هل دخل النظام المالي العالمي دائرة الخطر؟

قد تكون الاصلاحات التنظيمية وامكاناتها اكثر بكثير من خفض الضرائب او الانفاق الحكومي، هذا ما قاله جون كوشران من معهد Stanford’s Hoover والذي يلوم النظام والانظمة على أعمال لم تبدأ، ومنتجات لم تر النور.

ترفع وعود ترامب من منسوب قلق جماعة حماية المستهلك والمصالح العامة، سيما وانه قد يتطرّق، وبشكل مخيف، الى الانظمة الرئيسية التي تحمي الناس من الذين قد يضرّون بمصالحهم جراء تسعير افتراسي وقروض غير آمنة وتلوث البيئة وغيرها. ويبدو ان التعرض لهذه الانظمة تشكل عنصرًا رئيسيًا في سياسة ترامب الذي يهدف الى مضاعفة النمو الاقتصادي ليصل الى ٤ بالمائة .

يرى العديد من الاقتصاديين ان هذه السياسة تشكل عاملًا هامًا في الاستثمار والانتاجية وتحسن مستويات معيشة الاميركيين. لكن تنقيح هذه الانظمة او الغائها لن يكون سهلًا وبعضها يتطلب موافقة الكونغرس سيما Obamacare كذلك قد تحصل مقاومة من قبل الوكالات التي كتبت هذه القواعد والانظمة. والتخلص منها قد يكون اصعب.

وفيما يلي المجالات التي سوف يتطرق اليها ترامب، وقد تكون على رأس لائحته وهي :

1- نظم Dodd- frank وهو اكبر اصلاح جرى للنظام المالي منذ الكساد العظيم، سيما وان ترامب قال عنه أنه سلبي جدًا للاقتصاد ومعقد للغاية وعقبة امام الاقراض. وتعهد باقتطاع اجزاء من هذا القانون حسبما يقول وزير الخزانة المعين.

وقد يكون الهدف الاول في هذا النظام قاعدة Volcker والتي تحظّر على المصارف التجارية العمل على الربح الذاتي وتحد من ملكيتها للاستثمارات المعرضة للخطر وهذا الامر تشجعه المصارف الكبيرة انما يتطلب تشريعًا خاصًا به.

٢- الأجور مقابل الوقت الاضافي، وهو أحد الاجراءات التي اتخذها اوباما بحيث يعطي الوقت الاضافي زيادة في الراتب والذي يرى فيها خبراء الاقتصاد انها لن تكون صالحة في ايام ترامب.

٣- البيئة: لن يستطيع ترامب الغاء Environmental Protection Agency كما اقترح البعض او اعادة التفاوض بشأن اتفاقية باريس لتقليل الغازات الدفيئة والتي وعدت الولايات المتحدة بخفضها بنسبة ٢٨ بالمائة مع حلول العام ٢٠٢٥. علمًا ان الانسحاب لن يكون دون تكاليف سياسية كبيرة كما انه ليس من الواضح اذا كان ترامب من المعادين لها.

لذلك نرى ان وعوده الانتخابية كانت متسرّعة ولن يكون باستطاعته تطبيقها او تحمل ما قد ينتج عنها من تداعيات دولية- كما انه لا يزال من غير الواضح اذا كان في نيته الغاء او ابطال العديد من المعاهدات او تغييرها واستبدالها بمعاهدات اخرى ووضع قوانين ومعايير جديدة للمؤسسات المالية.

اضف الى ذلك مشكلة التسويات المالية للمصارف العالمية مع وزارة العدل الاميركية بعد ان اتهمت هذه المصارف بالقيام بمناورات احتيالية لبيع عشرات الملايين من الدولارات في سندات الرهن السكنية والتي تبين لاحقًا ان قيمتها اقل بكثير، سيما وان العديد منها هي قروض معدومة مستبعدين ان تكون غير موثوقة او غير مقبولة او مشبوهة.

هذه الامور يجب على ترامب مواجهتها وحلها. وفي المطلق، لا يمكنه الغاء العديد من الانظمة والتشريعات لكنه يستطيع ان يغير مستقبل النظام المالي. على سبيل المثال، The Financial choice Act يمكن ان يستخدم كدليل على مستقبل هذا النظام المالي. ويمتلك مجلس النواب صلاحيات اساسية بما في ذلك حماية المستهلك من الغش.

وعلى ترامب ان يواجه مقولة «اكبر من ان يفشل»، وتبسيط الانظمة لتجنب اساءة استخدام السلطة من قبل الاقوياء في واشنطن. هذه الاهداف قد لا تتلاقى بكاملها مع جدول اعمال ترامب الا انه يبدو من المرجح انه سيدعم أحكامًا معينة مثل اعفاء المصارف من الالتزام بكمية رأس مال محددة.

كذلك التطرّق الى بعض الانظمة التي تفرض تكاليف كبيرة على الصناعة المالية، وقانون محاسبة تنظيمية تتيح لادارة ترامب دحر Dodd frank – اضف الى ذلك خفض التكاليف التنظيمية المفروضة على الشركات الاميركية، وتوفير حوافز لهذه الشركات.

مع العلم انه من غير المؤكد ان هذه الشركات سوف تستخدم الاموال الاضافية لخلق فرص عمل جديدة. اما الجانب السلبي لهذا البرنامج فلا يجب اغفاله اي المساعدة على منع اساءة استعمال الانظمة وزيادة الغش.

لذلك ينبغي على ترامب تقييم الدوافع وراء اي تنظيم بما في ذلك حماية المستهلك والمستثمر والتأكد من كونها غير قاتلة للوظائف. كل هذه الامور معقدة ولا يمكن الاستفاضة في تكهناتنا قبل معرفة ما ستؤدي اليه سياسة ترامب الجديدة.

لكن يبقى، وفي المطلق، ان انتخاب ترامب يعتبر خبرًا جيدًا للمصارف. ويعتبر المحللون ان فوزه بدأ عهدًا جديدًا بالكامل. كما ان تنفيذه لما وعد به من مجموعة حوافز ضريبية قد تساعد في التضخم وارتفاع اسعار الفوائد مرة اخرى وتساهم الى حد بعيد في زيادة ارباح المصارف التي سوف تستفيد من التقلبات.

في المحصلة، الاقتصاد الكلي (Macro) والائتمانات كلاهما سيكونان في وضعية افضل. وفي النتيجة، اذا كان Dodd Frank قد كبّل الاقتصاد والاستثمار والائتمان فان تفكيكه قد يدخلنا في متاهات ربما تكون افضل للاقتصاد انما تبقى ذات خطر جديد على النظام المالي العالمي مما يعني انه قد لا يكون من المستبعد اعادة مشهد ٢٠٠٨ وانهيار النظام المالي مجددًا.

ولا ننسى ان ترامب رجل اعمال ولديه مصالحه وحساباته الخاصة مع العديد من المصارف ويعاني كثيرًا مما وصلت اليه حالة التشنج في الوضع المصرفي العالمي وهذا هو الخطر في حد ذاته والخوف من ان تتشابك مصالح رجل الاعمال مع مصالح البلاد ككل، سيما وان البلاد هي الولايات المتحدة الأميركية.
بروفسور غريتا صعب.