Brexit بكل تفاصيله… وهل تعود بريطانيا الى الاتحاد الأوروبي؟

أيام وتنطلق مفاوضات شاقة حيال القضايا المالية بين بريطانيا والاتحاد الاوروبي، مفاوضات قد تعقد عملية الطلاق بين الكيانين في ظل الخلافات العميقة حول فاتورة الانفصال وتوزيع التكلفة. فعاصمة الاتحاد بروكسل تطالب لندن بتسديد فاتورتها قبل مناقشة أي امر اخر، فيما تسعى بريطانيا لبحث العلاقات المستقبلية مع

الاتحاد الأوروبي بشكل متزامن مع القضايا المالية. وفي هذا السياق، يؤكد الاتحاد أن على لندن تسديد كل ما التزمت به مالياً خلال حقبة وجودها ضمن الاتحاد الاوروبي لعدم تحميل الدول الاعضاء الاخرى مسؤولية تقدر بالمليارات، وتحديدًا بحسب المفوضية الأوروبية نحو 60 مليار أورو، يمكن لندن تسديدها على دفعات ومراحل. أما بريطانيا فتقدر هذا الرقم بما لا يزيد على 20 مليار أورو. وعودة الى تفاصيل هذه الكلفة، فالجزء الاكبر من الفاتورة يتضمن التزامات بريطانية سابقة في موازنة الاتحاد، لكن لم تُسدّد حتى الآن، إضافة الى مطالبة التكتل الاوروبي بضرورة احترام لندن وعودها الخاصة بمساهمتها في صناديق هيكلية تستخدم للانفاق على مشاريع في دول الاتحاد الأفقر أو المنضوية حديثاً، ناهيك بمساهمتها في تغطية نفقات موظفي الاتحاد الاوروبي، الامر الذي ترفضه لندن، وتضاف اليها ما يغرق بالمديونيات الطارئة وهي مصاريف محتملة تتضمن مساهمات لعمليات انقاذ مالية مستقبلية طارئة، وكانت وافقت عليها بريطانيا في السابق. وبالفعل، كانت حذرت رئيسة الوزراء تيريزا ماي خلال القمة الاوروبية التي عقدت مطلع آذار ان بلادها لن توافق على دفع مبالغ طائلة للاتحاد الأوروبي بشكل مستمرة، كما المحت لندن مراراً أنه بإمكانها الاستفادة من الحصص التي تملكها في اصول تابعة للاتحاد الاوربي وممتلكاته ويمكن مقايضتها وضمن فاتورة الطلاق وتشمل ابنية يستخدمها الاتحاد الأوروبي كمقار له، الامر الذي ترفضه بروكسل بشكل قاطع. وكان كشف أحد التقارير التي أعدتها لجنة اللوردات في بريطانيا ان لندن يمكن لها الخروج من الاتحاد الاوروبي بشكل قانوني بدون تسوية حساباتها المالية، مع ما يمكن أن يؤدي الى إنهيار المفاوضات والدخول في نفق مظلم في العلاقات بين الاتحاد وبريطانيا، لا يمكن الحديث عما تحمله تداعياته.
وأمام كل هذه التكاليف والالتزامات تجد بريطانيا نفسها مجيرة على الدخول في مفاوضات شاقة مع بروكسل للعمل على خفض الفاتورة المطالبة بتسديدها، وخصوصاً ما يتعلق بحصتها من موازنة الاتحاد الاوروبية التي قاربت الـ 158 مليار اورو في العام الحالي. وتعد بريطانيا من أكبر المساهمين في موازنة الاتحاد الاوربي، إضافة الى المانيا وفرنسا وايطاليا، ما يعني ان خروجها يؤدي حتماً الى فجوة مالية كبيرة، قد يصل حجمها الى 17 مليار اورو بحسب تقرير لمعهد جاك ديلور وكانت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر خاضت في 1984 مفاوضات شاقة من اجل مساهمة محدودة لبريطانيا في الموازنة الاوروبية بحجة انها تحصد اقل قدر من الفوائد من السياسة الزراعية المشتركة.
ولكن، في حال توصل بريطانيا والاتحاد الاوروبي لصياغة توافقية شاملة، تلحظ كل الملفات ومنها العلاقات التجارية، وتنقل الفرد والعلاقة مع السوق الاوروبية والعلاقات القانونية، عندها يمكن تحييد المسألة المالية لمدة معينة، ليتم حلها من ضمن التسوية الشاملة لهذا الملف.

