العملات التشفيرية: فقّاعة أم اختراع سيغير وجه العالم؟

اخْترعت «البتكوين» Bitcoin (أكثر العملات التشفيرية انتشاراً) من قبل شخص أو مجموعة من الأشخاص غير معروفين، تحت اسم ساتوشي انكاماتو، وسجل الاختراع في 2008، ثم أطلق للاستعمال كبرمجيات مفتوحة المصدر في 2009. واستخدمت العملة للمرة الأولى في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ذاته. ويتم التعامل بالـ «بتكوين» بين البائعين والمشترين مباشرة ومن دون أي وسيط وبطريقة غير مركزية لأنها تعمل من دون سلطة مركزية (بنك مركزي) أو إدارة واحدة. وتحقق في صدقية المعاملات شبكة متقاطعة يتم تسجيلها في دفتر عام يوزع إلكترونياً على المستخدمين كافة، يسمى سلسلة الكتل. وكان الهدف من اختراعها أن تعمل كعملة، ويشار إليها عادةً بأسماء مثل: عملة رقمية أو افتراضية أو تشفيرية أو إلكترونية.

ومنذ شباط (فبراير) 2015، وافق أكثر من 100.000 من رجال الأعمال على قبول مدفوعات بالـ «بتكوين». كما يمكن الاحتفاظ بها كاستثمار يحقق للمستثمر ربحاً عندما ترتفع أسعارها. وبموجب بحث نشرته جامعة كمبريدج البريطانية في 2017، هناك ما بين 2.9 و5.8 مليون مستخدم لمحافظ عملات مشفرة يأتي في مقدمها الـ «بتكوين».

والسؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: هل إن «البتكوين» عملة أم لا؟ لا زال الموضوع محل نقاش لم يحسم بعد. ونشرت مجلة «الإيكونومست» البريطانية في كانون الثاني (يناير) 2015 إن «البتكوين» تتمتع بثلاث ميزات إيجابية هي: صعوبة الحصول عليها ومحدودية عرضها وسهولة التحقق من صدقية المعاملات التي تتم فيها. وإذا كان تعريف العملة الطبيعية (العملات الورقية والمعدنية المتعارف عليها) بأنها مخزن للقيمة وواسطة للتبادل ووحدة حساب، فإن «البتكوين» تتمتع بكل هذه المعايير.

وتعتبر «البتكوين» في الجوهر كهرباء محوَّلة إلى سلاسل طويلة من التعليمات البرمجية لها قيمة العملة. ويتم التعامل بها من خلال تحويل للقيمة من محفظة «بتكوين» تعود لأحد المستخدمين إلى محفظة «بتكوين» أخرى. وتحتفظ كل محفظة بمعلومة سرية أو مفتاح يستعمل لتوقيع المعاملة كدليل على إن مصدر المعاملة هو صاحب المحفظة وليس شخصاً آخر. وتتميز معاملات «البتكوين» بكلفتها المنخفضة قياساً بمعاملات العملة الطبيعية.

وفي وقت تعتبر طريقة إصدار عملة طبيعية معروفة، فإن السؤال المهم هنا هو كيف يتم إصدار «البتكوين»؟

بعد إصدار الكمية الأولى من هذه العملة من قبل الجهة التي اخترعتها ووضعتها في التداول في 2009، يتم إصدار عملات «بتكوين» جديدة بحسابات رياضية مضنية يطلق عليها اسم «التعدين» أي الاستخراج من المنجم. وكل مستخدم للعملة يمكن أن يكون عامل منجم ويقوم بعملية «التعدين» إذا كان يمتلك المعرفة التي تمكنه من ذلك. وإذا نجح «عامل المنجم» في أداء مهمته وسبق غيره فيها يحصل على عدد من عملات «البتكوين» كمكافأة له على جهده ويعتبر كأنه سك نقوداً جديدة. ولكن التعدين هنا يختلف عن معناه المعروف. ويقصد به تدقيق auditing، وعامل المنجم هنا هو المدقق الذي يقوم بالتحقق من صدقية المعاملات التي أجراها المستخدمون لعملة «البتكوين» حتى يبقوا نزيهين في معاملاتهم ويتجنبوا الإنفاق المزدوج Double spending. ولكن ليس كل من يقوم بعملية التدقيق يحصل على مكافآت وإنما يشترط أن يكون المدقق هو أول من يتوصل إلى اكتشاف الخطأ. ومن دون التدقيق يمكن الاستمرار بتداول «البتكوين» ولكن لا يكون هناك «بتكوين» إضافية. ووفقاً للبروتوكول الخاص بـ «البتكوين»، فإن عددها سيتوقف على 21 مليون وحدة.

