أسبوع مفصلي للدولار الأميركي.

لا يوجد اليوم اي عائق او حاجز امام مجلس الاحتياطي الفيدرالي لرفع اسعار الفوائد على الدولار في كانون الاول سيما وان المؤشرات الاقتصادية من وظائف وانفاق المستهلكين وازدياد الدخل والمدخرات كلها جاءت ايجابية مما يعني إن كل شيء اصبح متوفرا لهكذا خطوة.

تقول رئيسة الاحتياطي الفيدرالي جانيت يلين ان الفوائد قد ترتفع قريبا سيما وان انتخاب ترامب لم يسفر عن تغيير كبير في توقعات النمو الاميركي. وفي شهادتها امام الكونغرس منذ اسبوع قالت يلين «ان الأدلة التي شهدناها منذ اجتماع تشرين الثاني تتوافق مع توقعات تعزيز النمو وتحسين سوق العمل والتضخّم وحسبها دائما ان الاقتصاد يسير بخطى جيدة نحو تحقيق الاهداف المرجوة.

هذه الخطوة تتوافق كليا مع تصريحات دونالد ترامب الذي اتهم يلين بأنها تحاول ابقاء اسعار الفوائد متدنية لمساعدة المرشح الديمقراطي هيلاري كلينتون.

وقد أظهرت التقارير استعادة ثقة المستهلك الاميركي الى اعلى مستوى له منذ تسعة اعوام رغم الشكوك التي تكتنف سياسات الرئيس المنتخب ترامب. وتبدو الصورة اكثر تفاؤلًا، حسب منظمة التعاون والتنمية، في الميدان الاقتصادي والتي تستند دائما ان النمو العالمي سوف يرتفع بصورة اسرع مما كان متوقعا في الاشهر المقبلة مع سياسة ترامب لخفض الضرائب وزيادة الانفاق العام.

وفق توقعات المنظمة النمو سوف يتسارع النمو من مستويات ٢،٩ بالمائة لهذه السنة الى٣،٣ بالمائة في عام ٢٠١٧ لتصل الى ٣،٧ بالمائة في العام ٢٠١٨.

والنمو الاميركي سيتحسّن في العام ٢٠١٨ ليصل الى ٣،٠ بالمائة وهو أعلى معدل له منذ عام ٢٠٠٥ مما يعني تراجع البطالة في اكبر اقتصادات العالم في نسبة ٤،٩ بالمائة الى ٤،٥ بالمائة في عام ٢٠١٨ حسب تقديرات المنظمة نفسها.

وهذا يعني زيادة في ارتفاع الاجور مما يدفع بالتضخم من نسبة ١،٢ في المائة في عام ٢٠١٦ الى ٢،٢ بالمائة في العام ٢٠١٨، وهذا يعني أيضا ان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سوف يرفع اسعار الفوائد لتصل الى ٢ بالمائة في اواخر العام ٢٠١٨.

هذه التوقعات التفاؤلية قد تصبح حقيقة سيما وان ترامب وعناوين سياسته قد تدفع قدما في الاقتصاد الاميركي. وهنا تتبادر الى الاذهان أمور عدة قد يكون أبرزها ما اذا كان الاقتصاد الاميركي على استعداد لمواجهة المزيد من الزيادات في اسعار الفائدة، كذلك هل ان الشركات مستعدة لزيادة تكاليف الاقتراض وماذا يعني ارتفاع اسعار الفائدة للمستهلكين. والسؤال الابرز ما هي مفاعيل هذا الارتفاع على الاسواق المالية وكيف ستكون ردة فعل المستثمرين، والأهم، ما هي ردود الفعل العالمية على هكذا ارتفاع.

اما بالنسبة للسؤال الاول واذا ما كان الاقتصاد الاميركي على استعداد لهكذا ارتفاع فان الاراء تختلف بين الاقتصاديين وتتباين اذ ان بعضهم يرى أن هكذا ارتفاع لا يؤثر كثيرا انما يساعد الاحتياطي الفيدرالي في تحسين مستويات التضخم، بينما يحذّر المشككون من ان التضخّم ما زال متدنيا جدا واي ارتفاع للفوائد سوف يزعج الاسواق العالمية ويساعد على ارتفاع قيمة الدولار مما يعني قدرات تنافسية اقل بالنسبة للصادرات الاميركية.

وبالنسبة الى السؤال حول ما اذا كانت الشركات مستعدة لزيادة تكاليف الاقتراض، فمن المُلاحظ ان العديد من الشركات استفادت من انخفاض اسعار الفوائد واقترضت المال من خلال اسواق السندات، وهي باتت مستعدة لمواجهة هكذا احتمال. غير ان بعض الاقتصاديين يقولون ان الشركات التي اصدرت ديونا منخفضة الجودة قد تتعرّض لارتفاع الديون بصورة اسرع.

اما في ما يختص بالمستهلكين فان ارتفاعات الفوائد القصيرة الاجل ستكون ايجابية للمدخرين الذين فقدوا كثيرا في الفائدة على الودائع، بيد ان التغيير يمكن ان يطال مجموعة اخرى من اسعار الفائدة بما في ذلك قروض السيارات وبطاقات الائتمان والرهن مما يجعلها اكثر كلفة.

مع ذلك، فان عبء الديون الأسرية والذي وصل الى ١١٤ بالمائة من صافي الدخل القومي العام الماضي يؤشر الى ان المستهلكين افضل استعدادا لمواجهة ارتفاع تكاليف الاقتراض.

وقد يكون الاهم ردود فعل الاسواق المالية وردة فعل المستثمرين سيما وانهم تفاءلوا بعد اول ارتفاع لاسعار الفوائد خلال عقد من الزمن. وهي وضعية يترقبها المستثمرون بفارغ الصبر منذ اكثر من عام لكن صنّاع السياسة عملوا جاهدين على التأكيد على ان تشديد السياسة النقدية سيكون هادئا لتجنّب اي عواقب للسوق، كتلك التي ظهرت عندما اعلنوا نهاية التيسير الكمي.

اما بالنسبة الى العملة فإن الكثير من المحللين ومديري الصناديق يتوقعون ان يواصل الدولار ارتفاعاته في السنوات المقبلة.

تبقى النظرة العالمية لهكذا ارتفاع وما اذا كانت المصارف المركزية الرئيسة في العالم تفكر في رفع اسعار الفوائد. الجواب على الارجح كلا، سيما وان الضعف الذي طال امده في اسعار النفط لا يزال يرخي بظلاله على التضخم، ومن المتوقّع أن تُبقي الكثير من المصارف المركزية في دول العالم الغنية على سياستها النقدية خصوصا اوروبا.

اما بالنسبة الى توقعات الاسواق الناشئة فالسؤال يبقى محيرا اذ ان رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة قد تثير اضطرابات في جميع انحاء افريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وقد تجد هذه الدول نفسها امام خيارين: اما خفض اسعار الفوائد لمساعدة الاقتصاد او زيادتها بغية ثني المستثمرين عن الذهاب إلى الخارج.

هذا ما هو متوقّع من تداعيات اجتماع 13-14 كانون الاول وآثاره على اميركا والعالم والاسواق المالية. ولمن يراقب الوضع يرى ان رفع الفوائد، وفي ظل مؤشرات مؤاتية، بات أمرا لا بد منه وما على العالم الا التأقلم مع جميع النتائج.

بروفسور غريتا صعب.