هل تعود بريطانيا الى الاتحاد ؟
رغم تأكيد رئيسة الوزراء تيريزا ماي يوم تفعيلها المادة 50 من معاهدة لشبونة التي تساهم بإطلاق المفاوضات، فإن هذه اللحظة هي تاريخية ولا يمكن العودة عنها. ما زال أمام بريطانيا فرصة للعودة الى حضن الاتحاد الاوروبي، ولكن شرط موافقة الأعضاء الـ 27 المنتقين ضمن التكتل، هذا ما أكده انطونيو تاجاني. وهذه التطورات تؤكد على الغموض وعدم وضوح تفاصيل المادة 50، بشأن مسألة إمكان عودة عضو قرار الخروج من الاتحاد الى حضن التكتل، وما هي شروط العودة. وتلحظ هذه المادة أنه إذا طلبت دولة ما انسحبت من الاتحاد الانضمام إليه مجددا فينبغي اخضاع طلبها للإجراءات المشار إليها في المادة 49 اي النظر الى شروط تقديم طلبات جديدة للانضمام الى التكتل الاوروبي. وطرح البرلمان الأوروبي إمكان ابطال المادة 50 في قرار حول بريكست سيصوّت عليه الاسبوع المقبل وان كان ذلك يتعلق بالقول ان “إبطال الإخطار يحتاج لتوافر شروط محددة” ولا يمكن “اساءة استخدامه” بهدف تحسين شروط عضوية المملكة المتحدة الحالية. ولكن، ما هو أكيد ان حكومتها تسير نحو الطلاق التام عن الاتحاد الاوروبي محترمة نتائج الاستفتاء، رغم أن العديد من المعارضين البريطانيين يضعون آمالاً كبيرة على محكمة العدل الاوروبية للنظر بعدد من الدعاوى والقضايا المطالبة بإبطال هذ الطلاق، أو حتى الوصول الى صياغة تساهم بعودة بريطانية الى حضن الاتحاد بطريقة سلسلة.

التشريعات الاوروبية
وعودة الى إطلاق مفاوضات الانفصال عن الاتحاد الاوروبي، فقد نشرت في الساعات الماضية حكومة ماي الكتاب الابيض لمشروع قانون بعنوان “الإلغاء الكبير” من اجل الغاء مادة من القانون تعود الى 1972 واتاحت دمج التشريع الاوروبي في القانون البريطاني. والهدف من القانون هو تحويل التشريعات الاوروبية قوانين محلية والاحتفاظ بالقوانين المفيدة منها، ما يمكن ان يسهل ويوضح الطريقة التي ستنقل بريطانيا من خلالها الأحكام المهمة لمحكمة العدل الاوروبية. وبحسب التوقعات، يفترض أن تتم هذه العملية على مراحل لتفادي أي خضات على صعيد القضاء وخصوصاً أن الامر يتعلق بـ 19 الف قانون اوروبي تُطبق في بريطانيا.

مسألة الأمن… شائكة؟
بعد ساعات من إطلاق عملية بريكست، حتى خرجت بريطانيا بتطمينات للاتحاد الاوروبي حول مستقبل العلاقة الأمنية معه، بغض النظر عن المسائل الاقتصادية والمالية، حيث أكدت الحكومة البريطانية استمرار التعاون والتنسيق الامني مع بروكسل، بغض النظر عن سير المفاوضات ونتائجها. ورغم ان بعض المحللين والمراقبين قد وضعوا خطاب ماي في الساعات الماضية في خانة التهديد المبطن عندما قالت:”فيما يواجه الأمن في أوروبا اليوم ضعفاً لم يعرفه منذ نهاية الحرب الباردة، سيكون اضعاف تعاوننا من اجل رفاهية مواطنينا وحمايتهم خطأ مكلفا(…)”. حتى خرج الوزير المكلف بعملية بريكست ديفيد دافيس ليؤكد أن كلام ماي لم يكن تهديداً بل حجة للتوصل الى اتفاق”.

