دافوس… لا بُدّ منها ولو أن مشكلاتها لا تنتهي

هناك تفاؤل ازاء الآفاق الاقتصادية في المنتدى الاقتصادي العالمي المعقود هذا الاسبوع في جبال الآلب السويسرية في دافوس، سيما وان الاقتصاد العالمي يبدو في حالة افضل مما كان عليه خلال السنوات الماضية التي تلت الأزمة المالية العالمية.
برز الانتعاش في أسواق الأسهم وارتفاع اسعار النفط وان كان ببطء ومع تراجع التباطؤ الاقتصادي في الصين والذي كان مصدرا رئيسيا للقلق، وعادة ما يتماشى التفاؤل الاقتصادي مع جو سياسي مرن انما وعلى ما يبدو هذا عكس ما هو الوضع حاليًا في ظل قلق شديد ومتزايد من مناخ سياسي سام واحساس عميق بعدم اليقين يكتنف الوضع حاليًا مع رئاسة ترامب في الولايات المتحدة الاميركية ومع العصبية الشعوبية المتزايدة في انحاء العالم المتقدم ومع اقتراب الانتخابات في هولندا وفرنسا والمانيا وايطاليا والذي وعلى الاكيد يرخي بظلاله على مجتمعي دافوس.

وفق Jean Marie Guehenna ، الرئيس التنفيذي لشركة «International Crisis Group»، وبغض النظر عن الطريقة التي يمكنك فيها رؤية ترامب ومواقفه، فان انتخابه أدّى الى شعور عميق بعدم اليقين وهذا الامر سيرخي بظلاله على دافوس. وللعلم، فان عناوين الندوات في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي سيستمر من ١٧ الى ٢٠ كانون الثاني يشير الى هذه الحالة ويعطي فكرة واضحة عن الصورة.

من بين هذه العناوين «كيف نعالج أزمة الطبقة الوسطى» «Tolerance at the Tipping point»و سياسة التخويف او التمرد…» وغيرها من العناوين مثل «ما بعد عهد الاتحاد الاوروبي».

اضف الى ذلك لائحة الزعماء الذين سيحضرون القمة واهمهم سيكون الرئيس الصيني xi jinping وهو اول رئيس صيني يحضر هذه القمة، سيما ان وجوده يعطي فكرة واضحة عن بروز الصين على الساحة الدولية ويعتبر علامة على الوزن المتزايد لبكين في العالم وسط جو دولي غير متناسق مع ترامب وانتخابه واوروبا ومشاكلها بعد الـ Brexit ومع اللاجئين ومتاعبهم مع الارهاب.

ولا بد من التنويه هنا بدور دافوس كونها فريدة من نوعها ولا يوجد مكان آخر في عالم السياسة والاعمال حيث يجتمع القادة ويتباحثون، سيما وان العالم في حاجة الى افكار جديدة وربما يستطيع تحدي التوقعات وخلق اجواء تعطي مساحة للتفكير في امور عديدة.

يبقى ان العالم بأجمعه آت الى دافوس وهمومه على ظهره من ميركل الى ماي الى غيرهم من زعماء العالم الحاضرين في هذا المنتدى من رجال اعمال وسياسيين و غيرهم. وسيلقي تنصيب دونالد ترامب في ٢٠ كانون الثاني بظلاله على الحدث، ولكن من الصعب معرفة كيف ستسير الامور في المؤتمر وماذا ستتضمّن المشاورات في ظل ما بدأ يسمى «النظام العالمي الجديد».

لذلك وفي المطلق، قد يكون دافوس منتدى لتبادل الافكار الاقتصادية انما الجو السياسي ولا شك يرخي بظلاله على الامور، وكل من موقعه يريد ان يبعث برسالة الى العالم، قد تكون رسالة سياسية المغزى بامتياز.

قد لا يكون النمو الاقتصادي العالمي كافيا حاليًا لحل التحديات الكبرى حسب كلاوس شواب الرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي والذي حذر من ان حلولا مبسّطة وحدها لا تكفي. والحلول في مطلق الاحوال غير واضحة بانتظار ما سوف تؤول اليه سياسة ترامب الجديدة «اميركا اولًا» والتي ساعدته في الفوز في الانتخابات الرئاسية ومواقفه الواضحة تجاه العولمة والاتفاقيات التجارية وعدائيته المسبوقة لاوانها تجاه الصين.

لكن، وعلى ما يبدو، يحاول المجتمعون في دافوس التركيز على امور كثيرة الا التشكيك بترامب رغم انه سخر وفي مرات عديدة من امور يسعى المنتدون في دافوس للتكلم عنها مثل الاحتباس الحراري، والطاقة النظيفة وكرسوا من اصل 15 دورة في هذا الاجتماع السنوي تسعة منها للحديث عن هذا الامر.

لذلك تبدو الامور، وعلى عكس ما يراها البعض، معقدة بعض الشيء ومشاكل دافوس لا تزال مرتبطة بامور قد تكون أبعد من السياسة وتتضمّن مساع تتخطّى العامل الآتي لتركّز على امور مستقبلية لا يمكن انكار ضرورتها.

غير ان الملامح العامة تبقى هي نفسها ترامب والصين والـ Brexit وهي ثلاثة امور لا يمكن تجاهلها رغم ما سوف يحدث. فالرئيس الصيني يتحدث دفاعا عن حرية التجارة الدولية، وماي سوف تتحدث عن الـ Brexit .

ورغم ان الرئيس المنتخب دونالد ترامب لن يذهب الى دافوس الا ان مواقفه المعادية لمؤتمر باريس وللتجارة الحرة وتهديداته برفع الضرائب على الواردات الصينية كلها سوف ترخي بظلالها على المؤتمر.

وعلى عكس ما هو ظاهر للعيان قد تبدو الصين وبوفدها المميز مسؤولة مهمة في الشؤون العالمية بعد ان انقلب دورها من معرقلة للجهود العالمية الرامية الى معالجة تغير المناخ الى مدافعة عنه.

لذلك قد يكون السؤال الذي يطرح نفسه الان: هل نحن على وشك ان نشهد تحولا حاسما بعيدا من تطلعات الدول الاعضاء في المنتدى؟ واذا كان الامر كذلك، هل هذا مرغوب به؟

الاجابة قد تكون متناقضة سيما وان معتقدات دافوس الاساسية في مجال التعاون العالمي والعولمة اهتزت بعد الأزمة المالية العالمية، ونسبة التجارة الى الناتج الاقتصادي العالمي شهدت ركودًا منذ ذلك الحين، كذلك رصيد الاصول المالية عبر الحدود والذي انخفض بشكل صريح، كذلك عدائية ترامب تجاه العولمة والاتفاقيات التجارية قد تعيدنا الى نوع من الفوضى في السياسة التجارية العالمية والتي حدثت في الفترة ما بين الحربين العالميتين الاولى والثانية. لذلك، تبدو الامور صعبة وبحاجة الى مجهود، سيما معالجة تغير المناخ وتحديات التنمية الاقتصادية.

وقد تصبح الحلول في فوضى من هذا النوع مستحيلة. واذا كانت الولايات المتحدة سوف تعتمد على نهج المصلحة الذاتية الضيقة غير مبالية بالمعايير الاخلاقية في العلاقات الدولية يبدو جليًا ان نظاما عالميا تعاونيا منفتحا يمكن ان يختفي.

هذه هي دافوس ومشاكلها التي، وعلى ما يبدو، لن تنتهي ولن ترى حلولا، اقله قبل ان تنجلي «صورة» ترامب وما يريده «لأميركا اولًا» وللعالم بشكل عام.

بروفسور غريتا صعب.