دونالد ترامب «يُحرِّر» وول ستريت.

«يمكن أن نختلف في الرأي حول الأسباب الرئيسية للأزمة المالية العالمية ما اذا كانت السياسة النقدية فضفاضة أم انّ النظام المالي تفكّك في السنوات السابقة – ولكن من المؤكد انّ الاثنين معاً ساهما الى حدّ بعيد بما حدث».
هذا ما قاله حاكم البنك المركزي الاوروبي ماريو دراغي في شهادته أمام لجنة البرلمان الاوروبي للشؤون الاقتصادية والنقدية يوم الاثنين الفائت. وتابع دراغي في حديثه انّ قوانين Dodd Frank، والتي كبحت جماح خطر المصارف الاميركية بفَرض شروط عليها مثل زيادة رأس المال وضمانات أكثر للمستهلكين والتي هي معرضة للتفكك الآن، هي آخر شيء نحتاج اليه لا سيما انّ الاسبوع الماضي صدّق ترامب أمراً تنفيذياً بإرخاء قواعد Dodd Frank ما يدعو الى الظن انّ هذا الأمر يعتبر تمهيداً لأزمة مالية أخرى.

وبحسب Phil Angelides الذي شغل منصب رئيس لجنة التحقيق في الازمة المالية، انّ قرار ترامب هذا يعتبر «جنوناً» لا سيما انه، وفي أعقاب الازمة المالية، فَقدَ الملايين من الأسَر منازلهم والملايين من الناس وظائفهم ما أدى الى تدمير المجتمعات المحلية في جميع أنحاء البلد. ويبدو انّ ما وعد به دونالد ترامب الشعب الاميركي بحمايته من جموح وول ستريت خَانَ تلك الثقة وأطلق عنان وول ستريت على الشارع العام وهو بالضبط ما سَعت اليه الادارة الاميركية من خلال عملية تنظيم واسعة النطاق.

والسؤال الذي يطرح نفسه ما اذا كان تحرير وول ستريت سيعيدنا الى ظروف مأسوية كتلك التي كانت إبّان الازمة المالية العالمية ام انّ ذلك سوف ينشّط العملية الاقتصادية من خلال تخفيف القوانين على المصارف والشركات المالية الرئيسية الاخرى ويتيح للبنوك تقديم المزيد من القروض للشركات- بالواقع يبدو الأمر فعل إيمان في الحزب الجمهوري على انّ الاقتصاد لن يزدهر الّا اذا تمّ إلغاء الأنظمة المصرفية الصارمة التي وضعت في العام ٢٠١٠، والجمهوريون مقتنعون انّ الشركات الاميركية لا يمكن ان تنمو في مثل هذه الظروف لأنّ المصارف لا تقرض- لكن وبالمطلق يبدو هذا الامر هراء لا سيما انّ مصارف وول ستريت ازدهرت على رغم إدخال أنظمة Dodd Frank، والبرهان على ذلك ما حققته مصارف مثل Jp Morgan ومورغان ستانلي وخولدمان ساكس، على نقيض الكثير من المصارف الاوروبية لا سيما دويتش بنك وبعض المصارف الايطالية التي ما زالت غارقة في الازمة.

وفي الواقع، لا يوجد حالياً في اميركا أزمة ائتمان وقروض من قبل المصارف، على العكس انّ القروض في بعض القطاعات نراها تنمو بشكل سريع، مثل القطاعات العقارية وقروض السيارات- ولكن يبقى السؤال ما اذا كانت كثرة الانظمة والتشريعات قد حَدّت من نمو القطاع المصرفي والائتمان فيه لا سيما انه ومنذ العام ٢٠١٠ حتى العام ٢٠١٥ هناك فقط ٣ مؤسسات مالية جديدة فتحت أبوابها، وكان هناك ايضاً انخفاض حاد في فتح فروع جديدة للبنوك الموجودة، وسجّل جيه بي اردوغان انخفاضاً بنسبة ٢ بالمئة في فروعه بينما سيتي غروب أعلن عزمه على مغادرة اكثر من ١٢ بلداً، وقد يفسّر ذلك بالقيود الموضوعة على الاقتراض والتي جعلت من الصعب على المصارف الحصول على أرباح – والتنظيم اساساً كان يُقصد به منع البنوك الكبيرة من ان تؤثر في استقرار النظام المالي العالمي، بيد انّ اللائحة أثّرت في البنوك الصغيرة. كذلك لا يمكن إنكار الفوائد المتدنية، والتي ساهمت الى حد بعيد في إضعاف الارباح وتراجع نشاط المصارف.

ومع ذلك، فمن المحتمل انّ السياسات الحكومية هي المسؤولة عن هذه الوضعية. وكيفما نظرنا نلاحظ أنّ لها الأثر الأكبر في الاقتصاد منذ
الازمة المالية.

فبالواقع ليس هناك سوى ثلاثة قوانين: قانون الرعاية (ACA) وأسعار الفوائد المتدنية وDodd Frank – وقد لا يكون الـ (ACA) وأسعار الفوائد تشكّل عائقاً أمام نمو الاعمال لذلك يبقى Dodd Frank هو الاكبر احتمالاً لتفسير هذا النمو البطيء في الاقتصاد، وهذا يعني انّ التنظيمات المفروضة على النظام المالي، وخصوصاً المصارف، قد أدت الى تباطؤ نمو الشركات الصغيرة وخصوصاً الشركات الصغيرة المبتدئة، وبالتالي، استمرار تباطؤ النمو في الاقتصاد الاميركي بعد ركود حاد.

ويبقى Dodd Frank نقطة الصراع بين السياسيين في واشنطن: فمن جهة الجمهوريون يرون فيه قواعد صارمة على المصارف والذي أعاق نمو القطاع المالي وقدرته على الاقراض، الأمر الذي يتعارض مع آراء الديمقراطيين، والذين، وإن كان لديهم بعض الشكاوى منه، يبقى خوفهم من أن يتعرّض النظام المالي مجدداً للانتكاس وتبقى التغييرات معرّضة للانتكاسات لا سيما انّ الذين من مراكز السلطة هم أشخاص عَيّنهم باراك اوباما، والديمقراطيون سيجاهدون لمنع إحداث هذا التغيير او على الأقل استبعاده في المدى القريب.

فجانيت يلين رئيسة مجلس الاحتياطي الفيديرالي بقيَ لها سنة أخرى من فترة عملها، ومراقب العملة توماس كارى ينتهي عمله في نيسان المقبل، أمّا Gruenberg رئيس FDIC فتنتهي صلاحياته في تشرين الثاني المقبل، ما يعني انهم يستطعون في المدى القريب تأخير الأوامر التنفيذية لترامب.

في المطلق تبقى الامور غامضة، ولكن تبقى تعيينات ترامب مزاجية وتلوّح بتغييرات كثيرة في القوانين والمعاهدات وارتباطات الولايات المتحدة الاميركية وتؤثّر في مصداقيتها تجاه حلفائها إن كان على الصعيد الاقتصادي او ايّ ارتباطات اخرى، ما يعني انّ العالم سوف يبقى مترقباً لما سيفعله ترامب بأسواق وول ستريت، وما سوف يترتب على ذلك من عواقب.

بروفسور غريتا صعب.