اقتصاد اميركا يتعافى وتحدياته بعيدة المدى.

تتوالى التقارير الاقتصادية الإيجابية الأميركية، إذ بعد التقرير الذي أظهر نمو الناتج المحلي للربع الثالث 2.9 في المئة، أضاف الاقتصاد الأميركي 161 ألف وظيفة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وتراجع معدل البطالة إلى 4.9 في المئة. ولأن هذا المعدل تراوح عند 5 في المئة على مدى الأشهر الـ 13 الماضية، على رغم استمرار الزيادة في عدد الوظائف المتوافرة، ارتفعت أجور العمال الأميركيين وفق قانون العرض والطلب، بنسبة 4 في المئة، وبلغت نسبة ازدياد الأجور 2.8 في المئة مقارنة بالعام الماضي، وهي نسبة جيدة وفقاً لاقتصاديين.

ويعتقد خبراء أميركيون أن اقتصادهم ينمو بمعدلات مقبولة، وأن التحديات التي تواجه الأميركيين واقتصادهم هي مستقبلية، وتتطلب بعض الرؤية والخطط المطلوبة للمدى البعيد، على رغم أن فترة خروج الاقتصاد الأميركي من «الركود الكبير» الذي أصابه في خريف 2008 هي من أطول الفترات في تاريخه، وقوة التعافي لم تبلغ الزخم المطلوب ولم ترفع الاقتصاد إلى مراحل نمو قوية على غرار فترات التعافي الماضية، بل بالكاد أعادته الى ما كان عليه قبل وقوع الركود عام 2007.

ويتمثل أبرز المشاكل الاقتصادية المزمنة التي تواجهها الولايات المتحدة، بالشيخوخة التي تصيب تركيبتها السكانية. إذ بلغ معدل النمو الاقتصادي 3 في المئة في العقد الأخير من القرن الماضي في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، واعتبره الأميركيون مثابة بحبوحة. لكن معدل النمو انخفض إلى 2 في المئة في سنوات الرئيس باراك أوباما بين عامي 2008 و2016، وهي النسبة التي تشير إلى اقتصار النشاط الاقتصادي على أدنى المطلوب، من دون أن يولّد بحبوحة تنعش أوضاع الأميركيين وتملأ الخزانة الفيديرالية لتلافي عجزها السنوي، وربما الحد من أزمة تفاقم الدَيْن العام القريب من عتبة 20 تريليون دولار ويشكل نسبة مئة في المئة من الناتج المحلي. ويرى الاقتصاديون الأميركيون «التقليديون»، أن سبب الفارق البالغ واحداً في المئة في معدل النمو بين التسعينات والعقد الأخير، يعزى الى شيخوخة السكان وضمور القوة الأميركية العاملة. ويعتبرون أن الاقتصاد كان اليوم في وضع أفضل لو قيض للولايات المتحدة استبدال متقاعديها، الذين ارتفعت نسبتهم في شكل كبير في السنوات الخمس الأخيرة، بأيدٍ عاملة شابة.

لكن خبراء آخرين لا يرون لشيخوخة الأميركيين تأثيراً يُذكر في النمو الاقتصادي، إلا في العجز المتوقع أن يصيب صناديق الرعاية الاجتماعية. ويعلن الخبراء أن قوة الاقتصادات الحديثة لم تعد مرتبطة بحجم القوة العاملة للبلد ولا بكمية الصناعة فيه، بل يرون أن قوة الصناعة والصادرات هي في نوعيتها وقيمتها. مثلاً، يمرّ جهاز «آي فون» في مراحل صناعته في دول كثيرة آخرها الصين، إذ يخرج منها إلى المستهلكين ويبدو كأنه صناعة صينية. لكن واقع الأمر هو أن الولايات المتحدة تجني أكثر من 70 في المئة من مبيعات هذا الجهاز لأن مساهمتها فيه، لناحية التقنية والتصميم والهندسة، قيمتها أعلى بكثير من مجرد جمع قطعه في المصانع الصينية.

وفي هذا السياق، يمكن المقارنة بين مصنع «آي فون» أميركي يعمل فيه 10 عمال يتقاضون 70 في المئة من ثمن الإنتاج، ونظيره الصيني الذي يعمل فيه مئة عامل ويتقاضون 10 في المئة من ثمن الإنتاج.

ولأن الأفكار والابتكارات ونوعية المساهمة في الصناعة تتقدم على الكمية في الصناعات الحديثة، صارت تنتشر بين الاقتصاديين الأميركيين فكرة مفادها بأن نهوض الاقتصاد الأميركي وبحبوحته في العقدين المقبلين يعتمدان على درجات التحصيل العلمي للعمال الأميركيين لا على عددهم. وهي فكرة باتت تنتشر في معظم العواصم الغربية، وكانت تجلياتها الأخيرة في مجموعة الدول الإسكندنافية، التي أعلنت حكوماتها عن مبادرات تعليمية وتثقيفية لرفع المستوى العلمي والعملي والمهني لعمالها، بدلاً من البحث عن زيادة أعداد الشباب بينهم، كما درجت العادة في العقدين الأخيرين. ويشير الاقتصاديون «التجديديون» الأميركيون، إلى أن نمو الاقتصاد الأميركي على مدى العقد الماضي قادته ابتكارات، خصوصاً في قطاع الطاقة، سواء لناحية استخراج الوقود الأحفوري، أو توسيع حقول توليد الطاقة البديلة الشمسية والهوائية.

وفي التسعينات، كانت أي فكرة لامعة تحتاج إلى تمويل كبير ومصانع وعمال وقوانين تسهل إقامة الأعمال وإدارتها. اما في الاقتصادات الحديثة، فيقتصر المطلوب على فكرة لامعة وجهاز كومبيوتر. وهكذا، نرى اليوم زعماء القطاع الخاص من أمثال مالك شركة «أمازون» جيف بيزوس، وصاحب شركة سيارات «تيسلا» الكهربائية إيلون ماسك، اللذين يتوليان مبادرة تطوير برامج الفضاء إلى جانب وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، لأن الاعتقاد السائد يقضي بأن القطاع الخاص أكثر مهارة ويتطلب رأس مال أقلّ من القطاع العام.

الأفكار الأميركية لاقتصاد المستقبل كثيرة، وثقة الأميركيين بنفسهم واقتصادهم عالية. يبقى أن دور الحكومة بات يقتصر على إعداد الأميركيين لتحديث اقتصادهم، ما يتطلب رفع كفاءة الأيدي العاملة لا زيادة عددها، وهي التجربة التي انكب عليها الإسكندنافيون، والتي أصبحت تشغل حيزاً مهماً من النقاش الاقتصادي في أميركا.

حسين الحسين.