هل أفاق البريطانيون من أوهام «بريكزيت»؟

قبل نحو أسبوعين، نشرت صحيفة «ذي غارديان» تحقيقاً عنوانه: «السرقة البريطانية الكبرى لبريكزيت: هكذا اختطفت ديموقراطيتنا»… كان ذلك التحقيق الأكبر من نوعه الذي يعرض لـ «مؤامرة»، انفقت فيها مبالغ مالية ضخمة في «آلة بروباغاندا» أعدت للدعاية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما عرف اختصاراً بـ «بريكزيت».

لم يكن التقرير محاولة لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، بقدر ما هدف الى الإضاءة على تجاوزات في الإنفاق على الدعاية للتأثير على الرأي العام، الأمر الذي تم بتنسيق بين رجال أعمال أثرياء يملكون شركات تحليل بيانات تتخذ من سيليكون فالي في أميركا مقراً لها وسياسيين بريطانيين قادوا حملة الدعاية لـ «بريكزيت» التي أدت الى تصويت غالبية بسيطة لكن كافية من البريطانيين على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وما زال يتعيّن معرفة اذا كانت تلك الغالبية اختارت الطلاق مع الاتحاد بأي ثمن.

وبطبيعة الحال، أجاب التحقيق على تساؤل عن مغزى التزامن بين «بريكزيت» ووصول دونالد ترامب الى الرئاسة الأميركية، بالإشارة الى شبكة علاقات عنكبوتية تبدأ بستيف بانون، أحد أبرز مستشاري ترامب وتنتهي بنايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني المنبوذ والذي يشارف على الانهيار بعدما أيقن الناخبون انه لم تكن لديه قط أي أجندة سوى تلك المتعلقة بسلخ بريطانيا عن أوروبا … لغاية في نفس يعقوب.

لا تعني «البروباغاندا» شيئاً خارج إطار التأثير على الرأي العام ودفعه الى الاقتراع في هذا الاتجاه أو ذاك، ومن هذا المنطلق يتعين النظر الى هدف الدعاية المتعلقة بما يحكى عن سعي الكرملين الى إقامة «قناة خلفية» تؤدي الى البيت الأبيض، ومدى صحة ذلك.

غير انه منذ تصويت نحو 52 في المئة من البريطانيين لمصلحة «بريكزيت» في استفتاء 23 حزيران (يونيو) 2016، تبين لهؤلاء تدريجاً أنهم قد يكونون اختاروا القفز من مركب متهالك الى آخر غارق، في ظل معلومات عن كلفة باهظة لـ «بريكزيت» تتمثل بتعويضات تدفعها لندن الى بروكسيل تناهز قيمتها الـ64 بليون دولار ليكتشف المتحمسون انه بدل المن والسلوى التي وعدوا بها بعد «بريكزيت» سيتعين عليهم دفع البلايين «عقاباً» على خيارهم، من دون أن ينالوا في المقابل أي امتيازات في التعامل مع القارة الأم.

منذ وصولها الى الحكم غداة استفتاء «بريكزيت»، تقمصت رئيسة الوزراء البريطانية شخصية «المرأة الحديد» مارغريت ثاتشر لتؤكد عدم استعدادها لتقديم أي تنازلات للأوروبيين في مفاوضات الانسحاب التي تستمر سنتين ويفترض أن تبدأ مباشرة بعد انتخابات مبكرة دعت اليها في حزيران المقبل، لكن الحزم الذي أبدته ماي وسائر رفاقها المحافظين، استند الى «تقدم هائل» لحزبهم في الاستطلاعات وتوقعات بفوزهم بغالبية مريحة تؤمن لهم التفرد بالقرار في مجلس العموم.

لكن حساب الحقل لم يعد مطابقاً على ما يبدو لحساب البيدر، اذ انزلقت شعبية المحافظين هذا الأسبوع، بعدما تضمن برنامجهم الانتخابي، خطتهم لتقشف مالي يصل الى حد المساس بالانفاق على رعاية المسنين، إضافة الى إجراءات مؤلمة أخرى، كان من الطبيعي أن تؤخذ في الحسبان في ظل الضريبة الباهظة التي يتعين دفعها الى الأوروبيين ثمناً للإنسحاب.

على رغم ما يأخذه البعض من «بلادة» على زعيم حزب العمال المعارض جيريمي كوربن، فإن تراجع شعبية المحافظين على أبواب الانتخابات الى نصف ما كانت عليه قبل الدعوة الى الاقتراع، يعطي زعيم المعارضة تفويضاً بتكبيل رئيسة الحكومة التي كانت تطمح الى إطلاق يدها في التفاوض مع الأوروبيين، ما يوحي بأن البريطانيين ربما أفاقوا من أوهام «بريكزيت» ولو متأخرين.

سمير السعداوي.