«بريكست»… البيروقراطية تُفشل الديمقراطية

يتفهم الجميع السبب الذي جعل فكرة إعادة الاستفتاء التاريخي، الذي أجرته المملكة المتحدة على خروجها أو بقائها ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي، التي انتهت بفوز أنصار الخروج بنتيجة 52 في المائة مقابل 48 في المائة، جعلها فكرة مغرية لأنصار معسكر الخروج. لنفكر فقط فيما حدث منذ المفاوضات المثيرة التي جرت مع الاتحاد الأوروبي، والاقتراع الذي أظهر قدراً كبيراً من الندم على «بريكست» (الخروج من الاتحاد الأوروبي) نتيجة لما يعانيه الاقتصاد البريطاني جراء ذلك التصويت.
فقد رفض الحزبان السياسيان الرئيسيان الفكرة (وإن كان وزير الخزينة العامة جون ماكدونيل رفض استبعاد ذلك في مقابلة تلفزيونية مع وكالة أنباء «بلومبيرغ» الأسبوع الحالي)، لكن ذلك لم يمنع المدافعين عنها داخل البلاد أو حتى في أوروبا من مواصلة السير في الاتجاه نفسه. وقد جرى جمع توقيعات مؤخراً في حملات عدة لإعادة الاستفتاء تمكنت أكبرها من جمع نحو 130 ألف توقيع منذ سبتمبر (أيلول) الماضي. وفي حديثه الأربعاء الماضي، أشار مانفريد ويبر، زعيم أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي وحليف المستشارة أنجيلا ميركل، إلى تنامي الميل العام داخل بريطانيا لإجراء استفتاء جديد. وكذلك، دعا رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وآخرون في مناسبات كثيرة إلى إعادة الاستفتاء.
والأسبوع الحالي، نشر عضو البرلمان الويلزي عن حزب العمل، غرينت ديفيز، مشروع قانون يمنح المصوتين الخيار لقبول أو رفض الاتفاق النهائي الذي ستبرمه المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي. ومنح البرلمان نفسه خياراً مماثلاً مساء الأربعاء الماضي، يجبر الحكومة على تسليمه النسخة النهائية لاتفاق «بريكست» لمراجعتها وتدقيقها قبل اتخاذ قرار الخروج من الاتحاد، بيد أن ذلك لن يرضي البقية المصممة على أجراء الاستفتاء الثاني. لكن الطعن في هذا الاتجاه لن يكون مقنعاً؛ إذ إن النقاش لأسبوع واحد سيعني أن المصوتين قد تعرضوا للكذب في حملة الخروج من الاتحاد الماضية. لكن علينا أن نعترف بأنه كان هناك قدر من السخف وادعاءات التضليل خلال الحملة، مثل الادعاء، على سبيل المثال، بأن بريطانيا ستجني مكاسب فورية بمجرد أن تتوقف عن سداد رسوم العضوية للاتحاد الأوروبي، ناهيك عن عدم إبلاغ المصوتين بأن بريطانيا ستخرج من السوق الموحدة أيضاً. لكن لو أن تلك الديمقراطيات أعادت عملية التصويت استناداً إلى مزاعم خادعة في دعايتها السياسية، فلن تتحسن الأحوال.
لكن الجدل الأكثر إقناعاً يستند إلى حقيقة أن المصوتين على استفتاء «بريكست» كانوا يعقدون المقارنة بين كمية محددة (عضوية الاتحاد الأوروبي) وكمية غير محددة (الحياة خارج الاتحاد). في الحقيقة، لم يكن أمامهم أداة يقيسون بها تبعات الطلاق، واستناداً إلى هذا المنطق، ينبغي أن يحصل البريطانيون على الفرصة للتصويت مرة أخرى بمجرد أن تستقر العلاقات التجارية بين حكومة المملكة المتحدة ومفاوضي الاتحاد الأوروبي، وحينها سيستطيع المواطنون الحكم على النتيجة بعقلانية. ويقول دافيس، عضو برلمان ويلز الذي ينادي بإجراء استفتاء جديد: إن السؤال الذي يجب طرحه للناخبين هو: هل تؤيد مقترح الحكومة بشأن صفقة خروج المملكة المتحدة وجبل طارق من الاتحاد الأوروبي، أم تفضل بقاء المملكة المتحدة عضواً في الاتحاد الأوروبي؟

ويمكن حينها للمصوتين الإجابة بإما أنهم «يؤيدون مقترح الحكومة للخروج» أو «يؤيدون البقاء عضواً في الاتحاد الأوروبي».
تبدو هذه الصيغة مباشرة، لكنها ليست كذلك في الحقيقة. فإحدى المشكلات القائمة هي الوقت. فالمملكة المتحدة، قانونياً، ستترك الاتحاد الأوروبي في 29 مارس (آذار) 2019. والكثير من الخبراء (وليس جميعهم بالضرورة) يقولون: إن المادة 50 التي تعطي بريطانيا الحق في إخطار الاتحاد برغبتها في الخروج يمكن إبطالها قبل تنفيذ عملية الانسحاب من الاتحاد. ولذلك؛ إن أرادت المملكة المتحدة التراجع عن «بريكست» من خلال الاستفتاء الثاني، فيجب إجراء هذا الاستفتاء قبل مارس 2019.
تعتبر الدول الديمقراطية ذات البرلمانات حاذقة في المماطلة؛ ولذلك فإن التقيد بهذا الموعد سيعد عملاً بطولياً؛ إذ إن الاستفتاءات تتطلب تشريعات وقد يستغرق الانتهاء منها عاماً كاملاً. ويعني هذا أنه في الشهور الأخيرة، سيتعين على البرلمان الموافقة على الاستفتاء، وكذلك على صيغة السؤال وعلى الشكل وعلى غيرها من التفاصيل.
لكن ذلك أمر لا يمكن تصديقه، فحزب العمال الذي يمثل الكثير من جماهير الناخبين المؤيدة للخروج من الاتحاد الأوروبي، يقف رسمياً ضد إجراء استفتاء ثانٍ (رغم أنه يرغب في الإبقاء على علاقة مع وثيقة مع الاتحاد الأوروبي).
تقف الحكومة المحافظة التي تتفاوض بشأن الخروج من الاتحاد موقف المعارض. ومن الصعب تخيل الظروف التي يمكن من خلالها إجراء للاستفتاء الثاني الحصول على الموافقة البرلمانية الكافية لتحقيق ذلك في المستقبل القريب.
فبحلول عام 2019، ستزداد مهمة إبطال «بريكست» صعوبة. وبعد أن تخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، سيتعين عليها التقدم للانضمام إليه مجددا؛ مما يتطلب مفاوضات طويلة مرة أخرى، وسيجد الناخبون أنفسهم في الوضع نفسه الذي كانوا فيه قبل الاستفتاء الأول؛ وسيصبحون مطالبين بالإدلاء برأيهم في الانضمام مجددا من دون معرفة الشروط.
وحتى التفكير في المناخ السياسي الذي سيتيح التصويت ليس بالأمر الهين؛ إذ إن فرص دخول بريطانيا مرة أخرى بالشروط نفسها ستكون ضئيلة.