التعاون الاقتصادي
لم تتوقف ماي يوماً من التأكيد على نية بلادها التوصل الى إتفاق إقتصادي جديدة مع الاتحاد الاوروبي ييحدد شكل العلاقة المستقبلية مع الاتحاد، ضمن شروط وضوابط جديدة، وعلى ان تتم مفاوضات بالتوازي مع الاتفاق الجديد الذي سيربط بين بلادها والاتحاد الاوروبي. وهذا الامر رفضه كثير من الدول، وعلى رأسها المانيا التي تصر على ضرورة توضيح كيفية الطلاق مع بريطانيا وتفكيك كل الروابط التي كانت تجمعها بالاتحاد الاوروبي. وهذا الأمر اكد عليه ايضاً الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الخميس إذ قال لماي إنه من الضروري اتفاق بريطانيا على شروط انسحابها من الاتحاد الاوروبي قبل بحث الدول الأعضاء مسائل أخرى معها على غرار الاتفاقات التجارية.
بدروه، يصوت البرلمان الاوروبي في 5 نيسان المقبل في ستراسبورغ على نص يشدد على أن لا ابرام لأي اتفاق حول العلاقات المقبلة مع بريطانيا الا بعد خروجها من الاتحاد الاوروبي، بشكل كامل، كما سيؤكد المجلس مجدداً انه سيعمل بشكل موحد وسيحافظ على مصالحه اولاً. وعلى الصعيد الاقتصادي، دعت ماي مرارا إلى انفصال “واضح وقاطع”، يشمل أيضاً خروج بريطانيا من السوق الموحدة وأيضاً من محكمة العدل الأوروبية، إلا أنها تأمل بالاحتفاظ بأكبر ولوج إلى السوق الاوروبية الموحدة، من خلال اتفاق جديد للتبادل الحر، لا يزال مجهول المعالم حتى اليوم. أما في ما خص ملف حقوق المهاجرين الاوروبيين، ستسعى الحكومة البريطانية إلى ضمان حقوق نحو 1,2 مليون بريطاني يقيمون في دول أوروبية، من خلال المقايضة حول شروط إقامة أكثر من 3 ملايين أوروبي على الاراضي البريطانية.

ترامب يرحب بالانفصال!

خلال حملته الانتاخبية وبعد إنتخابه، لم تتغير حماسة الرئيس الاميركي دونالد ترامب حيال خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، واعتبر ترامب أن التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي كان فكرة جيدة وأن دولاً أخرى قد تحذو حذو لندن. هذا الامر استفز رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر مما دفعه للتعهد بدعوة ولاية أوهايو أو تكساس إلى الخروج من الولايات المتحدة في حال واصل ترامب الاشادة ببريكست. وكان يونكر دعا إدارة ترامب في مقابلة الأسبوع الماضي إلى عدم تشجيع دول أخرى على الخروج من التكتل.

“الهيئة المصرفية الاوروبية”
استناداً الى قانون للاتحاد الاوروبي يعود تاريخه للعام 1965، أكدت لوكسمبورغ أحقيتها القانونية باستضافة “الهيئة المصرفية الاوروبية” التي يوجد مقرها حالياً في لندن بعد إتمام بريكسيت. ومن هنا تقدم رئيس وزراء لوكسمبورغ خافيير بيتل بهذا الطلب في رسالة إلى رئيس مجلس الاتحاد الاوروبي دونالد توسك ورئيس المفوضية الاوروبية جان-كلود يونكر. واتفاق عام 1965 حول استضافة مؤسسات اوروبية إذ استند في رسالته بنص على أن “حكومات الدول الاعضاء مستعدة لكي تنقل الى لوكسمبورغ هيئات أخرى وخدمات تتعلق بالاتحاد وخصوصاً في المجال المالي”. وفي السابق حصل استثناءان فقط لهذا الاتفاق، حين تقررت اقامة مقر البنك المركزي الاوروبي في فرانكفورت والهيئة المصرفية الاوروبية في لندن وتحديداً في منطقة كناري وارف في وسط العاصمة، وذلك بالاتفاق مع لوكسمبورغ واعتبر استثناء. ولكن خطوتها تطلق معها معركة شرسة بين دول الاتحاد التي تسعى لاستضافة الهيئات والمؤسسات التابعة للاتحاد الاوروبي الموجودة في لندن، ومنها أمستردام ودبلن وفرانكفورت وباريس وفيينا التي تحاول كلها استقطاب هذه الهيئة المسؤولة عن تنظيم الشؤون المالية في الاتحاد الاوروبي وتضمن ما يقارب 170 موظفاً.

موريس متى.