بريطانيا تنزع القفازات في حرب البريكست

وزراء يصفون زملاءهم بـ«الحمير»، وآخرون يردون بوصف منتقديهم بالمجانين الخطرين… وزير سابق يحذر من الفوضى في الحكومة، ومستشار سياسي يذهل الناس بتغريدة يصف فيها أحد الوزراء البارزين بأنه «غليظ مثل اللحم المفروم (تعبير يقصد به وصف الشخص بالغباء الشديد)، وكسول مثل ضفدع»… نواب لا تعجبهم الحال ويستشعرون الخطر فيطالبون بإجراءات حازمة لردع الوزراء «المتمردين» ووقف الحرب الأهلية التي تهدد الحكومة ومصالح البلد.
هذا ما وصلت إليه الحال في حكومة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بسبب صراعات الأجنحة، وتباين الرؤى حول كيفية تنفيذ الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، والمخاوف من تأثير هذا الخروج على اقتصاد بريطانيا ومستقبلها ومكانتها الدولية. فعلى مدى الأيام الماضية حفلت وسائل الإعلام بتصريحات وتسريبات وقصص تعكس الصراع الدائر داخل الحكومة وفي أوساط حزب المحافظين في ظل تنامي الشد والجذب حول سياسة الحكومة للبريكست، وما إذا كانت الحكومة ستتجه نحو خيار «الخروج الخشن» أم «الناعم» من الاتحاد الأوروبي. هذا الصراع تؤججه أيضاً الحرب المشتعلة بين الطامحين إلى خلافة رئيسة الوزراء التي اهتز موقفها بعد خسارتها رهان الانتخابات العامة في 8 يونيو (حزيران) الماضي، وفقدانها عدداً من المقاعد البرلمانية مما اضطرها إلى البحث عن تحالف مكلف مع الحزب الوحدوي الديمقراطي الآيرلندي. فمنذ ظهور نتائج الانتخابات بات معروفاً أن إطاحة تيريزا ماي من زعامة حزب المحافظين ورئاسة الحكومة باتت مسألة وقت، وأن الطامعين في منصبها جهزوا سكاكينهم وبدأوا مناوراتهم لتوجيه ضربات استباقية لخصومهم.
حزب المحافظين رأى أن مصلحته تقتضي الالتفاف مؤقتاً وراء ماي لأن سقوط حكومتها الآن قد يفتح الطريق أمام زعيم حزب العمال المعارض جيريمي كوربن للوصول إلى «10 داونينغ ستريت (مقر رئاسة الوزراء)». فالناخب البريطاني عاقب ماي على دعوتها لانتخابات مبكرة، وربما لن يتوانى في تغليظ العقوبة على المحافظين إذا أجبروه على العودة لصناديق الانتخابات في الظروف الراهنة خصوصاً مع القلق المتزايد بشأن تبعات البريكست على بريطانيا.
بريطانيا تشعر بقلق واضح اليوم من تعقيدات وتبعات الخروج من الاتحاد الأوروبي، لذلك تعالت الأصوات التي تنتقد الحكومة وتتهمها بالافتقار إلى سياسة واضحة للبريكست وما بعده. في هذا الصدد تعرض الوزير المكلف بالبريكست، ديفيد ديفيس، لانتقادات واسعة هذا الأسبوع عندما زار مقر الاتحاد الأوروبي لإجراء محادثات مع المفاوض الأوروبي ميشال بارنييه، لكنه لم يمكث هناك سوى بضع ساعات عاد بعدها إلى لندن. الأدهى من ذلك أن ديفيس ظهر في الصور وحوله فريقه وليس أمامهم على الطاولة أي أوراق أو ملفات، بينما كان الفريق الأوروبي بقيادة بارنييه متسلحاً برزمة من الملفات؛ الأمر الذي استفز كثيراً من الناس وجعل الصحف تنطلق في حملة للسخرية من ديفيس الذي وصف بأنه «خالي الوفاض» و«خالي الذهن». المتحدث باسم حزب الليبراليين الديمقراطيين لشؤون البريكست، توم بريك، علق على الصورة قائلاً: «هذه حكومة بلا أوراق، وبلا خطة، ولا وقت لأهم مفاوضات في حياتنا».
في ظل المخاوف المتزايدة، والقلق في الأوساط المالية، والحرب الدائرة داخل الحكومة، خرجت بعض القيادات السياسية لتتحدث عن سيناريو محتمل تقرر بمقتضاه بريطانيا عدم تنفيذ قرار البريكست، خصوصاً إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مُرضٍ مع الاتحاد الأوروبي، واقتنع الناس بأن الخروج بلا صفقة سيكلف البلد ثمناً باهظاً وستكون له آثار مدمرة على الاقتصاد لا يمكن تعويضها بوعود توقيع اتفاقيات تجارة حرة مع دول أخرى قد يستغرق إنجازها زمناً طويلاً وقد لا تكون كافية إذا تحققت لسد الثغرة التي قد تنجم عن خسارة التجارة الحرة مع الكتلة الأوروبية التي تعد الكبرى عالمياً.
دعاة البقاء في المنظومة الأوروبية يطرحون خيارات وبدائل تتراوح بين البقاء في السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الجمركي، وهو ما يسمى «الخروج الناعم»، أو تعليق تنفيذ البريكست إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، أو العودة إلى الناخبين للتصويت على أي صفقة يتم التوصل إليها واتخاذ قرار بقبولها أو برفضها والبقاء في عضوية الاتحاد الأوروبي. رئيس الوزراء الأسبق توني بلير جاهر هذا الأسبوع بالتحذير من «الآثار المدمرة» للبريكست، لينضم بذلك إلى أصوات قيادات سياسية واقتصادية أخرى ترى أن مصلحة بريطانيا تقتضي البقاء ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي وإلا جازفت بخسارة مكانتها على الساحة الدولية سياسياً واقتصادياً، وواجهت تبعات كارثية في الداخل.
اللافت أن الرجل الذي قاد الحملة الإعلامية لمعسكر الخروج إبان استفتاء البريكست خرج أخيراً بتغريدة اعترف فيها بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي ربما يكون «غلطة». وهو بالتأكيد ليس الوحيد الذي يشعر بفداحة ثمن «غلطة الشاطر» التي وقعت فيها بريطانيا، ويدور الجدل ويحتدم الصراع الآن حول كيفية إيجاد مخرج منها. وعلى الرغم من أن دعاة الخروج، خصوصاً من أوساط اليمين المتشدد في حزب المحافظين، يقاتلون بضراوة، فإن المؤشرات الراهنة توحي بأن الأمور بدأت تسير في غير مصلحتهم.

عثمان ميرغني.