«خمسة نجوم» الإيطالية على درب «بريكست»

دائماً ما يروق لـ«حركة خمسة نجوم» الإيطالية التي في طريقها نحو حصد أكبر عدد من الأصوات خلال انتخابات العام المقبل، رسم صورتها على أنها حزب الشفافية والأمانة، على النقيض من الانتهازية التي لطالما سيطرت على جل القوى السياسية التي تشكل التيار الرئيسي. إلا أنه فيما يتعلق بعضوية إيطاليا في منطقة اليورو، تبدي «حركة خمسة نجوم» السلوك المتهور ذاته الذي تنتقد خصومها من أجله.
كانت الحركة قد أعلنت منذ أمد طويل أنها ستعقد استفتاء عاماً حول ما إذا كان ينبغي لإيطاليا الاستمرار في المشاركة في العملة الأوروبية الموحدة. إلا أن سياسيي الحركة رفضوا باستمرار توضيح كيف سيأتي تصويتهم خلال مثل هذا الاستفتاء. وقد أسفر ذلك عن بعض النتائج الغريبة؛ منذ أسبوعين، رفضت لورا كاستيلي، عضو البرلمان عن «حركة خمسة نجوم»، الإفصاح عما إذا كانت تؤيد انسحاب إيطاليا من الاتحاد الأوروبي، لأن الأصوات التي يدلي بها أعضاء البرلمان تغلفها السرية. بعد ذلك، أضافت أنها لا تدري بعد كيف سيكون تصويتها على مثل هذا الأمر.
من ناحيته، لمح زعيم «حركة خمسة نجوم» لويغي دي مايو، إلى أنه سيؤيد خيار الخروج من الاتحاد حال إجراء استفتاء حول الأمر. إلا أنه سرعان ما تراجع عن تصريحه هذا، قائلاً إن مثل هذا الاستفتاء يبقى احتمالية بعيدة، نظراً لأنه يتوقع تأييد باقي أعضاء منطقة اليورو لسلسلة من الإصلاحات في الاتحاد النقدي، الأمر الذي قد يخدم المصالح الإيطالية. إلا أنه لم يحدد طبيعة الإصلاحات التي يتحدث عنها، ولا كيف تنوي «حركة خمسة نجوم» حال تشكيلها الحكومة التعامل مع الأمر لضمان إقرار مثل هذه الإصلاحات المنشودة. ومن جديد، تمثل الانطباع العام في وجود حالة من الغموض تكتنف مواقف الحركة تجاه المسألة الأوروبية بوجه عام.
ومن المنظورين القانوني والاقتصادي، يبدو هذا التوجه ساذجاً للغاية، ذلك أن الدستور الإيطالي ينص على أنه من غير القانوني عقد استفتاء عام حول معاهدة دولية، بما في ذلك «معاهدة ماستريخت» التي تأسس بمقتضاها الاتحاد النقدي. وحتى حال عقد استفتاء، فمن المحتمل للغاية أن يثير حالة من الفزع تدفع الأفراد للتكالب على سحب مدخراتهم من البنوك، بجانب موجة من تدفقات رؤوس الأموال إلى خارج البلاد. والمؤكد أنه في مثل هذه الظروف سيسعى المستثمرون إلى إخراج أموالهم من البلاد خشية تغيير قيمة العملة إلى الليرة الأرخص.
من جانبها، ينبغي أن تدعم «حركة خمسة نجوم» عقد استفتاء؛ فقط إذا كان لديها استعداد حقيقي لإدارة مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي. الواضح أن هذا ليس الوضع حالياً، ذلك أن هذا الحزب لم تسبق له قط المشاركة في الحكومة، ويفتقر إلى برنامج متناغم للتعامل مع الصدمة الاقتصادية التي سيخلقهامثل هذا الاستفتاء.

الواضح أن «حركة خمسة نجوم» تمارس ألعاباً سياسية؛ إذ تبعاً لأحدث دراسة مسحية صادرة عن «يورو باروميتر»، فإن 45 في المائة فقط من المشاركين من داخل إيطاليا أعربوا عن اعتقادهم بأن العملة الموحدة أتت بنتائج طيبة على البلاد، بينما قال 40 في المائة إن العملة الموحدة كانت فكرة سيئة. بالنسبة لمنطقة اليورو بشكل عام، تبلغ النسبة المؤيدة للعملة الموحدة 64 في المائة مقابل 25 في المائة. وعبر التزام نهج غامض على نحو متعمد، يحاول دي مايو اجتذاب أصوات كلا المعسكرين من الناخبين.
وربما يؤتي هذا الأسلوب نتائج إيجابية على المدى القصير؛ على ما يبدو، فإن «حركة خمسة نجوم» تشكل الحزب الأكبر خلال الانتخابات العامة المرتقبة في إيطاليا. ونظراً لأن القانون الانتخابي الإيطالي يفضل التحالفات على الأحزاب الفردية، في الوقت الذي تبدي فيه «حركة خمسة نجوم» ترددها إزاء الدخول في تحالف، فإن هذا ربما لا يكون كافياً بالنسبة لها كي تشكل الحكومة.
وحال تحقق الاحتمالية البعيدة وشكل الحزب الحكومة، فإن تناقضات موقفه إزاء «اليورو» ستظهر واضحة أمام العيان. وحينها، سيتعين على دي مايو مواجهة فوضى مالية عارمة بمجرد توليه زمام المسؤولية.
وللتعرف على ما قد تبدو عليه الحال، لا يتعين على «حركة خمسة نجوم» سوى النظر إلى «بريكست» في بريطانيا، لتدرك أن الفوز بتصويت ليس بالأمر الجيد إذا لم تكن مستعداً لتنفيذ ما تعهدت به.