النفط في أسبوع (السيارات الكهربائيّة والنفط)

أصبح شائعاً أن السيارة الكهربائية ستقضي على زيادة الطلب على النفط مستقبلاً. وبما أن قطاع المواصلات هو الأكثر استهلاكاً للنفط، فقد تواجه الصناعة تحدياً كبيراً يضر بنموّها. إلا أن دراسة حديثة تشير الى عدم صحة هذا الافتراض، إذ إن قطاع المواصلات هو أوسع كثيراً من السيارات الخاصة لوحدها، وأن توسّع استعمال البطارية الكهربائية الى مختلف أنواع النقل، بخاصة النقل الطويل المدى، يتطلّب بحوثاً جديدة تحتاج وقتاً أطول كثيراً من تلك المستعملة في السيارة الكهربائية التي هي في الأسواق حالياً.

تشير دراسة لشركة «بريتش بتروليوم» (بي بي) أعدها رئيس قسم الاقتصاد في مجموعة «بي بي» سبنسر ديل، والاقتصادي المسؤول عن أسواق النفط العالمية توماس سميث، وتم استعراضها في ندوة لوكالة «بلومبرغ» في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. مفاد الدراسة، أن السيارة الكهربائية كانت موجودة منذ فترة طويلة، قبل السيارة ذات الاحتراق الداخلي التي تستعمل الوقود. لكن ابتكار سيارة «فورد – ت» والتصنيع الواسع لسيارات الاحتراق الداخلي بأسعار منخفضة متاحة اقتصادياً للجمهور الواسع، أديا الى انقراض السيارة الكهربائية في أوائل القرن العشرين. ويضيف الكاتبان أن السيارة الكهربائية تعود بعد قرن تقريباً. والسؤال ليس «هل ستعود أم متى. فهي هنا الآن». إذ تتضمن استراتيجيات كبرى شركات تصنيع السيارات اليوم، مخططات رئيسة لإنتاج السيارات الكهربائية. وتتضمن هذه الاستراتيجيات، برامج تسويقية طموحة.

يشير الكاتبان الى أن نسبة السيارات الكهربائية في الأسواق العالمية اليوم لا تزال ضئيلة، إذ إنها لا تتعدى 0.1 في المئة من سوق السيارات العالمية. سيساعد عودة السيارات الكهربائية بروز إيجابيات عدة، أهمها تقليص التلوث المناخي في المدن المكتظة بالسكان. وستزداد أهميتها مع الازدياد المستمر في توسّع السكان وازديادهم في المدن الكبرى، حيث يعيش نحو أربعة بلايين شخص حالياً، ليزداد عددهم الى 6.5 بليون بحلول عام 2050.

وستشكّل السيارات الكهربائية جزءاً مهماً من التغير الشامل لطرق المواصلات المستقبلية. فمن المتوقع بروز وسائل حديثة للنقل المستقبلي، ناهيك عن بدائل استخدام السيارة، من حيث اتباع أنظمة المشاركة مع أفراد آخرين، بدلاً من الاستعمال الفردي لها. وهذا ما هو إلا ناحية بسيطة لتبدّل علاقتنا بالسيارة.

تطرح السيارات الكهربائية سؤالين مهمين لصناعة الطاقة. الأول: ما سرعة نمو السيارات الكهربائية، وإمكاناتها للتوسع في سوق سيارة الأفراد؟ الثاني: ما تأثير هذه المتغيرات في نظم الطاقة العالمية؟

للإجابة عن هذين السؤالين، وقبل الولوج في الأمور المستقبلية، تلقي الدراسة الضوء على بعض الأرقام والإحصاءات. فتقدر أن هناك نحو 900 مليون سيارة تستعمل على الطرق العالمية، يبلغ مجمل استهلاكها النفطي نحو 19 مليون برميل يومياً، أو نحو خمس الاستهلاك العالمي اليومي البالغ نحو 95 مليون برميل. بينما يبلغ مجمل استهلاك قطاع المواصلات (السكك الحديد والسفن والشحن البحري والجوي) نحو نصف الطلب العالمي على النفط. بينما يشكّل الطلب الصناعي نحو الثلث.

