، على أنه المسمار الأخير في نعشها، متناسين أن هذا القرار كان ردة فعل طبيعية ومنطقية لمعطيات السوق حينها، وأنه استطاع بالفعل حماية حصة “أوبك” السوقية.

هذا التشاؤم وصل ذروته في 29 نوفمبر، أي قبل يوم من اجتماع “أوبك”، حيث وصلت تراجعات أسعار النفط يومها إلى نحو 5%، وذلك في ضوء تصريحات متشددة نسبياً صدرت من عدة أطراف في اليومين الأخيرين اللذين سبقا الاجتماع، مثل تصريح الوزير السعودي خالد الفالح بأن السوق متجهة للاتزان مع قرار أو بدون قرار للخفض من “أوبك”. مثال آخر هو تصريح الوزير الإيراني زنغنه بأن إيران لن تخفض إنتاجها ولن تجمده.

ويبدو أن السوق حمّلت هذه التصريحات أكثر مما تحتمل، فهي لا تكاد تكون تكتيكاً وإعلاءً للسقف التفاوضي قبيل الاجتماع.

صحيح أن الشيطان دائماً يكمن في التفاصيل، وصحيح أن “أوبك” كمنظمة ليست مثالية (بل بعيدة جداً عن ذلك)، لكن الأمر الذي تناسته السوق هو أن الوضع تغير بالنسبة لجميع الدول الأعضاء. وقد تم اتخاذ قرار استراتيجي بهذا الشأن في الجزائر. وما تبقّى هي أمور ثانوية (بالرغم من أهميتها) من الممكن التفاوض والتفاهم عليها في وجود رغبة وحاجة حقيقية لدى كل الأطراف (لأهداف ذاتية بحتة) للتوصل إلى اتفاق.

السوق أثبتت من جديد أنها غير مثالية هي الأخرى، ولا تستطيع أن تقرأ المعطيات دوماً بالشكل الصحيح، وبالتالي تخطئ بين الحين والآخر في توقعاتها ورهاناتها. تتعلق بكل تصريح صغير وبكل حدث عابر هنا أو هناك، محاولة أن تجمع كل المعلومات والتفاصيل لحظة بلحظة. لكنها تقع في الخطأ عندما تضخم بعض الأمور وتعطيها أكبر من حجمها، لتبدأ بالتداول على الفور متأرجحة من بين “عواجل” وكالات الأنباء. وهذا ما حصل مع فشل الأسواق في توقع نتائج الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ونتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية.

السوق لم تقرأ جيداً الصورة الأشمل فيما يتعلق بـ”أوبك”، وهي أن الجميع يدرك (والإدراك هنا هي النقطة الأهم) أنه سيخسر في حال عدم التوافق على قرار يخفف من التخمة في المعروض النفطي، ويضع أرضية سعرية أعلى. لكن وبالرغم من ذلك، إلا أن بعض المحللين عاودوا من جديد إعلان تشاؤمهم حيال مشاركة كبار المنتجين من خارج “أوبك” من جهة، ومن جهة أخرى إعلان تشاؤمهم حيال الالتزام بتطبيق الاتفاق فعلياً على الأرض.

وفي ظل استمرار التشكيك من البعض حيال نجاح الاتفاقية، من غير المستبعد أن نشهد مزيداً من الارتفاعات السعرية للنفط خلال الأيام القادمة في ظل إغلاق المزيد من المراكز المراهنة على تراجع سعر النفط، وذلك مع اقترابنا من الاجتماع المرتقب (والشكلي) لممثلي “أوبك” مع كبار المنتجين من خارجها في الدوحة في التاسع من ديسمبر، للإعلان رسمياً عن الاتفاق ما بين “أوبك” وخارج “أوب”.

من غير المتوقع أن يكون الالتزام بالتطبيق 100%، لكن يكفي تطبيق ولو جزئي (طبعاً هناك حد أدنى) لتستمر الاتفاقية في دعم الأرضية السعرية الجديدة.. وهذا هو الهدف. (وكالات)

بورصة انفو : الموقع الرائد لأخبار الذهب , العملات , البورصات. مع تحليلات الدولار واليورو