الإصلاحات المقترحة لمنطقة اليورو دون المستوى

كان من شأن الانهيارات المصرفية الكبرى التي شهدتها السنوات الأخيرة خلق ضغوط نحو إقرار إصلاحات لتعزيز جهود الوقاية من الأزمات، ومنح السلطات التنظيمية والمصارف أدوات للتعامل مع الأزمات حال وقوعها.
ومن الممكن أن تكون مجموعة من الإجراءات المشابهة مفيدة في التعامل مع الأزمات السيادية، بمعنى الحالات التي تستنزف الحكومات الأموال والاعتمادات المتاحة لديها. بيد أنه للأسف الشديد جاءت مقترحات المفوضية الأوروبية الأخيرة لتحديث نظام إدارة الأزمات السيادية داخل منطقة اليورو، دون المستوى المأمول.
من أجل تقليص احتمالات وقوع أزمة مصرفية، فرضت الإصلاحات الأخيرة على المصارف زيادة متطلباتها المرتبطة برأس المال خلال فترات التوسع الاقتصادي، ما يمكّنها من تحمل التراجع خلال فترات الانكماش أو الركود. من ناحيتها، بمقدور الحكومات الاستفادة من اعتماد توجه يسير عكس اتجاه الدورة الاقتصادية، أيضاً.
في الواقع، لا بأس في وجود سياسات مثل «ميثاق النمو والاستقرار» داخل الاتحاد الأوروبي الذي يحد من العجوزات والديون الحكومية، لكن بدلاً عن فرض حدود عامة، ينبغي أن تتنوع هذه الحدود تبعاً للظروف الاقتصادية، ما يسمح بمستويات أعلى خلال فترات الركود، لكن مع توفير حماية أعلى خلال فترات الرخاء.
وبمقدور الاتحاد الأوروبي كذلك التشجيع على استخدام السندات المرتبطة بإجمالي الناتج المحلي الصادرة عن الحكومات الوطنية، حيث تتنوع مدفوعات الديون عكسياً مع النمو. ويعكس ذلك الاستخدام الإجباري حالياً لقواعد الإنقاذ المالي على مستوى المصارف.
الملاحظ أن مشكلات إعادة تمويل الديون المستحقة داخل الأسواق المضطربة غالباً ما شكلت سبباً وراء الأزمات المصرفية والسيادية. وتحد اتفاقية «بازل 3» المبرمة حديثاً من هذه المخاطر أمام المصارف عبر فرض «معدل تمويل صافٍ مستقر» يقلّص قدرة المصارف على تقديم قروض طويلة الأجل من تمويلات قصيرة الأجل.
وبالمثل، فإن تمديد أجل استحقاق الديون السيادية، بحيث يجري تقليص الحاجة إلى إعادة التمويل في أي عام إلى ما لا يزيد على 10 في المائة، مثلاً، من قيمة الدين من إجمالي الناتج المحلي، سيساعد في الحيلولة دون وقوع أزمات سيادية. الملاحظ أن الاستحقاق قصير الأجل عن الديون السيادية وضع إيطاليا وإسبانيا في مواجهة مخاطرة أكبر فيما يخص إعادة التمويل خلال الأزمة الأخيرة، بينما تمكنت المملكة المتحدة، بما تتمتع به من أطول فترة متوسط استحقاق للسندات السيادية، من تجاوز تلك الفترة على نحو أفضل كثيراً.
ومثلما أن البنوك مطالَبة في الوقت الحالي بإجراء اختبارات ضغط لميزانياتها، فإنه يتعين خضوع الاقتصاديات الوطنية لاختبارات ضغط لضمان جعل عوامل المخاطرة أكثر شفافية، وربما يمهد ذلك الطريق أمام صنع سياسات أكثر مسؤولية. كما ينبغي استغلال مثل هذه الاختبارات في تشجيع الحكومات على وضع خطط طوارئ على غرار تلك التي أصبحت ضرورية في جميع المصارف الكبرى الآن. على سبيل المثال، يمكن أن يُطلب من الحكومات إعلان قائمة النفقات التي ستقلصها والضرائب التي ستجمعها للخروج من أزمتها المالي إذا اقتضت الضرورة ذلك.
وبغض النظر عن مدى الروعة التي قد تظهر بها سياسات الوقاية من الأزمات على الورق، فإن ثمة أموراً غير متوقعة قد تحدث. وبمجرد ظهور مشكلات في طريق بنك ما، يصبح التحدي الأكبر كيفية احتواء الأزمة ووقف امتداد العدوى عبر دائرة أوسع واستعادة الثقة (خطوات يطلَق عليها تخفيف حدة الأزمة). وتتسم مسألة توفير سيولة بسرعة وفي وقت مناسب عنصراً محورياً للتغلب على الأزمات السيادية أيضاً. جدير بالذكر أن التردد إزاء توفير مثل هذه السيولة للدول ذات السيادة تَسبَّب في تعميق أزمة اليورو ولعب دوراً في نقل العدوى من اليونان إلى اقتصاديات أخرى داخل منطقة اليورو.
من جهته، قدم البنك المركزي الأوروبي دعماً كبيراً في صورة سيولة نقدية لعدد من البنوك خلال تلك الأزمة. كما سمح لمصارف الاتحاد الأوروبي بإصدار أكثر عن 600 مليار يورو (712 مليار دولار) في صورة سندات تضمنها الحكومات. وبالمثل، فإن صندوق النقد الأوروبي المقترح من جانب المفوضية ينبغي أن يوفر ضمانات للسندات السيادية، مع توافر إمكانية تقديم صندوق النقد الدولي دعماً في صورة سيولة للدول ذات السيادة إذا اقتضت الحاجة.
ومن شأن ذلك تسريع وتيرة عملية تقديم العون للدول ذات السيادة التي تعاني مشكلات، مع السماح في الوقت ذاته لبناء برنامج أوسع للدعم. ويمكن للسندات السيادية المضمونة من جانب صندوق النقد الأوروبي، إذا لزم الأمر، التمتع بمعاملة تمييزية على غرار ما تتمتع به التمويلات الموجهة إلى المؤسسات في ظل إجراءات تمويل الإفلاس تبعاً للقانون الأميركي. حتى الآن، لا يتوافر هذا الأمر على أرض الواقع.
بطبيعة الحال، ستُمنى جهود تخفيف وطأة الأزمة بالإخفاق في بعض الأحيان. وينبغي التنويه هنا بأن غياب إطار عمل موثوق به، عندما حدث ذلك أسهم في تحويل مسألة انهيار «ليمان» إلى أزمة مالية عالمية وأجبرت الحكومة الأميركية على التدخل لإنقاذ عشرات البنوك.
وينطبق الأمر ذاته على اليونان، التي أدى غياب إطار عمل للتعامل مع مشكلة الديون السيادية لديها إلى انتقال العدوى إلى منطقة اليورو بأكملها.
والمؤكد أن الاتحاد الأوروبي سيكون على درجة خطيرة من الحماقة، إذا ما تجاهل السبل التي يمكن من خلالها تعلم الدروس المستفادة من الانهيارات المصرفية في الماضي، واستغلالها في الوقاية من وتخفيف وطأة الأزمات السيادية وتسويتها نهاية الأمر. والواضح هنا أن المقترحات الحالية لا ترقى إلى المستوى المطلوب لتحقيق ذلك.