وبينما من الممكن ازدياد إنتاج السيارات الكهربائية، وفقاً للدراسة، إلا أن توسّع استعمال الكهرباء للأنواع الأخرى من المواصلات، مثل الشاحنات الخفيفة الوزن، والشاحنات الضخمة لنقل البضائع لمسافات طويلة والشحن البحري وغيرها من طرق المواصلات الطويلة المدى، سيزيد استعمال البطاريات الكهربائية لوسائل النقل، إضافة الى المسافات الطويلة التي ستتطلبها وسائل المواصلات الأخرى، ما سيؤخر استعمال البطاريات الكهربائية لجزء كبير جداً من وسائل النقل. من ثم، فإن من المتوقع أن ينحصر أسرع تطوير للبطاريات الكهربائية في السيارات الخاصة.

ما أهمية السيارات الخاصة الكهربائية لمستقبل الطاقة العالمي خلال العقدين المقبلين؟

تتوقع دراسة شركة «بي بي» ازدياد استهلاك النفط نحو 20 مليون برميل يومياً خلال السنوات العشرين المقبلة، وأن يحصل معظم هذه الزيادة للطلب في الدول النامية، بخاصة في الدول الآسيوية النامية، حيث ارتفاع الإنتاجية وتحسّن مستوى المعيشة. من ناحية أخرى، نلاحظ أن استهلاك النفط في منحى انخفاضي في الدول الصناعية عموماً، كما أن المؤشرات تدل على استمرار هذا الانخفاض مستقبلاً. في المقابل، تشير التقديرات الى تحسّن المستوى الاقتصادي لنحو بليونين من السكان في الدول النامية بحلول عام 2035. وسيشكّل هذا الازدهار الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة في الدول المكتظة بالسكان، العامل الأهم لزيادة استهلاك النفط. إذ تشير التقديرات الى أن نحو 12 مليون برميل يومياً من زيادة استهلاك النفط ستأتي من قطاع المواصلات، وأن هذه الزيادة ستأتي في شكل متساو تقريباً من مختلف أنواع القطاع: الطائرات والقطارات والسفن نحو 3 ملايين برميل يومياً، والشاحنات 4 ملايين، والسيارات 5 ملايين برميل يومياً. ويتوقع أن يأتي معظم الزيادة الأخرى في الاستهلاك من توسّع الاستهلاك الصناعي، الذي يرجح أن يشكل أسرع مصدر لزيادة استهلاك النفط خلال العقدين المقبلين، بخاصة لاستعمال النفط كلقيم في صناعة البتروكيماويات.

وفي ما يتعلق بدور السيارات خصوصاً في زيادة استهلاك النفط، يتوقع أن يؤدي تحسّن مستوى المعيشة في الدول النامية، الى زيادة مهمة في اقتناء السيارات الخاصة، حيث ستتمكن مئات الملايين من العائلات من شراء أولى سياراتهم. وتشير التقديرات الى إمكان مضاعقة عدد السيارات عالمياً خلال العقدين المقبلين من نحو 900 مليون الى 1.8 بليون سيارة، بحيث سيأتي معظم هذه الزيادة في الدول النامية. ويتوقع أن يزداد عدد السيارات الكهربائية ضمن المجموع المستقبلي لعدد السيارات من نحو 1.2 مليون سيارة اليوم الى 70 مليوناً في 2035. ومن الطبيعي أن تقلص الزيادة المتوقعة في عدد السيارات الكهربائية، نمو الطلب المتوقع على النفط، لأن الكهرباء التي ستستعمل للسيارات سيتم توليدها من وقود غير النفط. لذا يتوقع أن يؤثر الازدياد في استعمال السيارة الكهربائية، في شكل محدود، في استهلاك النفط.

وليد خدوري.