اليابان قلقة من انخفاض التضخم

اليابان مقبرة النظريات الاقتصادية؛ فمعدلات الفائدة في اليابان تسير ببطء شديد، وعانت تلك الدولة لعقود من عجز كبير في الميزانيات الحكومية دون ظهور ما يشير إلى حدوث التضخم الذي يراه كثير من خبراء الاقتصاد نتيجة طبيعية لهذا الوضع. الآن، وبعد سنوات من تجربة جميع الحيل التي وردت في الكتب المتخصصة لإنعاش الاقتصاد، انحنى البنك المركزي الياباني واستسلم للمحتوم، فقد أظهر تقرير البنك المركزي الياباني أن أياً من أعضاء مجلس إدارته التسعة يرى أن البلاد ستصل إلى معدل التضخم المستهدف البالغ اثنين في المائة.
وبناء عليه، فقد أرجأ البنك الوقت الذي يتوقع فيه بلوغ نسبة اثنين في المائة المستهدفة. يبدو ذلك كوميدياً بعض الشيء ما دام أنه بات من الواضح أن الميعاد سيؤجل مرة ثانية… وثالثة. وفي حال تدخل قوة خارجية لرفع معدل التضخم إلى اثنين في المائة، فسوف يعمل البنك المركزي الياباني على إنجاز الهدف، لكن من الواضح أن البنك ليس لديه أدنى فكرة عن أسلوب زيادة نسبة التضخم بشكل متعمد. ومن المحتمل تثبيت البنك معدلات الفائدة لأجل غير مسمى، لكن لو أن البنك استمر في تنفيذ هذه السياسة لعقود ولم يحدث أي تضخم يذكر، فما الذي يدعونا للاعتقاد بأن الانتظار لعقود أخرى سيأتي بنتيجة؟
ويعتقد بعض الاقتصاديين أن مزيداً من العجز المالي سيساعد على حدوث التضخم. ويتماشى هذا الطرح مع نظرية تسمى «النظرية المالية لمستوى الأسعار». بيد أن نظرة سريعة على تاريخ اليابان الحديث كفيلة بأن تجعلنا نتشكك في صحة تلك النظرية – حتى وإن ارتفعت ديون الحكومة بوتيرة ثابتة – لأن التضخم استمر لفترة طويلة عند حدود الصفر.
يجب أن يدفع الوضع في اليابان خبراء الاقتصاد إلى إعادة بعث فكرة «فيليبس كيرف» التي تقول بوجود علاقة ثابتة بين البطالة والتضخم؛ فمعدل التضخم المنخفض دوماً في اليابان يحدث رغم وجود وظيفة لكل باحث عن عمل.
وتقول نظرية الاقتصاد الأساسية إنه مع شح الوظائف في سوق العمل، يجب أن تؤدي المنافسة إلى رفع الأجور، مما يزيد من السعر الاستهلاكي من خلال زيادة الطلب وارتفاع التكلفة. لكن في اليابان لا يحدث شيء من هذا، فالأجور والأسعار لا يظهران سوى مؤشرات ارتفاع طفيفة رغم اختفاء البطالة، ولذلك تنطبق «نظرية فيليبس» هناك إلى حد كبير.
ولذلك، فإن تجربة اليابان تؤكد حقيقة واحدة مقلقة مفادها أن الاقتصاديين ليست لديهم فكرة عن كيفية حدوث التضخم، فالأمر غامض بالنسبة لهم. استمر خبراء الاقتصاد الكلي في التفكير في التضخم لعقود كثيرة، لكن لم يحدث تطور حقيقي في فهم من أين يأتي التضخم أو كيف لهم أن يتعمدوا تحقيقه.
لكن هذه الحال تجعلنا نتساءل: هل عدم حدوث التضخم في اليابان شيء سيئ في الواقع؟ فنمو معدل دخل الفرد في اليابان يعد منخفضاً، لكن يرجع ذلك إلى ارتفاع متوسط أعمار السكان. لكن إن استندنا إلى مقاييس الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة لكل شخص جرى توظيفه، فالبلاد قد حققت نمواً فعلياً في السنوات الأخيرة.
بكلمات أخرى، على الرغم من عدم الاختفاء الكامل للتضخم، فإن اليابان نجحت في تحقيق النمو وفي زيادة نسب التوظيف، مما يعني أن اليابان، وفي وسط هذا المناخ النادر، حققت طفرة في الانكماش.
وفي كثير من الأحوال، فالنمو من دون حدوث التضخم هو النتيجة المثلى بالنسبة لأي اقتصاد. واستقرار الأسعار يجعل من السهل للشركات والعمال تحديد أسعارهم وأجورهم، وفي الوقت نفسه يقلل من الشكوك التي تنتاب المستثمرين. ويزعم بعض خبراء الاقتصاد الكلي، خصوصاً الماليين، أن «ازدهار الانكماش» أمر نادر الحدوث، وربما لا يحدث مطلقاً. لكن إن كان بالإمكان وجود نمو من دون تضخم، فسوف يتفق الجميع على وجوب حدوث ذلك.
ولذلك، فرغم القلق بشأن معدلات التضخم المنخفضة في اليابان، فإنه يمكن النظر إلى الوضع هناك بوصفه معتدلاً، باستثناء زلة واحدة وهي الديون الحكومية.

نوح سميث.