أنّ «وول ستريت» وَوجه الازدهار الأميركي.

في الأيام الذهبية خلال ثمانينات القرن العشرين، كانت الأسهم والسندات رخيصة وأصلح «وول ستريت» مركز الاقتصاد الأميركي. لكن أسعار الأصول الرخيصة تسببت في كثير من الأضرار الهيكلية للمجتمع الأميركي، وبعض من هذه الأضرار لا تزال تتبدى للعيان حتى يومنا هذا. فإن أسعار أسواق الأسهم الباهظة والعائدات الضئيلة للسندات

في عام 2017 الحالي، على النقيض مما تقدم، قد تولد أرباحا غير متوقعة في المستقبل المنظور.

وتميل أسعار الأصول إلى اتباع علاقة عكسية مع قوة سوق العمل. عندما تنخفض معدلات البطالة، كما هو الحال الآن وكما كان الأمر في تسعينات القرن الماضي، تميل الأسهم إلى الارتفاع الكبير. ويرجع هذا الأمر إلى المستثمرين والأصحاب الأعمال الذين يملكون الخيار حيال كيفية تخصيص أموالهم.

إذا كانت الأسهم رخيصة وعائدات السندات مرتفعة، تميل الشركات إلى شراء الأصول المالية أو سداد الديون المستحقة. وعلى العكس من ذلك، عندما ترتفع أسعار الأسهم وتنخفض العائدات على السندات، فإن الأصول المالية تفقد جاذبيتها، وبالتالي فإن أصحاب رؤوس الأموال يميلون حينئذ إلى توسيع أعمالهم التجارية أو الشروع في أعمال تجارية أو تأسيس شركات جديدة، مما يعني توظيف المزيد من العمالة ودفع أجور أعلى.

والأمر الذي ميز فترة الثمانينات بنوع من الاستثنائية كان أن كل من الأسهم والسندات كانتا رخيصتين بدرجة كبيرة منذ أجيال. مما أوجد بيئة أكثر جاذبية لشراء الأصول المالية والعمل في الأسواق المالية، بدلا من العمل كموظف أو تعيين الموظفين. وليس من المستغرب، أن تشهد هذه الفترة ركودا في الأجور واتساع رقعة عدم المساواة.

وكانت المشكلة، كما عايناها على مدى السنوات القليلة الماضية، هي أنه في حين كانت العمالة من المدخلات الاقتصادية المهمة أهمية الأرض أو الطاقة، فإن العمالة أيضا هي عبارة عن الناس – أي الآباء، والناخبين، ومختلف أعضاء المجتمع. فإذا ما ارتفعت أو انخفضت أسعار النفط وضبطت الشركات أنشطتها التجارية وفقا لتلك التقلبات، سوف يتكيف الاقتصاد سواء بسواء في خاتمة المطاف وفقاً لذلك وتستمر الحياة على هذا المنوال. ولكن إذا كانت العمالة، من ناحية أخرى، في وضعية غير مواتية لسنوات فإن العائلات قد تشهد نوعا من الانهيار، وقد تتدهور أحوال المجتمعات، وتصير البيئة السياسية العامة أكثر ضرراً وسُمية. أيبدو ذلك مألوفا؟

اعتادت البلاد انتهاج بعض العادات السيئة على مدى العقود القليلة الماضية، عندما صارت الأصول المالية تحظى بقدر من الجاذبية يفوق ما تحظى به العمالة. فكانت النتيجة أننا تناسينا كيفية تدريب العمالة، وذلك لأنه عبر عقود مطولة كانت هناك وفرة كبيرة من العمالة مستعدة للتوظيف. ومالت السياسات الضريبية والمالية كثيرا نحو المدراء بدلا من الموظفين. ونظرا لاعتبار الأسواق من السبل الأكثر يسرا وسهولة للوصول إلى السلطة والثراء، توافد صغار الساعين وراء السلطة والطالبين للثراء على «وول ستريت» بدلا من محاولة إنشاء الأسواق الخاصة بهم في مواضع أخرى من نفس المجتمع.

ومن غير المرجح، وعبر أجيال مقبلة، أن نشهد الأصول المالية الرخيصة في أي وقت قريب، وعوضا عن ذلك، قد تمر بنا فترة من أسعار الأصول المالية باهظة الارتفاع في الأجيال القادمة. ومن شأن ذلك أن يعود بالمنافع طويلة الأجل على المجتمع الأميركي.

وحيث إن أسعار الأصول الباهظة تساعد في دعم سوق العمل، فإننا قد بدأنا في مشاهدة أصحاب الأعمال والحكومات يضيفون المزيد من الطاقة والجهد في تدريب القوى العاملة لضمان التوافر المستمر للعمالة الماهرة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يساعد العمالة على تحسين الأوضاع، والحصول على الوظائف ذات الأجور المرتفعة، الأمر الذي قد يؤدي إلى المزيد من القوى العاملة ذات الإنتاجية العالية.

ومن شأن سوق العمالة القوي مع الأجور الأكثر قوة أن يساعد الشباب على تكوين الأسر ويمنح العائلات الصغيرة أساسا اقتصاديا راسخا – وهو من قبيل الأنباء السارة لمجتمعاتهم ومستقبل أطفالهم. ومع تزايد رسوخ النقص في العمالة بدلا من النقص في رؤوس الأموال ضمن الاقتصاد الأميركي، قد يمكن حينها تغيير السياسات الضريبية بغية جذب المزيد من العمالة إلى القوى العاملة وزيادة معدلات مشاركة القوى العاملة في اقتصاد البلاد.

وإن كان يُنظر إلى «وول ستريت» باعتباره سوق العمل المخصص لأصحاب الياقات البيضاء مثل مهن المحاماة والطب، بدلا من كونه سبيلا نحو الثراء الفاحش أو امتلاك إحدى الفرق الرياضية، قد يسعى الشباب للبحث عن مسار مختلف للشهرة والوضعية الاجتماعية المرموقة.

كان هناك حديث متصل، على مدى السنوات القليلة الماضية، حول توافد الشباب على وادي السيليكون بدلا من الذهاب إلى «وول ستريت»، ولكن وبمرور الوقت، قد تفقد التكنولوجيا وعالمها هذا الرونق والجاذبية الأخاذة. (لا بد ولا محالة من نزع المركزية عنها في كل الأحوال، وذلك لعدم إمكانية سداد ما يكفي من الأجور لكل من يعيشون في وادي السيليكون الأكثر تكلفة من أي وقت مضى).

كذلك فإن قيادة البلاد السياسية أصبحت قديمة بصورة نسبية، وهي في حاجة للاستبدال خلال السنوات القليلة المقبلة، ولذلك قد يجد عدد أكبر من الشباب أن المناصب السياسية المنتخبة هي أكثر جاذبية من أية مهنة أخرى في القطاع المالي أو التكنولوجي في البلاد.

وخلاصة القول تشير إلى أن البيئة السيئة في «وول ستريت» تعني الأنباء السارة للعمالة وللمجتمع ككل. كل ما عليك فعله هو النظر باهتمام لما وراء العائد المذكور في محفظتك المالية لكي تتبين الآفاق والأجواء في الأمام.

كونور سين.