سويسرا لم تعد حصناً للسرية المصرفية

انتهت أسطورة السر المصرفي السويسري منذ مطلع السنة، بعدما عاشت 83 سنة. وكان للأموال الأجنبية الضخمة التي تدفقت إلى سويسرا سراً، ثقل كبير في تغذية ثروات المصارف في سويسرا بما مجموعه تريليونا دولار، استناداً إلى التحليلات الوطنية.

وكان مصدر هذه الأموال الخارجية خلال السنوات الأخيرة، أولئك الأثرياء الذين قرروا عدم دفع الضرائب في وطنهم الأم، هاربين بها الى الجنات الضريبية. لكن لا يجب إغفال أن جزءاً من هذه الأموال قديم العهد، وتراكم في خزائن المصارف السويسرية من نشاطات غير شرعية مثل تجارة الأسلحة والمخدرات، ناهيك عن ملايين الدولارات الناجمة من أرباح بعض الحكومات، التي شنت حروباً على الدول الفقيرة لنهب ثرواتها الطبيعية.

وبات مستحيلاً على المصارف الاحتفاظ بأسرار زبائنها، بفضل اتفاق تبادل المعلومات الضريبية آلياً بين حكومة برن من جهة ودول الاتحاد الأوروبي مع ثلاثين بلداً آخر حول العالم من جهة أخرى. بمعنى آخر، يتوجب على المصارف والمؤسسات المالية في سويسرا، إرسال المعطيات الخاصة بزبائنها غير المقيمين الى وكالة جباية الضرائب في برن. بدورها، سترسل الوكالة معطيات كهذه إلى دول لها مواطنون زبائن لدى المصارف السويسرية. علماً أن السر المصرفي السويسري كان «محمياً» بقانون صادر عام 1934، يحول دون تمكن بعض الدول الأوروبية في مقدمها فرنسا وألمانيا من التدخل في أعمال المصارف السويسرية، كي تنجح بالتالي في تعقب الأموال الهاربة منها تجاه سويسرا.

وكان لأزمة المال العالمية عام 2008 من دون شك، دور في زيادة الضغوط الدولية على سويسرا. وبفضل دخول الولايات المتحدة الأميركية على خط المواجهات الضريبية بين دول كثيرة وسويسرا، استسلمت حكومة برن في النهاية لهذه الضغوط، بما أن الولايات المتحدة فرضت غرامات ببلايين الدولارات على المصارف الرئيسة، وهي «كريديه سويس» و «يو بي أس».

واعتبر خبراء في جامعة زيوريخ، أن الانترنت اضطلع بدور إبادة أسطورة السرية المصرفية، إذ خوّل الانترنت المصرفي آلاف المواطنين من الطبقتين الوسطى والعليا إدارة أموالهم المودعة في مصارف سويسرا، من بُعد، ما لفت انتباه دول استشعرت نقصاً محتملاً في عائداتها الضريبية. إذ كان كافياً لأي متهرب من دفع الضرائب الضغط على زر واحد على شاشة الكومبيوتر، لنقل مئات الملايين من الدولارات من حسابه المصرفي في وطنه الأم، إلى سويسرا.

في مطلق الأحوال، لا تزال سويسرا ملجأ ضريبياً بامتياز بصرف النظر عن أسرار مصارفها. إذ يوجد بعض الكانتونات التي تعرض على كل من لديه دخل سنوي يفوق 350 ألف يورو حتى لو كان أجنبياً، تسهيلات ضريبية أكثر من ممتازة، لا تتوافر في أي دولة أخرى حول العالم.
طلال سلامة.