أزمة الديون تقود اليونان إلى خارج «أوروبا»؟

الأزمة اليونانية ودائنوها عادت إلى الصدارة مجدّداً مع تراجُع البيانات الواردة عن الاقتصاد اليوناني ورفض تسيبراس، رئيس الوزراء اليوناني، زيادةَ التقشّف على برنامجها السابق.

يبدو أنّ أزمة الديون في اليونان مأسوية، الامر الذي دعا وزيرَ المالية الهولندي ورئيس المجموعة الاوروبية لوزراء المال الى اجتماع طارئ في بروكسل مع الفاعلين الرئيسيين في الاتحاد الاوروبي للتوصل الى اتفاق حول مبالغ المرحلة المقبلة والتي تبلغ ٨٦ مليار دولار من الإنقاذ.

واجتماع وزراء مالية اليورو في الـ ٢٠ من الشهر الحالي اعتُبر الفرصة الاخيرة للتوصّل الى اتفاق قبل الانتخابات الحاسمة في هولندا وفرنسا وألمانيا هذا العام.

ويبدو أنّ كلفة الديون اليونانية قد تفاقمت في الاسابيع الاخيرة وسط مخاوف المستثمرين من أنّ أثينا قد تكون عاجزة عن دفع استحقاقاتها، لا سيّما وسط النزاع بين الدائنين في الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي حول وضعية اليونان بشكل عام.

هذا ورفضَ صندوق النقد الدولي الانضمامَ الى برنامج إنقاذ اليونان الاخير متذرّعاً بحجّة أنه ودون برنامج لتخفيف عبء الدين فإنّ الاقتصاد اليوناني سوف يعاني لعقود مقبلة، بينما يرى الاتحاد الاوروبي أن الوضعية ليست بهكذا ضرورة والعديد من الدول من بينها ألمانيا وهولندا يريدون صندوق النقد الدولي أن يكون شريكاً فعلياً في هذه العملية، لأنّهم يعتقدون أنّ مشاركته ضمانة لعملية متابعة الإصلاح ومطمئنة لناخبيهم المشكّكين في الوضعية اليونانية.

هذا وللعِلم يرغب الاتحاد الاوروبي في أن تحقّق اليونان فائقاً في الميزانية بنسبة ٣،٥ بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام ٢٠١٨ بينما يرى صندوق النقد الدولي والحكومة اليونانية أنّ الأمر مستحيل ولا يمكن تحقيقه، ويشدّدون على نسَب أقلّ لا تتجاوز الـ ١،٥ بالمائة.

هكذا نرى أنّ الأمور متشابكة للغاية وسط التفاوت في وجهات النظر وكيفية حلّ أزمة الدين اليونانية، ممّا يضع مستقبل اليونان في منطقة اليورو مرّة أخرى في دائرة الشكّ، لا سيّما وأنّ الاتفاق على تخفيف الديون عن اقتصادها المتأزّم ما زال دون حلول.

وهذه الفكرة ليست مستبعَدة، خصوصاً أنّ وزير المالية الألماني Schauble وفي حديث جريء لـ ARD قال إنه إذا ما أرادت اليونان تخفيف ديونها فعليها مغادرة منطقة اليورو.

هذا وفي دعوات مماثلة من اكبر اقتصادات منطقة اليورو- والتي تواجه انتخابات هذا الصيف- وردت أحاديث مماثلة حول أوّلية مغادرة منطقة اليورو ثمّ تحفيف الديون. ومسألة تخفيف عبء الديون كانت النقطة الفاصلة بين الدائنين الاوروبيين وصندوق النقد الدولي الذي أصرّ على جعلِ ديون اليونان اكثرَ استدامةً، بينما رفضَ القادة الاوروبيون ولغايته هذا الحلّ وسط جدول زمني سياسي ثقيل نسبياً.

