10 سنوات على أزمة المال العالمية

.

يلاحظ إن الذكرى العاشرة لنشوب الأزمة هذا العام تتزامن مع الحديث عن مواصلة الاقتصادين الأميركي والبريطاني تحقيق نمو مستمر، وإن بطيء، في حين بدأ اقتصاد اليورو بالتعافي وتحقيق بعض النمو. والسؤال الذي يثيره الكثير من الخبراء الماليين والاقتصاديين حالياً هو ماذا سيكون عليه وضع النظام المالي الأوروبي عندما تلجأ الدول الأوروبية إلى

إنهاء كل إجراءات التيسير الكمي بما في ذلك سياسة الفائدة ما دون الصفر، خصوصاً بالنظر لنقاط الضعف الذي لا يزال هذا النظام يعاني منها. ثم السؤال يتوجه أيضا نحو آسيا، وتحديداً الصين.

نتفق مع ما يذهب إليه الكثير من الخبراء من أن النظام المصرفي الأميركي هو أقل ضعفاً بشكل ملحوظ من نظيره الأوروبي. والسبب في ذلك هو أن صناع السياسة الأميركية تعلموا من تجربة الطفرة والانهيار في اليابان. ومن بين الدروس المستفادة كانت أهمية الاعتراف في الوقت المناسب بالخسائر بعد الأزمة، وإجراء اختبارات الإجهاد الصارمة، والحاجة إلى تعزيز الحوكمة في موازنات المصارف، مع الحفاظ على تدفق الائتمان إلى الاقتصاد الحقيقي. وتشير إحصاءات إلى أن اهتمام البنوك الأميركية بضوابط الامتثال والحكومة يتجلى في ارتفاع أعداد موظفي البنوك العاملين في الأقسام المسؤولة عن سلامة الإجراءات ودقتها والضوابط، فبنك «جي بي مورغان تشيس» أكبر بنك أميركي زاد عدد العاملين في تلك الأقسام من 24 ألف موظف عام 2011 إلى 43 ألفاً في 2015.

في منطقة اليورو، في المقابل، كان صناع السياسات مترددين في مواجهة تحدي أزمة الديون السيادية. وكانت اختبارات الإجهاد غير مجهدة، والمصارف لا تزال تفتقر إلى الرسملة الكافية مقارنة بالمصارف الأميركية. وجنوب أوروبا يعاني قروضاً متعثرة. والمصارف في منطقة اليورو تحتفظ بممتلكات كبيرة من سندات حكوماتها.

وهذا يسلط الضوء على جانب مهم في معايير «بازل» بخصوص كفاية رأس المال المرجح بالوزن النسبي للأخطار، على رغم التعديلات التي أُجريت عليها في فترة ما بعد الأزمة، فهي لا زالت بنظر الكثيرين ناقصة. فالديون السيادية تتمتع بمعاملة مؤاتية بشكل مفرط وفقاً للمعايير، وبالتالي تعمل مصارف منطقة اليورو على حشو موازناتها بسندات الحكومات التي تعاني مديونية مفرطة وخطيرة. ومع بقاء أسعار الفائدة الصفرية في منطقة اليورو اليوم، والتي ساهمت فيها البنوك المركزية من خلال إجراءات التسهيل الكمي، يبدو أن الوضع تحت السيطرة. لكن هناك فخ الديون الذي ربما يصعب الهروب منه من دون انهيار سوق السندات عندما تزال هذه الإجراءات، ما من شأنه أن يزيد تكاليف الاقتراض الحكومية مع الإضرار بقيمة الأصول في الموازنات. لذلك، فإن كيفية الخروج من برامج التسهيل الكمي للمصارف المركزية والعودة إلى رفع أسعار الفائدة في سوق السندات سيكشفان عن مدى ضعف النظام المالي الأوروبي المثقل بأعباء السندات الحكومية أو قوته.

جانب أخر من معايير «بازل» هو متطلبات رأس المال، فعلى رغم أهمية الضوابط والإجراءات التي اتخذتها السلطات المالية عبر العالم لإعادة تنظيم القطاع المصرفي في أعقاب الأزمة المالية، فإننا نعتقد أن تغير متطلبات رأس المال الواجب توافرها لدى البنك، بعدما كشفت الأزمة المالية مدى هشاشة الأموال المصرفية المرصودة للتعامل مع الأزمات، ضمنت إلى حد كبير مواجهة أي أزمة مقبلة. لكن على البنوك زيادة رأس المال أكثر للتعامل مع الأزمات المستقبلية، بحيث يكون لدى البنك القدرة على التعامل مع أسوأ أزمة مالية يمكن تخيلها من دون أن ينهار تحت وطأة الضغط. وفي العام الماضي عزز أكبر 30 مصرفاً في العالم وأهمها رؤوس أمواله المرصود للأزمات بنحو 1.3 تريليون دولار.

وتناقش «لجنة بازل» ما يسمى أرضية إنتاج «OUTPUT FLOOR» وهو التنقيح الذي تعمل عليه اللجنة وسيضع قيوداً على البنوك لدى استخدام نظام التقويم الداخلي في تقدير أخطار الائتمان لبعض أنواع التمويل. ويقدر محللون أن البنوك العالمية غير الأميركية قد تشهد ارتفاعاً في الأصول المعرضة للخطر بمعدل وسطي يصل الى ما بين 18 و30 في المئة وفقاً لهذا التعديل. وفي تلك الحالة تستدعي الحاجة وجود رأسمال اضافي يبلغ ما بين 250 و410 بلايين يورو، وهي أرقام عالية عندما تكون الأرباح متواضعة.

وأخيراً، ماذا عن النظام المصرفي الآسيوي وحجم تعرضه للأخطار. يرى بعض المحللين أن البنوك الآسيوية تعلمت الدرس، وعززت إجراءات الضبط المصرفي، تفادياً لحدوث ما لا تحمد عقباه. لكن النظام المصرفي الصيني يمثل ثغرة كبيرة في النظام المصرفي العالمي. فهو بصفة عامة توسع في الإقراض إلى مستوى يتجاوز قدرته المثلى، كي يحافظ على معدل النمو المرتفع. والآن تبلغ الفجوة بين الائتمان والناتج المحلي الإجمالي في الصين نحو 30.1 في المئة، وهي الأعلى على مستوى العالم، وأعلى من نظيره الأميركي قبل اندلاع الأزمة،. وإذا كان إجمالي الديون الصينية بلغ 28 تريليون دولار، فماذا ستفعل السلطات المالية في الصين إذا ارتفع سعر الفائدة عالمياً.

لا شك في أن أي أزمة في الصين لن تبقيها داخلها فقط . فارتباط بكين بالنظام الاقتصادي العالمي أوجد حالة من التداخل الضخم بين بنوكها الوطنية وكبرى البنوك الدولية، وبالتالي فإنها سوف تواجه حتماً أخطاراً كبيرة في حال انتقال الأزمة إلى المصارف الصينية.

لذلك، على كل السلطات النقدية والمالية والمصرفية العالمية مواصلة العمل معاً لمواجهة هذه الأخطار المتوقعة والتعامل بحكمة معها سعياً لتعزيز آفاق النمو الاقتصادي العالمي وفي الوقت ذاته التعامل مع المعايير التي تم اتخاذها لإعادة النمو.

عدنان يوسف