فهل هي فقاعة ستنتهي أم اختراع عبقري سيغير وجه التعاملات في المستقبل؟

هناك انقسام في الرأي بين الخبراء والدول والمؤسسات المالية حول الموضوع. فبعدما كانت شركة «أمازون» على حافة قبول عملات تشفيرية كمدفوعات لمنتجاتها، عاد مسؤول فيها إلى النفي وقال إن الشركة ليست لديها أية خطة لقبول العملات المشفرة لأنه لا يوجد طلب كافٍ عليها. وعلى مستوى الدول أغلقت الصين في أيلول (سبتمبر) الماضي تحويلات «البتكوين»، ما تسبب بانخفاض سعرها 40 في المئة. كما رفض البنك المركزي الهندي اعتبارها عملة قانونية تستخدم في تسديد الديون وكذلك اعتبر البنك المركزي البرتغالي ان «البتكوين» ليست عملة بالنسبة إليه. وعلى مستوى الأفراد صرّح الاقتصادي الأميركي الذي توقع الأزمة المالية لعام 2008، بأن «البتكوين» ليست وسيلة دفع جدية وليست طريقة جيدة لخزن رأس المال، ولا توجد أسباب جوهرية لارتفاع أسعارها إلى مستويات عالية كما يحدث حالياً، وإنما هناك فقاعة مضاربات عملاقة هي التي ترفع سعرها. وبسبب عدم الإفصاح عن هوية الأشخاص المتعاملين بها، تستخدم في شكل خاص من قبل المجرمين للتغطية على أعمالهم غير المشروعة.

مقابل هذه المواقف السلبية أعلنت «سي أم أي»، وهي أكبر مجموعة على مستوى العالم تتعامل بأنواع المشتقات المالية وتعرض النطاق الأوسع من العقود الآجلة والخيارات، إنها ستوجد سعراً آجلاً للبتكوين في الربع الرابع من السنة الحالية، وعزت Forbes Now الارتفاع المتسارع في سعر «البتكوين»  إلى مجموعة من التطورات الإيجابية، في مقدمها تسريع الإجراءات الحكومية في الولايات المتحدة واليابان لحماية أسواق هذه العملات من أية مناورات وتحديد عروض العملات الجديدة، وتغير سلوك شارع المال «وول ستريت» في الولايات المتحدة تجاه «البتكوين» إذ أصبحت صناديق التحوط تبدي ارتياحها للعملات التشفيرية. وأخيراً رخص العملة الطبيعية بسبب انخفاض أسعار الفائدة، ما زاد الرغبة في العملات التشفيرية.

واعتبر رئيس مجلس إدارة «البنك التجاري الدولي» وهو أكبر بنك خاص في مصر، أن العملات الافتراضية ستغير وجه العالم في المستقبل عندما تتطور تكنولوجيا سلسلة الكتل الخاصة بها.

وفي رأيي كاقتصادية ذات خلفية صيرفة مركزية، لا شك في أن العملات التشفيرية ومنها «البتكوين» اختراع عبقري ولكن بعد مرور ثماني سنوات على إطلاقه لم يحدث تغيرات مهمة لا كعملة ولا كاستثمار. كما أن التقلبات الحادة في أسعاره من دون أسباب وجيهة تجعل منه استثماراً محفوفاً بالأخطار وأقرب ما يكون للمقامرة منه للاستثمار. ولكن إذا اقتنعت الدول في المستقبل بتبني العملات التشفيرية كعملة قانونية، فإن فيها الكثير من الميزات التي تقضي على المشاكل التي تعاني منها العملات الطبيعية المتعارف عليها الآن، ومنها تزوير العملة وتهريبها وغسل الأموال والاكتناز والسيطرة على التضخم وتقليص الكلف المرتبطة بتحويل العملة. ولكن من المستبعد أن يحصل هذا التحول في المستقبل القريب.

ذكاء مخلص الخالدي

كاتبة متخصصة بالشؤون الاقتصادية