الصين… زلزال أم انقلاب؟

في الاسبوع الفائت، انطلقت في العاصمة الصينية بكين أعمال المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الحاكم، والذي يمثل أكبر وأهم ملتقى سياسي ترسم فيه الخطوط العامة لسياسة الدولة في قادم الأيام، عطفاً على قيام ممثلي الشعب باختيار مسؤولين جدد لقيادة دولة التنين الساعية حثيثاً، وفي هدوء وتؤدة يليقان بتاريخها، نحو مكانة إمبراطورية عالمية.
يمكن القطع بأن نجم النجوم في هذا المؤتمر، كما يتبدى من متابعة أعمال المؤتمر، هو الرئيس الصيني تشي جينبينغ، حيث يمكن للمرء أن يستعير تعبير الكاتب البريطاني الشهير نايجل هاميلتون في كتابه عن «القياصرة الأميركيين»، بالقول: إن تشي قد وصل لاحقاً إلى مرحلة من العظمة، بعد النجاحات الكبرى التي حققها لبلاده في العقد الأخير، ما دفع العالم للتساؤل: هل بات الرجل المنظِّر الثالث للصين، بعد ماو تسي تونغ الزعيم التاريخي، ودينغ شياو بينغ رائد الإصلاح؟
الحديث الذي يملأ الأجواء اليوم يتصل برؤية تشي الجديدة للاشتراكية ذات الخصائص الصينية، تلك التي يستعد الصينيون ليضعوها في الدستور الصيني، ومعنى ذلك أن الرجل في طريقه للخلود، بعد أن رسم للصين آفاقاً جديدة لاشتراكية مختلفة عن تلك التي وضع لبناتها ماركس ومن بعده لينين.
في خطابه الافتتاحي أمام المؤتمر طرح تشي رؤية جريئة وحازمة لمستقبل البلاد، مبشراً ببزوغ فجر عصر جديد من الرخاء والقوة الصينية.
الزلزال أو الانقلاب الصيني عبر عنه تشي في حديثه بالقول إن بلاده ستتحرك في ذلك العالم الجديد والعصر المغاير لتكون أقرب إلى مركز الصدارة، في إشارة لا تداري ولا تواري رغبة الصين في احتلال موقع تستحقه في القرن الحادي والعشرين، وهو توجه نادراً ما نجده في سياسات الصين المعلنة، والتي تفضل العمل في الخفاء للوصول إلى مرادها، فهل حان وقت استعلان القطبية الصينية دون خجل أو وجل؟
المشهد الصيني المثير لا يتوقف عند هذه الإشارة وحسب؛ بل إنه يمتد إلى ما هو أكثر إثارة، إذ أشار تشي في خطابه إلى أن نظام الحزب الواحد الصيني بات خياراً جديداً للدول والشعوب الأخرى التي ترغب في تشريع تنميتها، والحفاظ في الوقت نفسه على استقلالها.
هذا الطرح الأخير يكاد يحدث اهتزازات عميقة في بنى سلطوية وسياسية كثيرة حول العالم، تبحث عن طريق ثالثة ما بين الرأسمالية المنفتحة التي قادت إلى أزمات مالية عالمية، لا تزال بعض دول العالم الغربي تعاني من تبعاتها حتى الساعة، وبين نظم شمولية ديكتاتورية منغلقة على ذواتها، بما لا يتسق وسرعة حركة العصر.
حديث تشي هنا يذكرنا بتصريحات سابقة لرائد الإصلاح والتحديث الصيني دينغ شياو بينغ، بعد تسلمه مقاليد السلطة، ذاك الذي بلور سياسات براغماتية للبلاد، ووضع الجيش في المقعد الخلفي، حين قال: «لا يهمني أن يكون لون القط أسود أو أبيض كي أحكم عليه بأنه قط جيد»، فهذا القط يظل جيداً طالما أنه قادر على اصطياد الفئران، ما يعني أن الأساس أن يكون المرء منتجاً في الحياة بصرف النظر عن كونه شيوعياً أو رأسمالياً.
هل تسعى الصين بالفعل إلى إعادة تشكيل العالم؛ لكن بهدوء وبغير صخب أو حرب أو إثارة ثورات وإحداث قلاقل وارتكاب أخطاء تصل إلى حد الخطايا؟
يبدو أن هذا ما تفعله حقاً في السنوات الأخيرة، عبر أدوات القوة الناعمة التي تتوفر لها، وتكاد الصين هنا تكرر التجربة الأميركية التي سعت وراءها بعد الحرب العالمية الثانية، أي مساعدة أوروبا عبر مشروع مارشال لإنقاذها اقتصادياً وإنسانياً، وساعتها نظر العالم إلى أميركا بوصفها بالفعل «مدينة فوق جبل» تنير للعالم بطريقة إيجابية، قبل أن تتحول دفة سياستها إلى غزو عسكري لبعض دول العالم، ومؤامرات تجاه بعضها الآخر.
الصين اليوم تعزز نفوذها السياسي حول العالم، من خلال «طريق الحرير» الجديد، هذا المشروع الذي تبلغ تكلفته نحو تريليون دولار، وهو عبارة عن إنشاء ممر للتجارة العالمية يمر عبر ستين دولة في آسيا وأوروبا.
ما الذي تمتلكه الصين ويجعل منها أمة قادرة على أن تتحول إلى قطب دولي قادم لا محالة؟
الصين تمتلك كثيراً من المقومات التي تساعدها على أن تصبح دولة مؤهلة لوراثة الإمبراطورية الأميركية، بما تملكه من تراث ثقافي ضخم، ولأن تعداد سكانها يفوق المليار، وأيضاً لأن لديها القدرة على مقاومة العولمة بمفهومها الغربي، إلى جانب أنها تعد الآن مركز الاقتصاد في شرق آسيا، والمنافس الأكبر للاقتصاد الأميركي.
قبل أيام أبلغ الجنرال جوزيف دنفورد رئيس هيئة الأركان المشتركة، الكونغرس، بأنه يتوقع أن تصبح الصين عام 2025 الخصم الأكبر لبلده. ومع انعقاد المؤتمر كان ريكس تيلرسون وزير خارجية أميركا يؤكد أن أميركا لن تحجم عن التصدي لما سماه حالات تقويض الصين سيادة الدول المجاورة وإضرارها بالولايات المتحدة وأصدقائها.
زلزال أم انقلاب؟ المواجهة بين واشنطن وبكين آتية لا ريب فيها، غداً أو بعد غد على الأرجح.

إميل أمين.