«العملاق الأميركي» ينشر الفوضى الإقتصادية

كانت الولايات المتحدة الاميركية ولعقود مضت الضامن للاستقرار الاقتصادي العالمي. وقد جرى ذلك مرارًا وتكرارًا على الساحة الدولية في اربعينات القرن الماضي عندما ساعدت اوروبا الغربية لتخرج من تحت انقاض الحرب العالمية الثانية ضمن خطة مارشال.

كلما كانت هناك

أزمة مالية عالمية كنا نرى وزارة الخزانة الاميركية وصندوق النقد الدولي يلعبان الدور القوي ويتخذان التدابير الداعمة لتعزيز امكانات الدول. وقد يكون آخرها اسوأ ازمة اقتصادية عالمية في العام ٢٠٠٨ ، حيث قاد الاميركيون خطة منسقة وقاموا بعملية الانقاذ.

لكن هذه الصورة بدأت تتغير، وبدأت اميركا حسبما يبدو تفقد هذا الدور المهيمن على الاقتصاد العالمي وعلى قمتي الـ G7 وال G20 وباتت تعزل نفسها بشكل متزايد يدعو للقلق، سيما للاوروبيين والذين نشروا وثيقة داخلية تظهر قلقهم من ان الاقتصاد الاميركي لم يعد كما كان عليه في السابق.

في حديث مطول لستانلي فيشر، نائب رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي الاميركي والذي امضى طفولته وشبابه في محمية بريطانية قبل ان يتوجه الى لندن في اوائل الستينات ليكمل دراسته الجامعية وشهد على تفكك الامبراطورية البريطانية، يقول إنه يشهد على قوة عظمى في طريق مغادرة المسرح العالمي.

وحسبه دائمًا ان الولايات المتحدة ومع قيادة ترامب لها بدأت تفقد مركزها بوصفها قوة الهيمنة العالمية ودور اميركا كضمانة للمنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي لم يعد امرًا مفروغًا منه. ويكمل فيشر ليقول ان النظام السياسي الاميركي قد يتجه بالعالم في اتجاهات خطيرة جدًا ويشهد على امور تحدث الان لم يشهدها طيلة حياته المهنية.

على سبيل المثال، فإنه يعتقد ان الحكومة الاميركية الحالية وفي محاربتها Dodd Frank وفك تنظيم القطاع المصرفي بعد ازمة مالية لم تتجاوز العشر سنوات يعتبر شيئا مرعبا للغاية.

لذلك اتخذ فيشر الخطوة الضرورية، واعلن استقالته بمعنى ان اهم مصرف مركزي في العالم سوف يخسر احد اهم مستشاريه بلا منازع، وبالتالي ان سمعة اميركا في عالم الاقتصاد والمال هي مرة اخرى على المحك.

لذلك اصبح، وعلى ما يبدو، كل شيء مشكوك بأمره. الاتفاقيات التجارية موضع شك، وشركاء اميركا التجاريون التقليديون اصبحوا في خانة الاتهام على انهم سبب رئيسي في بطالة الشعب الاميركي. وهكذا نرى اميركا الدولة العظمى والتي عندها من الثقة بالذات ما يكفي ليهتز العالم اصبحت تعاني من الشك والخوف وعزل النفس بشكل متزايد.

ولا يفوت ترامب فرصة الا ويقول فيها ان اميركا خدعت في الاتفاقيات التجارية وكانت ضحية، علمًا ان اميركا وكما كانت ولأيام قبل وصول ترامب الى السلطة لم تعان من هذا العجز، ولم تشتك يومًا من اتفاقيات عالمية تجارية ومالية، وكانت هي الرابح الاكبر فيها.

لكن يبدو ان ترامب وسياسته العدائية تجاه مختلف الامور تجعل من الصعب التعاطي مع اميركا كما في السابق وتواجه معارضة متزايدة مع حلفاء الامس في التجارة والسياسة والاقتصاد.

تقييم هذا الشرخ المتزايد بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الاميركية والحال التي وصلت اليها الامور يمكن رؤيته في ورقة داخلية وضعتها اللجنة الاقتصادية والمالية للدول الاعضاء وتتعاطى مع موقف الاتحاد الاوروبي في شأن قضايا السياسات الاقتصادية الهامة.

يدق هذا التقرير ناقوس الخطر لما آلت اليه الوضعية الاميركية ويرون في تصرف واشنطن في شأن تقييد التجارة الدولية والتعاون الدولي هجومًا على السلام العالمي ويلحق ضررا بالعالم اجمع وبالولايات المتحدة نفسها.

وللعلم، هذه الوثيقة لا تخفي الدعوة لترامب لتحسين ادائه واعادة توجيه نفقاته وشملت العديد من الامور سيما منا ما يلي:

١- الاستثمارات، اذ ان الاوروبيين يقلقون من ان المستثمرين الدوليين يحاولون تجنب الولايات المتحدة الاميركية وهي نقطة ضعف للادارة الاميركية رغم الاداء القوي للاقتصاد الاميركي.

٢- الضرائب: خطط الاصلاح الضريبي والتي وضعت اساسًا لخفض العبء الضريبي على الدخل الاعلى قد تتناغم بدل معالجة تحديات التوقعات الاقتصادية الاميركية وتساهم في ارتفاع معدلات الفقر وتدني المشاركة في العمل.

٣- التأمين الصحي: لا بد من الاشارة هنا الى ان الولايات المتحدة الاميركية تحتل موقعًا ضعيفًا في مجال الرعاية الصحية بين بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والاصلاح المقترح بإزالة The affordable care act او ما يسمى ب Obama care يعتبر امرًا خطيرًا.
كل هذه الامور ليست بالبسيطة ولن تزيل خوف الاوروبيين من ان تفقد اميركا من زعامتها كما كانت عليه قبل انتخاب ترامب.

ويبقى ان الاوروبيين لديهم مخاوف اهم وخبراء النقد ما زالوا يترقبون سعر صرف الدولار الاميركي وتراجعه امام اليورو سيما في الآونة الاخيرة حيث تجاوز سعر الصرف اليورو ١،٢٠ دولار وهذا يعني ليس فقط مجرد اداء ضعيف امام عملته اليورو وامام عملات اخرى مثل الجنيه الاسترليني والين الياباني، انما هو بمثابة حجب للثقة بترامب وفريق عمله سيما وانه فشل لغاية الآن في تحقيق اي من اهدافه التي وضعها في بداية عهده، ولم يتمكن من الحصول ولو على امر بسيط منها.

وموضوع Obama care قد يكون مهزلة لعهد ترامب لا سيما وانه فشل لغاية الآن مرتين في الغائه والاعلان الضريبي الذي وعد فيه لن يتحقق.

هذا الوضع لا بد من أن يؤثر في الاقتصاد العالمي، وان يتغير واقع العملة التي كانت وبقيت لفترات طويلة العملة الاكثر امانًا وعملة الملاذ الآمن في انحاء المعمورة.

لذلك رئاسة ترامب غير مساعدة لتحسين هذه الوضعية سيما مع الصراع مع كوريا الشمالية في الآونة الاخيرة حيث فقد الدولار الاميركي الكثير من قيمته. والعملة التي كانت عملة احتياط بدون منازع يقوضها الآن عاملان اساسيان: عدم كفاءة ترامب السياسية، والخطر الاعتزالي المتبع والذي يساهم الى حد بعيد في تدمير سمعة البلاد وعملتها ويثير اقله فوضى اقتصادية تساهم في اعادة تموضع العملات والاستثمارات في العالم.

بروفسور غريتا صعب.