قوة اليورو تُربك أوروبا في قرار وقف التيسير

يبدو ان وقف عملية التيسير الكمي اصعب بكثير من البدء فيها. هذا في المطلق، وقد اكده ماريو دراغي حاكم البنك المركزي الاوروبي. ولا يتوقف الأمر على ذلك، سيما ان ارتفاع اليورو في الآونة الاخيرة زاد الضغوط نزولًا على التضخم مما جعل من الصعب على البنك المركزي تخفيف عملية التيسير الكمي وبرنامج شراء السندات التي بدورها تعزز اليورو.
حسب توقعات النمو التي نشرها البنك المركزي مؤخرًا عقب اجتماع السياسة النقدية، أعطى التجار كل الاسباب لمواصلة شراء اليورو. وعلى النقيض من ذلك فإن توقعات التضخم في العام القادم والذي يليه جاءت متشائمة والذي ينسبه دراغي الى ارتفاع اليورو.

وفق ما قاله دراغي للصحافيين في فرانكفورت ان «التقلب الذي حدث مؤخرًا في سعر الصرف يمثل مصدرا من مصادر عدم اليقين ويستلزم الرصد، سيما بسبب اثره الكبير على استقرار الاسعار.

واذا كان سعر الصرف ليس هو الهدف الاساسي، لكنه مهم للغاية في اسباب النمو والتضخم. في المطلق، لا شك ان ارتفاع اليورو يهدد اقتصادات المنطقة بالشكل ويؤدي ايضًا الى تخفيف توقعات التضخم والسبب واضح، سيما وان يورو مرتفع يساعد جدًا في تخفيف الصادرات وتشجيع الواردات، وهو عنصر اساسي في ابطال بعض النمو الذي حدث مؤخرًا في الاقتصاد.

نتيجة لذلك، يواجه البنك المركزي الاوروبي مهمة صعبة بعض الشيء وهي مهمة انهاء الدعم المالي دون دخول اقتصاد منطقة اليورو او الاسواق في ازمة.

وحسب ديفيد لامب، المسؤول في Fexco، فان ماريو دراغي غير قادر على كبح الارتفاع المتواصل لليورو. ويزيد من تعقيد الامور كون الدولار الاميركي يتعرض لضغوط كبيرة توقف نمو الوظائف.

ويواجه ثاني اعصار خلال الاسابيع الماضية مما يعني تعزيز قدرات اليورو امام الدولار الاميركي.
الأمر الاهم يبقى في مراقبة ما سيحدث سيما وانه من المتوقع ان البنك الاوروبي اقترب من نهاية فترة التيسير الكمي المرتقبة في شباط المقبل اثر تحسّن اقتصاد منطقة اليورو ومخاوف مسؤولي البنك المركزي من ان تنضب عملية شراء الاصول.

وحتى اليوم، لا يبدو اي شيء اكيدا، انما ما هو مؤكد ان البنك المركزي الاوروبي بدأ النظر في الخيارات لأنهاء عمليات شراء الاصول في ظل حصيلة جديدة من الاحصاءات التي نشرت عن نمو اقتصاد منطقة اليورو ونسبة ٢،٣ بالمائة لغاية حزيران من هذه السنة وهو معدل اعلى مما كان متوقعا اصلًا. غير ان التضخم لا يزال ضعيفًا وعلى مستوى ١،٥ بالمائة دون الهدف المحدد من قبل المركزي والذي هو ٢ بالمائة.

وفي جولة جديدة من التنبؤات الاقتصادية، من المتوقع ان تظهر ضعف التضخم في العام ٢٠١٨ وهو ما يرجع جزئيًا الى ارتفاع قيمة اليورو. هذا التقلّب وعدم اليقين وما حدث مؤخرًا في سعر الصرف واثره على استقرار الاسعار يجعل من قرارات التيسير الكمي عملية معقدة بطبيعة الحال، ويفكر المرء في المخاطر التي قد تحدث خلال الاسابيع او الاشهر القادمة.

قد يكون هذا الحذر وراء عدم تحديد موعد لوقف التيسير. وجاءت اجابات دراغي على الاسئلة التي طالت مستقبل QE طويلة جدًا، وتحدث عن النمو والتضخم وسعر الصرف، واكد ان سعر الصرف عواقبه وخيمة سيما وان قيمته الحالية لا تعبر حقًا عن قدرة اقتصاد منطقة اليورو ويثبط الانتعاش ويزيد من ضعف احتمالات التضخم.

ان ارتفاع اليورو اكثر كلفة للمنتجات والخدمات ويؤثر على الصادرات. وكما سبق وذكرنا، يقلّل من فرص تضخّم اسعار السلع المستوردة. وحسب استطلاع الرأي الذي اجرته «رويترز» من بين ٦٦ من الاقتصاديين فان اغلبيتهم تتوقع ان يعلن البنك المركزي الاوروبي خفض عملية التيسير الكمي بانتظار اغلاق البرنامج كليًا في حلول نهاية العام المقبل.

لذلك قد يكون زخم النمو الاقتصادي القوي بالاضافة الى ندرة الاموال تشير الى ان سياسة البنك النقدية الفضفاضة لم تعد ضرورية، وأدّى الى حالة من التوجه نحو تخفيف عملية التيسير الكمي.

في الكلمة التي ألقاها دراغي في جاكسون هول امتنع عن اعطاء اي معلومات حول السياسة النقدية للمصرف المركزي الاوروبي وتمسك بموضوع «تعزيز ديناميكية الاقتصاد العالمي». وابدى دراغي معارضة للسياسات الحمائية في حين ان الولايات المتحدة الاميركية، الشريك التجاري الرئيسي للاتحاد الاوروبي، تعيد النظر في اتفاق اميركا الشمالية للتجارة الحرة الـ NAFTA .

وشدّد على ان النزعة الحمائية تشكل خطرًا كبيرًا على النمو العالمي، كذلك شدد على إن الرقابة القوية للاسواق المالية ضرورية لمنع الاختلالات المالية. هذا الكلام يعني امرين لا ثالث لهما: عدم اليقين ما سيفعله المركزي الاوروبي في تشرين الاول المقبل في غياب البيانات، وثانيًا ادراكه ان العملة القوية ان بقيت تؤثر سلبا على النمو المتوقع للعام المقبل والغموض كان رئيسيا وراء العملية بشكل عام.

كل هذه الامور تجعل من قرارات المركزي الاوروبي في تشرين الاول المقبل دقيقة بعض الشيء، سيما وانهم يدورون في حلقة مفرغة اساسها قدرة الدولار مقابل العملات الرئيسية والتي تشكل عائقًا امام نمو محتمل في منطقة اليورو، وتبقى عاملًا اساسيًا في عدم الوصول الى مستويات التضخم المرجوة. علما ان دراغي دافع بقوة عن مرونة برنامج شراء الاصول، مؤكدًا انه يمكن ان تتعامل مع التحديات.

ولا شك انه كان يشير الى عملية الشراء المفرطة التي حدثت أخيرا مع سندات ايطالية وفرنسية مقارنة بالصيغة التي تحدّد مقدار الكمية التي يمكن للمركزي الاوروبي شرائها من ديون دول اليورو).

بالمختصر، حاول دراغي تفادي التحدث عمّا كان يترقبه المحللون والاقتصاديون، وترك الباب مفتوحًا امام عدة احتمالات علمًا انها وفي المطلق تصب في خانة حلقة مفرغة تحاول اوروبا الخروج منها في ظل يورو قوي عكس كل المعطيات.