الآثار الاقتصادية للمواجهة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية

لم تظهر دراسات جدية وعميقة حتى الآن، تحدد الآثار التي يمكن أنْ تنتجها مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية على الاقتصاد العالمي. إذ لم يسبق لكلتا الدولتين أن كانتا على شفا حرب كما هما عليه حالياً.

ويختصر الخبراء أنَّ أي حرب قد تنشب بين الطرفين، ستتسبب بخسارة كبيرة في رأس المال البشري من قوات عسكرية ومدنيين، وبانخفاض اقتصادي عالمي واضطراب في سلاسل التوريد الدولية. فيما حجم الخسارة سيحدده نوع المواجهة وأمدها وكثافتها وشموليتها.

وفي ضوء أي سيناريو يمكن أن تُخاض على أساسه الحرب، فإن تأثر الاقتصاد الكوري بالحرب لن يكون محصوراً بكوريا الجنوبية وحدها، بل سيشمل مناطق أخرى من العالم. إذ تُعتبر كوريا الجنوبية السادسة عالمياً في الصادرات الصناعية الوسيطة بعد الصين والولايات المتحدة وألمانيا وهونغ كونغ واليابان. لذا في حال تأثر الإنتاج الصناعي الكوري، سيكون لهذا التأثير ارتداداته على بقية العالم. إذ تُعدّ كوريا الجنوبية أكبر منتج للكريستال السائل في العالم (40 في المئة) وثاني أكبر منتج لأشباه الموصلات SemiConductors (17 في المئة). كما أنها مصنّعة رئيسة للسيارات وتحتضن ثلاثة من أكبر مراكز صناعة السفن في العالم. وعندما يتأثر إنتاج كوريا سلباً بالحرب أو يُعطّل سينتج عنه شح على مستوى العالم يستمر لفترة غير قصيرة. إذ يستغرق بناء معمل لإنتاج شبه الموصلات من الصفر أكثر من سنتين. علماً أن الحرب الكورية 1950- 1953 تسببت بخسارة 80 في المئة من الناتج المحلي الكوري الإجمالي حينها.

وحتى إذا لم تستطع نيران الأسلحة الكورية الشمالية الوصول إلى البر الأميركي بسبب بعد المسافة الجغرافية (6500 ميل تقريباً)، فستكون للحرب تأثيرات كبيرة على الاقتصاد الأميركي على مستويات مختلفة. إذ تُعدّ كوريا الجنوبية مستورداً كبيراً للمنتجات الزراعية الأميركية ومصدراً لسلع مصنعة وشبه مصنعة لها. وبلغت التجارة بينهما 100 بليون دولار عام 2016. وسيتسبب تضرر البنية التحتية الداعمة للتجارة والمستهلكين اللذين يخلقون الطلب على السلع الأميركية بالحرب، بزعزعة كبيرة للصادرات الزراعية الأميركية وستلحق الضرر بأسعار السلع الزراعية والمزارعين الأميركيين. كما لن تكون كلفة الحرب في بلاد أجنبية أمراً سهلاً. إذ كلّفت الحرب الكورية (1950) الولايات المتحدة 4.2 في المئة من ناتجها المحلي، وحرب الخليج الثانية (2003) 5 في المئة من ناتجها أو أكثر من تريليون دولار.

ومن المعروف أنَّ من السهولة بدء الحرب لكنّ من الصعوبة إنهاءها. فجيش كوريا الشمالية الكبير الحجم، قد يغريها إطالة فترة الحرب، وفي حال تخطت حسابات الولايات المتحدة مدتها، سيرتفع الدين العام في شكل صاروخي. كما ستسبب مواجهة عسكرية اضطراباً في سلاسل التوريد الأميركية وزيادة التضخم وانخفاض في معدلات النمو الاقتصادي. وبسبب الثقل الاقتصادي للولايات المتحدة في حجم التجارة العالمية (4.9 تريليون دولار) وفي الناتج المحلي العالمي (22 في المئة)، فضلاً عن كونها مجهزاً أساس لسلع كثيرة، فستصيب حرباً مع كوريا الشمالية سلاسل الإنتاج العالمية بالاضطراب، لأن التأثير بحال كهذه يكون مثل تأثير الدومينو. إذ يمكن أن ينتقل انخفاض اقتصادي وفوضى في دولة تخوض حرباً، إلى بقية الدول وإلى الاقتصاد العالمي ككل. كما يمكن أن تتسبب الحرب بآثار غير مباشرة لا تقل خطورة، وتحديداً تأثيرها في ثقة المستهلكين والمستثمرين في الولايات المتحدة، وفي قيمة الدولار ومدى قدرة الدول الأخرى على تمويل ديونها.

وأسفرت الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية منذ بدايتها، زيادة في طلب المستثمرين الآسيويين على الين الياباني كملجأ آمن، ما رفع سعره أكثر من 5 في المئة في مقابل الدولار. ولا ترى اليابان ذلك من مصلحتها، لأنها تبذل جهوداً كبيرة لتطبيق استراتيجيات اقتصادية تحافظ بها على هبوط سعر الين لتشجيع صادراتها.

كما ستلحق قدرة كوريا الشمالية على ضرب المراكز الحضرية اليابانية بسهولة، أضراراً فادحة بسلاسل الإنتاج اليابانية ويدمر قدراتها التصديرية. وبسبب ثقل اليابان في حجم الإنتاج الصناعي العالمي وفي التجارة الدولية، ستنتقل هذه الأضرار بسهولة إلى اقتصادات الدول الأخرى خصوصاً تلك التي لها مع اليابان علاقات تجارية قوية.

ولن تكون الصين في منأى عن حرب تنشب بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، لأن 90 في المئة من تجارة كوريا الشمالية هي مع الصين. وستتأثر مصالح الصين سلباً بها، خصوصاً إذا ما تعرضت إلى ضغوط من الولايات المتحدة لمحاصرة كوريا اقتصادياً. وإذا مانعت الصين فستتعرض هي نفسها، إلى عقوبات اقتصادية أميركية تضر باقتصاده:
ذكاء الخالدي.