السياسة النقدية القائمة على التقشّف ليست دائماً الطريق السريع إلى الحل

الأرضية المشتركة بين الإقتصاديين على أساس الحوافز الضريبية لم تصبح بعد من مخلّفات الماضي، والسياسة النقدية قادرة تماماً على ترويض الدورة التجارية. ولا يبدو أنّ جهود الحكومات في أميركا وأوروبا لتحفيز الدورة الاقتصادية من خلال عمليات التيسير الكمي قد لقيت كلها النتائج المرجوَّة.

إذا استطعنا القول إنّ سياسة التحفيز نجحت في أميركا إلّا أنّ الامر لم يكن على الوتيرة نفسها في أوروبا.

في العام 2009 أدخلت بلدان عديدة مجموعات كبيرة من الحوافز الضريبية وزيادة الانفاق علّها تستطيع تحفيز النمو وهذه الحوافز بلغت 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بين أعضاء نادي مجموعة العشرين، ووقّع أوباما ما يُسمى بـ American Recovery and reinvestment act لإنعاش الاقتصاد واعادة الاستثمار بما يساوي حوالى 6 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي العام على أن ينفق هذا المبلغ على مدى السنوات الثلاث اللاحقة.

و مناصرو الحوافز يتطلّعون الى الاقتصادي البريطاني، جون كينز وأفكاره حول الحوافز وهو يقول إنّ كثيراً من الادّخار وقليلاً من الاستثمار يساعدان في تراجع النمو الاقتصادي ولا يحققان النتائج المرجوّة. هذا، وفي الاوقات العادية تتدخّل المصارف المركزية من خلال ضبط اسعار الفوائد ما يساعد على تخفيف الادخار وتشجيع الاقتراض.

ومع بداية العام 2009، خفضت المصارف المركزية الكبرى في معظمها اسعار الفائدة الاساسية الى الصفر تقريباً دون أن تحقق النتائج المرجوّة. وعوامل التقشف التي اتبعتها بعض البلدان لا سيما اليونان لم تعطِ لغايته النتائج المرجوّة بل على العكس يبدو أنّ الأمور تتفاقم مع قرب مواعيد الاستحقاقات.

هذا، والمفهوم الاقتصادي يعارض بالمبدأ سياسة التقشف ويدعو الى دعم الحوافز الضريبية بفضل المضاعف إذ إنّ أيّ مبلغ يُصرف على بناء شبكة طرقات، على سبيل المثال قد يعود بمضاعفة في السلسلة الاقتصادية ما يساعد في انعاش الاقتصاد وهذا يعني أنّ المبلغ قد يأتي بضعفه. هذا ما يؤكد الفكر الكينيزي الذي يدعم الحوافز الضريبية لا سيما زيادة الإنفاق على البنى التحتية وغيرها من مشاريع التنمية.

وغاية الشيء أنّ غالبية الحكومات بحاجة الى حافز مالي لا سيما وأنّ هنالك تكاليف اضافية تتحمّلها: في الفترة بين 2007 و2010 شهدت الدول الغنية ارتفاعاً كبيراً في نسبة الديون السيادية مقارنةً بالناتج المحلي ومن نسب 74 بالمئة تقريباً الى 101 بالمئة في المتوسط وقفز الدين العام البريطاني من 44 بالمئة من الناتج المحلي الى 79 بالمئة بينما ارتفع الدين الاميركي من نسبة 66 بالمئة الى 98 بالمئة من الناتج المحلي والمشكلة الكبرى كانت في اليونان حيث وصل الدين الى نسب تقارب 481 بالمئة من الناتج، الامر الذي احدث ازمة ثقة في الماليات العامة في جنوب اوروبا وبالتالي في بقاء اليورو بالذات.

وقدّر صندوق النقد الدولي أنّ نسبة 60 بالمئة من ارتفاع ديون الدولة سببها انهيار العائدات. والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو الافضل في حال الدول المديونة مثل اليونان ولبنان وغيرها وهل الإنفاق على البنى التحتية والاستثمار افضل من الحوافز الضريبية وأهمية كل منها؟

المناقشة حول هذه السياسات تستند الى عنصرين حاسمين من عدم اليقين حجم المضاعفات لا سيما وأنّ المشككين يقولون إنه سوف يكون منخفضاً وان لا الحوافز ولا التقشف سيكون لهما اثر كبير في النمو والعمالة بينما هؤلاء المتعلقون بالمدرسة الكينيزية يقللون من هذه الامور ويعتبرون أنّ بوجود بطالة مرتفعة وانخفاض الطلب على القروض الخاصة وتعزيز الدخل من الحوافز الضريبية سيعزّز التكيّف المالي وبالتالي سيكون حافزاً اسرع للانتعاش.

والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه ما هو مقدار الديون التي يمكن للحكومات أن تتّخذها على عاتقها دون الاضرار بالاقتصاد لا سيما وأنّ عادة ما يطلب المقرضون فوائد اعلى ممّا يؤدي الى ارتفاع اسعارها وكبح النمو الاقتصادي.

كذلك الدليل الدراسي موضوع خلاف. فكارمن رينهارات و كينيث روغوف من جامعة هارفرد يقولان إنّ معدلات النمو الاقتصادي تتباطأ بشدة عندما يفوق الدين 90 بالمئة من الناتج المحلي.

ودراسات متتابعة اظهرت ايضاً علاقة سلبية بين النمو وتخفيف عبء الديون وان لم يكن دائماً على المستوى نفسه. لذلك لا يوجد توافق في الآراء بين علماء الاقتصاد على ما هو مستوى الدين الذي يضرّ بالنمو من اجل اعتباره قاعدةً عامة كذلك يختلفون بالرأي حول اهمية الحوافز الضريبية وسياسات التقشف وما هي الناجعة في حالات كهذه.

التقشف وباختصار لا يزال يحتفظ بمكانته ولكنّ تخفيض الإنفاق قد يكون ناجحاً بينما يرى بعض الاقتصاديين أنّ رفع الضرائب له فوائده علماً أنّ ذلك يشوّه الأسواق بصورة عامة إذ إنّ الضرائب على الأجور تشوّه أسواق العمل. وضرائب الاستهلاك يمكن أن تؤدّي الى التضخم ما يدفع الي سياسة نقدية إنكماشية. ويبقى القول إنّ خفض الانفاق هو الاقل شعبية ويمكن أن يؤدي الى تفاقم عدم المساواة.

هذا، وتجربة السنوات الماضية لا تعطي درساً واضحاً لا حول السياسات ولا حول التوقيت وبعض الحكومات لم يعد بإمكانه الاقتراض لتمويل العجز وبعضها يحاول العمل على استقرار ديونه على المدى الطويل.

بروفسور غريتا صعب.