هوس «بيتكوين».

«يجب أن تمنع (بيتكوين) وأن يجرّم استخدامها»، لعل هذا التعليق هو أقسى ما قيل بحق العملة الرقمية، وهو ما قاله جوزيف سيتجليتز الحائز على جائزة نوبل، والذي أضاف بأن عامل الجذب الرئيسي لـ«بيتكوين» هو إمكانية استخدامها لأهداف غير مشروعة وبأنها لا تعود على المجتمع بأي فائدة. أما روبرت شيلز، الحائز أيضا على جائزة نوبل بأبحاثه المتعلقة بالفقاعات الاقتصادية، فقد فسر إقبال المستثمرين على هذه العملة الرقمية بالرغبة بالبعد عن سيطرة الحكومات وهيمنة القوانين. وعلى الرغم من أن هذه العملة الرقمية ليست حديثة نسبيا، حيث إنها تُتداول مما يقارب السبعة أعوام، إلا أن الحديث عنها زاد بشكل مكثف مؤخرا من قبل الاقتصاديين وكبار المستثمرين الماليين. فما الذي اختلف مؤخرا حتى يتم التركيز عليها بهذا الشكل؟
لعل أكبر مفسر لتسليط الأضواء مؤخرا على الـ«بيتكوين» هو التغير غير المتوقع في أسعار العملة الرقمية، فقد تذبذبت أسعار «بيتكوين» بشكل حاد وقاربت هذا الاسبوع على بعض منصات التداول ال 20 الف دولار. وهي ذات العملة التي رأى الاقتصاديون بالمبالغة في سعرها منتصف عام 2013 حين بلغت قيمتها 100 دولار فقط!! وفي هذه السنة فقط، وحين بلغت أعلى أسعارها، فقد زاد سعر «بيتكوين» بما يقارب 1000 في المائة وهي التي بدأت هذا العام بقيمة تقارب 800 دولار. وبهذه النسبة فإن «بيتكوين» تعد أعلى الموجودات في العالم من ناحية نسبة النمو. وهو ما دفع المشككين بالتعليق بعدم منطقية سعرها.
وعلى رغم من هذه الزيادة الجنونية في أسعارها، فإن المؤيدين لها يرون أن ما يحدث هو أمر طبيعي وبأن هذه الزيادة وهذا التذبذب يجب حدوثهما حتى تصل العملة إلى قيمتها الحقيقية.
ويرى الكثير من المشككين أن ما يحدث في «بيتكوين» هو عبارة عن فقاعة اقتصادية قد تنفجر في أي وقت، ويشبهها الكثير منهم بحالتين لفقاعتين اقتصاديتين، الأولى هي «جنون التوليب»، والثانية هي فقاعة «دوت كوم». وتعود قصة «جنون التوليب» إلى القرن السابع عشر الميلادي، حيث انتشر بين عموم الناس هوس زهرة التوليب والتي استوردها الهولنديون من العثمانيين. وعم بين الناس حينها أن التجارة بزهرة التوليب تورد مكاسب خيالية. فبدأ الناس بزراعتها بكثافة، وبدأ الناس يبيعون بصيلات زهورهم بعقود بالآجل وبأسعار فلكية، حتى بلغ سعر زهرة التوليب ما يعادل عشر أضعاف متوسط أجر العامل والبالغ 150 «فلورينة» (العملة آنذاك). وبدأ الناس بمداولة هذه العقود الآجلة، حتى قيل حينها إن المتداول الجيد قد يحصل على ما يقارب 60 ألف فلورينة شهريا. وفي فبراير (شباط) عام 1637 ميلادي، بدأ الطلب على هذه الزهرة بالانخفاض، مما أدى إلى حالة من الذعر بين المتداولين وبيعهم للعقود الآجلة بشكل جماعي مما سبب انهيارا لسعر الزهرة بشكل مفاجئ، وبالتالي انفجار فقاعة التوليب. وتعد هذه الحالة أول حالة مسجلة تاريخيا لفقاعة اقتصادية.
ولعل المثال الأقرب وقتيا للفقاعات الاقتصادية هو ما حدث نهاية التسعينات في سوق نيويورك المالي بما يعرف بأزمة «دوت كوم». حيث زادت القيمة السوقية لشركات التقنية أضعاف عائداتها المالية، وتمكنت هذه الشركات الناشئة من الحصول على مبالغ مالية عالية من خلال طرح أسهمها للاكتتاب العام، وعاد السبب في زيادة القيمة السوقية لهذه الشركات إلى إيمان المستثمرين بأن المستقبل للشركات التقنية، تماما كما يؤمن المستثمرون اليوم بأن المستقبل للعملات الرقمية. وعلى الرغم من إدراك المستثمرين بانعدام المنطقية في أسعار أسهم الشركات آنذاك، إلا أن الأسعار استمرت بالارتفاع حتى وصلت إلى القمة عام 2000. وحينها انهارت السوق بشكل مفاجئ مما سبب خسائر فادحة للمستثمرين آنذاك.
المؤيدون لـ«بيتكوين» يرون أنها قطار ماض لا يأبه بانتقاد الناقدين، وبأن ذات المنتقدين من أصحاب المؤسسات المالية قد ينصحون عملاءهم بالاستثمار بشكل أو بآخر في «بيتكوين» متجاهلين معدل الخطر الذي يحذرون منه. هم يرون أن المستقبل الرقمي يحتاج لعملة مرنة لا تقف عند حدود القوانين الحكومية وسيطرة البنوك المركزية. ومع زيادة إيمانهم بمستقبل العملات الرقمية، تزيد القيمة السوقية لهذه العملات. ولا يخفى على أحد أن هذا الإيمان هو الدافع الرئيسي لهذه الزيادة، وكما عبر أحد كبار الماليين فإن سعر العملة قد يصل إلى 40 ألف دولار مستقبلا، إلا أن هذا السعر ليس مبررا على الإطلاق، كما هو الآن بالضبط. وفي حال اهتزت هذه الثقة بالعملة الرقمية، فإن فقاعة «التوليب» ستعود مجددا عليها، ويهوي قطار العملة الرقمية إلى هاوية لا يعرف قاعها.

د. عبدالله الردادي.