تداعيات انهيار أسعار النفط

لا يزال انهيار أسعار النفط يلقي ظلاله على أسواق النفط. والسبب الرئيس في ذلك هو استمرار ازدياد الفائض النفطي في الأسواق أو المخزون الذي وصل إلى

مستويات قياسية، فيما تختلف انعكاسات هذه الظاهرة وتتعدد الآراء حولها.

وتغيرت دينامية سياسة خفض الإنتاج، على رغم الالتزام القياسي لأعضاء منظمة «أوبك» والدول المنتجة الأخرى المتحالفة معها، وتحديداً روسيا ذات الإنتاج الضخم. ويُلاحظ أن المنظمة فقدت قدرتها على التأثير في الأسعار إلى حد كبير، على رغم الالتزام الجماعي غير المشهود سابقاً والمستمر للسنة الثانية، إذ تراوحت الأسعار في نطاق 50 و55 دولاراً للبرميل. في حين تسود شكوك وتُطرح تساؤلات كثيرة في الأسواق حول إمكان القفز على نطاق هذا السعر، على رغم تمديد سياسة خفض الإنتاج تسعة أشهر جديدة. وهنا تبرز معضلة أخرى تواجهها المنظمة، إذ كلما قلّصت «أوبك» الإنتاج، عوّض النفط الصخري الأميركي هذا الخفض وينافس «أوبك» في أسواقها بالولايات المتحدة أو في الأسواق الدولية، وتحديداً مع بدء تصدير النفط الخام الأميركي إلى الأسواق الدولية.

وأثبتت تجارب السنوات الأخيرة الطاقة الإنتاجية العالية للنفط الصخري، ويمكن هذه الصناعة تحقيق الزيادة في الإنتاج بسرعة وليس فقط رفعه إلى خمسة ملايين برميل يومياً. ويعني ذلك أن لدى حقول النفط الصخري مرونة أكبر من تلك التقليدية. كما تراجعت نفقات إنتاج النفط الصخري إلى أقل من 50 دولاراً، ما يعني قدرتها على المنافسة في السعر في ظل أوضاع الأسواق الحالية. ناهيك عن تمكّنها من تحسين تقنية الصناعة خلال فترة تدهور الأسعار.

لكن، على رغم هذه الظواهر، شكل التعاون السعودي – الروسي الوثيق خلال الأشهر الماضية، وتحديداً منذ الاتفاق بين الدولتين في أيلول (سبتمبر) 2016، محوراً جديداً في سياسة الطاقة العالمية لما فيه مصلحة اقتصاد البلدين والدول المنتجة الأخرى.

وشكل هــذا التعاون للمنتجين الأوليْن عالمياً حبل نجاة لباقي المنتجين في فترة انهيار الأسعار. كما مثّل انفتاح السوق الصينية واستعابها النفوط العالمية، لا سيما منها الخليجية حبل نجاة في فترة انكماش الأسواق الأوروبية والأميركية. من نافل القول، تشكل هذه العلاقات الجديدة نهجاً جديداً في العلاقات الطاقوية الذي مع الأهمية الاستراتيجية للنفط لكل من المصدرين والمستهلكين، سينعكس بدوره على العلاقات السياسية تدريجاً.

وحمل انهيار الأسعار تحدياً مهماً للنفوط غير التقليدية (نفوط البحار العميقة والنفط الصخري)، بحيث استطاعت الصناعة تقليص النفقات وتحسين التقنية، كي تخفض كلفة الإنتاج إلى ما دون 50 دولاراً للبرميل، بدلاً من 55 و80 دولاراً سابقاً في بعض الحقول. وعلى سبيل المثل، يُلاحظ في تكاليف تطوير الحقول البحرية الجديدة، أن شركة «شل» تمكّنت من تقليص نفقات حقل «أوباماتوكس» البالغة طاقته الإنتاجية 175 ألف برميل يومياً من النفط المكافئ (نفط وغاز) من نحو 50 دولاراً للبرميل، إلى أقل من الكلفة التقديرية الأولى البالغة 55 دولاراً.

وتقدّر شركة «بي بي» البريطانية كلفة الإنتاج حالياً من حقل «ماد دوغ 2» البالغة طاقتها الإنتاجية 140 ألف برميل يومياً، نحو أقل من 40 دولاراً للبرميل بعد خفض النفقات نحو 60 في المئة خلال العامين الماضيين.

وفي الوقـــت ذاته، توجد وجهة نظر أخرى في الصناعة، عبر عنها الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية» أمين ناصر، مشيراً إلى «حصول تراجع ضخم في الاستثمارات النفطية نتيجة تدهور الأسعار، ويقدر بنحو تريليون دولار، ما سيؤدي إلى تقلص الإمدادات النفطية مستقبلاً». وأيّد ناصر في وجهة نظره هـــذه كبار المسؤولين في شركات النفط الدولية.

وأكد المسؤول في شركة «أرامكو السعودية» في كلمة له في ندوة قمة الطاقة في جامعة كولومبيا بنيويورك منتصف نيسان (أبريل) الماضي، «الحاجة إلى طاقة إنتاجية إضافية بمقدار 20 مليون برميل يومياً، لتلبية الزيادة المتوقعة في الطلب العالمي بسبب تراجع الاستثمارات لتطوير الحقول خلال فترة انهيار الأسعار، إضافة إلى الانخفاض الطبيعي السنوي في إنتاجية الحقول خلال السنوات المقبلة».

وقال ناصر: «نحن نتكلم عن تطوير طاقة إنتاجية ضخمة، فيما معظم الاستثمارات الجديدة التي تعود إلى الساحة مجدداً، صغيرة وتمتد لفترة قصيرة، بحيث لن تكون كافية لتعديل التوازن بين زيادة الطلب وتوفير الإمدادات اللازمة لذلك». بمعنى آخر، يحذر ناصر من شح في الإمدادات في ضوء التوقعات في زيادة الطلب، ما يعني بدوره احتمال ارتفاع أسعار النفط ثانية، نظراً إلى الخلل في ميزان العرض والطلب مستقبلاً».

ولفت إلى بروز «ملامح حالياً لإعادة التوازن بين العرض والطلب، لكن الأسواق لا تزال تشير على المدى القصير إلى الفائض في عدد منصات الحفر واستمرار ازديادها في إنتاج النفط الصخري الأميركي». لكن على رغم ذلك، رأى أن «هذه الزيادة في إنتاج النفط الصخري الأميركي لن تكون كافية خلال السنوات المقبلة، بسبب تراجع الاستثمارات في شكل حاد، إذ أُلغيت استثمارات أو أُرجئت وبلغت قيمتها تريليون دولار، منذ بدء انهيار الأسعار عام 2014». وأفاد بأن اكتشافات النفط «التقليدي» انخفضت نحو النصف في السنوات الأربع الماضية، مقارنة بالأعوام الأربعة التي سبقتها. وشدد على ضرورة «عدم افتراض أن تستثمر شركات النفط والغاز في مشاريع ضخمة مستقبلاً، لأن إضافة طاقة إنتاجية ضخمة والاستثمارات اللازمة لتحقيق هذه الطاقة تتأخر وتتلكأ، ما سيفضي إلى عجز بعد فترة من الصعب تحديد مداها الزمني».

وليد خدوري.