الفوائد الأميركية في «الثلاجة» بانتظار نتائج سياسة ترامب

للمرة الاولى منذ الأزمة المالية العالمية تماهت توقعات المحللين الاقتصاديين مع توجهات الاحتياطي الفيدرالي سيما وانه ابقى اسعار الفوائد على حالها بانتظار الحصول على مزيد من التفاصيل حول سياسة ترامب الاقتصادية والمالية، رغم بروز مؤشرات تفيد عن تحسّن وضعية الاعمال ومشاعر المستهلك.
قد يكون الفدرالي الاميركي بانتظار ان تترجم هذه الوضعية زيادة في الانفاق والتوظيف قبل اي خطوة يقوم بها في العالم ٢٠١٧، رغم انه لمّح في كانون الاول الماضي الى انه سيرفع اسعار الفوائد ثلاث مرات هذا العام.

وحسب البيان الصحفي للفدرالي الاميركي ان «المعلومات الواردة منذ ان اجتمعت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في كانون الاول تشير الى ان سوق العامل ما زال ناشطًا ومستمرا في التوسّع وزيادات الوظائف لا يزال قويا وانفاق الاسر مستمر في الارتفاع – كذلك زاد التضخم لكنه لم يزل اقل من ٢ بالمائة…» وفي ضوء كل هذا قررت اللجنة الابقاء على معدل اسعار الفوائد الفيدرالية بين ٠،٥ و ٠،٧٥ في المائة…» لذلك وعلى ما يبدو، ان الامور تبقى مرتبطة ليس فقط بمؤشرات السوق انما ايضاً بالتطورات على الارض سيما سياسة دونالد ترامب الاقتصادية المقبلة، كونها حمائية وتنادي بفرض ضرائب على الواردات لحماية المصنعين الاميركيين، وكون ترامب يرى العالم بالطريقة نفسها للاباء المؤسسين لاميركا مثل توماس جيفرسون وجيمس ماديسون ويريد حماية الشركات بفرض ضرائب على الواردات التي تباع في الولايات المتحدة.

هذا الوضع يذكرنا بالرسالة الشهيرة التي بعثها الكسندر هاميلتون اول وزير للخزانة عام ١٧٩١ الى الكونغرس ومفادها تعزيز الضرائب على السلع الاجنبية لكي تضارب منافسيها.

على ما يبدو لدى ترامب رأي مماثل في هذا الموضوع كونه سيفرض ٤٥٪‏ زيادة على التعرفة على الواردات من الصين و٣٥٪‏ على جميع المنتجات التي تصنعها الشركات الاميركية خارج البلاد وتبيعها للداخل- وغرد ترامب على Twitter الشهر الماضي محذرًا الشركات الاميركية من مغبة نقل مصانعها الى الخارج.

كذلك اختياره لروبرت Lighthizer لتنفيذ جدول اعمال حمائي وتحديد التفاوض بشأن الاتفاقات التجارية مع المكسيك والصين يعطي فكرة واضحة عن توجهاته الحمائية للتجارة الاميركية. ومن المحتمل ان Lighthizer سيتخد موقفا عدائيًا حيال التجارة الدولية والواردات.

ولكن يبدو ان هذه الامور مثيرة للقلق وسوف تؤدي في النهاية الى الحاق الضرر بالاقتصاد الاميركي وتتماشى مع فكرة ان الدول التي تصدّر اكثر وتستورد اقل هي دول رابحة بالمطلق.

وهذا يخالف الفكر الاقتصادي ككل ويعطي فكرة خاطئة عن المنافسة الحرة والميزة التفاضلية وغيرها من اسس النظام التجاري العالمي والتجارة الحرة، ويعود بنا الى ٢٠٠ سنة الى الوراء وتخلق احتكارًا في السوق المحلي عندما تصبح الشركات دون منافس لها في الاسواق.

وماذا عن عنوان سياسة «التجارة الذكية وليس الغبية»، ضمن مجموعة وسائل تدعو الى الحماية، وهي في الواقع لا تعمل اليوم في ظل اقتصاد متكامل عالميًا لا سيما وان العملية هذه سيف ذو حدين والبلدان المتأثرة بهذه العملية سوف ترد وتحدّ من الصادرات الاميركية مما يعني رفع الاسعار للمستهلك الاميركي.

وللعلم، احد اسباب تباطؤ نمو الاقتصاد الاميركي هو الركود الذي ضرب التجارة العالمية والمستمر، والتعرفات الجمركية هي في الواقع حرب تجارية ستزيد الامور سوءًا.

اذا كان عنوان سياسة ترامب خلق أكثر من 3.22 مليون وظيفة من أجل أن يكون أكبر مصنّع للعمالة في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية فعليه انجاز الكثير وقد تكون سياسته في هذا المجال صحيحة الا انها ذات مفاعيل قد تنعكس على الاقتصاد الاميركي وترتد على المواطن الاميركي وحلمه بأميركا عظيمة.

جلبت الاسابيع الاولى من رئاسة دونالد ترامب الكثير من الفوضى ويبدو ان بعض المواضيع الاساسية اخذت في الظهور والسياسة الاقتصادية الجديدة التي قد نسميها حسب بعضهم Trumponomics هي نهج جديد في اعادة توزيع الثروة وتعمل من خلال الوظائف بدلًا من تحويلات الدخل.

منذ دخوله البيت الابيض وقّع ترامب عدة مذكرات منها تخفيف اعباء «Obama care» وامرًا يقضي بمنع المواطنين من سبعة دول الدخول الى اميركا كذلك وقّع أمرًا تنفيذيًا ببناء جدار على طول الحدود مع مكسيكو وامرًا بالانسحاب من االمفاوضات المقبلة بشأن Trans – pacific Partnership والاستعاضة عنها بسلسلة معاهدات احادية الجانبين.

كذلك وقّع امرًا باعادة التقاوض على اتفاق التجارة الحرة لاميركا الشمالية NAFTA – وهي مجموعة امور لا بد ان تعرقل سير الحياة التجارية مع الدول الحليفة والصديقة لاميركا وتؤخر الى حد بعيد بل تحطم الحياة الاقتصادية.

لذلك وفي هذا الجو المتشنج تبدو جانيت يلين ومعها الاحتياطي الفدرالي في حالة ترقب لما ستؤول اليه الامور، مع التشكيك بالحوافز كونها ستأتي سريعة النتائج حتى يصبح من الواضح ان الرئيس ترامب هو اكثر تركيزًا على الاصلاح الضريبي ورفع الضوابط التنظيمية وغيرها من الانفاق على البيئة التحتية والتدابير التحفيزية بدلًا من الحروب التجارية ومكافحة الهجرة.

في هذه الحالة، يصبح الفدرالي اكثر استعدادًا للتحرك ورفع الفوائد اذا ما رأى ذلك مناسبًا .وقد يكون في شهر اذا ما أصبحت الصورة اكثر وضوحًا ليس فقط لمجموعة التدابير والمؤشرات انما ايضًا لامور تنظيمية قد يتطرق اليها ترامب.

لذلك قد يكون من السهل التقليل من اهمية Trumponomics وقد تبدو مضللة في بعض الاحيان، كذلك يبدو مبكرًا تقييمها- وعلى الرغم من كل ذلك ومن عيوبها الكثيرة قد لا تحطم الاقتصاد وقد تتفاعل جيدًا مع الفدرالي سيما من ناحية السياسة الضريبية ونتائجها:

بروفسور غريتا صعب.