وهذه المسألة عادت الى الواجهة مجدداً، لا سيّما وأنّ صندوق النقد الدولي قال إنّ الديون اليونانية في وضعية دقيقة جدًا وقد تصبح متفجرة في العام ٢٠٣٠ لا سيّما وأنها بلغت ١٧٩,٤ من الناتج المحلي الإجمالي في العام ٢٠١٥، ومن المقدّر أن تصل هذا العام الى ١٨٣,٩ من الناتج المحلي الإجمالي، ممّا يعني أنّ الامور ما زالت متفاقمة رغم التزام اليونان عملية الإصلاح المتفَق عليها.

وهذه العملية الإصلاحية، على ما يبدو، أصبحت اكثر الحاحاً، لا سيّما وأنّ حالة التقشّف التي يعيشها الشعب اليوناني طالَ أمدها ولم تعطِ نتائج تُذكر. هكذا جاءت عناوين اجتماع ٢٠ شباط الحالي لتركّز على الابتعاد عن التقشّف نحو الإصلاحات الهيكلية من أجل مساعدة اليونان- وهذا ما شدَّد عليه Dijsselbloem ضمن خطة للخروج من الأزمة الحالية متفائلاً بقوله إنّ أثينا لا تواجه أيَّ تسديد ديون كبيرة حتى الصيف المقبل.

في أجواء هكذا معادلة كانت اليونان عادةً ما تتوجّه نحو الولايات المتحدة الاميركية لإيجاد الحلول، وأميركا والتي عادةً ما تكون سخية مع أموال الغير كانت مع إدارة اوباما تحثّ الاوروبيين لمساعدة اليونان، لكن من المحتمل ان يكون موقف إدارة ترامب مغايراً لهكذا أمر، والذي برّره ترامب أثناء حملة الانتخابية قائلًا إنه لن يتعاطى مع هذا الموضوع وسوف يترك الأمر لألمانيا لحلّه والتعامل معه.

وإذا لم تستطِع ألمانيا فعلَ ذلك فإنّ روسيا قد تستطيع عمل شيء ما. وأن تكون ألمانيا مسؤولة عن هذا الأمر بعد زيادة من التقشّف، الأمر الذي لا يستطيع الشعب اليوناني تحمّلَه، وغالبية اليونانيين، وحسب دراسة استقصائية قامت بها Alco، يرون أنه مِن الخطأ كان أن ينضمّوا إلى الاتحاد الاوروبي.

وهذا المنطق دعمه علنًا وزير المالية الألماني Schauble مع تراجعِ البيانات الاقتصادية المعارضة لفكرة الخروج لا سيّما وأن معدّل البطالة في اليونان بلغ ٢٣ بالمائة في شهر تشرين الثاني من العام ٢٠١٦، الأمر الذي زاد في تشاؤم الناس وضجَرهم من النظام الحالي، والذي بالفعل قد يشجّع على استفتاء تأتي نتائجه على غرار ما حدث في المملكة المتحدة، بَيد أنّ عدداً من المحللين، ولا سيّما Vanvakidis من بنك اميركا، لا يوافق على وجود أيّ خطر نحو الـ Grexit، مشدّداً على أنّ الوزراء المعارضين لليورو والاتحاد لم يعودوا موجودين في الحكم.

لذلك نرى وضعية اليونان في دوّامة لا نهاية لها، وتبدو بشكل مؤامرة على النحو التالي: إقتصاد متقلّص بشكل كبير، وضعية مالية محفوفة بالمخاطر وتقرير الجدارة الائتمانية متراجع للغاية، حتى إنه وصَل لدرجة رديئة وهي حالياً في المرحلة الثالثة من عملية الـ bail-out.

ونرى اوروبا وصندوق النقد الدولي يقدّمان أموالاً مصحوبة بالشروط وتوزّع على دفعات، شرط أن تجري اليونان قدُماً بالإصلاحات، ممّا يؤدي إلى تهديد بأن لا تأتي المساعدات إذا ما فشلت اليونان في إجراء هذه الإصلاحات.

ومازاد الأمور تعقيداً هو أنّ الأوروبيين وصندوق النقد الدولي يختلفان حول الأولويات. الأمر الذي قد ينتهي مأسوياً من خلال خروج اليونان من الاتحاد.

بروفسور غريتا صعب.