خيارات المصارف المركزية باتت ضئيلة

حذّر بنك التسويات الدولية (BIS) في مراجعته المالية الفصلية من الاوضاع السائدة في ظل مستويات ديون مرتفعة جدًا وانتعاش غير مسبوق في أسعار الاصول، معتبراً ان هذه الفترة قد تكون شبيهة الى حد بعيد بالأيام التي سبقت

أزمة العام ٢٠٠٨.

يضمّ بنك التسويات الدولية، والمعروف بأنه بنك البنوك، ٦٠ عضوًا ويهدف الى مساعدة المصارف المركزية في تأمين الاستقرار النقدي والمالي. وقد يكون البنك احدى المنظمات القليلة التي حذّرت المستثمرين من الرهون المحفوفة بالمخاطر والتي أدّت في نهاية المطاف الى الأزمة المالية العالمية.

وتأكيدًا على ذلك قال كبير الاقتصاديين في المنظمة آنذاك وليم وايت، والذي اصبح رئيس لجنة المراجعة في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، ان التقارير تفيد بأنه خلال العام الماضي بلغ مستوى الديون العالمية ارقاما قياسية مع معدلات فوائد منخفضة. واكد ان الوضع المالي اسوأ بكثير منه في العام ٢٠٠٧.

وقد يكون السؤال ما هي خيارات المصارف المركزية العالمية اذا ما تردّت الاحوال سوى اللجؤ مجددًا الى سياسات نقدية غير تقليدية. وللعلم، بدأت المصارف العالمية في الاقتصادات المتقدمة انهاء برامج شراء الاصول وهذا ما فعلته اميركا منذ العام ٢٠١٤، وما يفكر المركزي الاوروبي بانهائه في العام ٢٠١٨ (فقط البنك المركزي الياباني والبنك الوطني السويسري ما زالا يحتفظان بسياسات نقدية غير تقليدية) بينما مصارف اخرى مثل بنك انكلترا يحاول رفع اسعار الفوائد، كذلك اوحى بنك كندا وبنك استراليا. لكن جميع هذه المصارف عليها ادخال سياسات نقدية غير تقليدية عند حدوث اية أزمة مالية.

جدير بالذكر ان الاحتياطي الفدرالي، والذي نجح الى حد بعيد في عملية الخروج من هكذا سياسات نقدية غير تقليدية، قد لا يستطيع رفع فوائده في المطلق وبنسب عالية تتجاوز الـ ٣ بالمائة.

لذلك قد تكون خيارات المصارف المركزية قليلة ولكل خيار حسناته وسيئاته:

١- يمكن للمصارف المركزية العودة الى السياسات النقدية غير التقليدية عن طريق شراء سندات حكومية طويلة الاجل او الاصول الخاصة لزيادة السيولة وتشجيع الاقراض. لكن قد يعرض ذلك ميزانيات المصارف المركزية ولن تكون العملية خالية من المخاطر.

٢- يمكن للمصارف المركزية العودة الى سياسات الفوائد السلبية كما فعل البنك المركزي الاوروبي وبنك اليابان بالاضافة الى تخفيف القيود على الائتمان انما ذلك يفرض تكاليف على المدخرين والمصارف وبالتأكيد سوف ينعكس سلبًا على الزبائن.

٣- يمكن للمصارف المركزية ان تغير هدفها الحالي اي الوصول الى معدل تضخم ٢ بالمائة وتستبدله بنسبة ٤ بالمائة. وهذا الخيار موضوع استكشاف من قبل مجلس الاحتياطي الفدرالي والبنوك المركزية الاخرى وبصورة غير رسمية، سيما وانه يؤدي الى زيادة اسعار الفوائد في وضعية التوازن الى ٥ و ٦ بالمائة. وهذا الامر يثير الجدل سيما وان المصارف المركزية حاليًا وفي جميع انحاء العالم تكافح لتحقيق معدل تضخم بنسبة الـ ٢ بالمائة.

والخيار الاخير للمصارف المركزية هو تخفيض الرقم المستهدف لمعدل التضخم في ٢ بالمائة الى صفر بالمائة ومن شأن ذلك تخفيف الحاجة الى سياسات نقدية غير تقليدية وهذا ما نصح به بنك التسويات الدولية.

هذه الامور قد تواجهها المصارف المركزية في الدول المتقدمة رغم انه وفي الوقت الحاضر وبالنسبة لتوقعات العام ٢٠١٨ تبدو الامور ميسرة الامر الذي دفع بالاحتياطي الفيديرالي الى رفع اسعار الفوائد في جلسته الاخيرة وتبعه بنك الشعبي الصيني وسط موجة تفاؤلية من قبل المركزي الاوروبي وتحضيرات لانها عملية التسيير الكمي، لكن ماريو دراغي رئيس البنك المركزي الاوروبي رفض تحديد الموعد.

هذا ووفقًا لاحدث بحث قام به «دويتش بنك» قد تكون اهم الاسباب لأزمة مالية جديدة محتملة هي الصين وايطاليا والاختلالات في التجارة العالمية وارتفاع الشعوبية، اضف الى ذلك مجالات النظام المالي العالمي ويشمل التقييمات في العديد من فئات الاصول وحجم ميزانيات البنوك المركزية ومستويات الديون العالية والمستويات المنخفضة جدًا لاسعار الفوائد.

ودائمًا حسب دراسة «دويتش بنك» ثمة امور تجعل من توقعاتهم اقرب الى الحقيقة سيما الاسترخاء الكبير للمصارف المركزية ومنهم الفدرالي الاميركي والمركزي الاوروبي وبنك انكلترا والذين قلّصوا برامج التيسير الكمي بكميات هائلة، واعتبرها «دويتش» «رحلة في المجهول» خصوصًا مع ارتفاع اسعار العديد من الاصول. كذلك التضخم المحبط رغم مستوى التحفيز الهائل الذي قامت به المصارف المركزية.

أضف الى ذلك، وضعية ايطاليا مع نسب دين كبيرة وضعف في النظام المصرفي واقتصاد غير صحي وهي امور تجعل من المحتمل كثيرًا ان تكون نقاط ضعف اساسية.

كذلك هناك الاختلالات العالمية والتي ما زالت مرتفعة والمتأتية من التجارة، وهذا يعني ان بعض البلدان لديها فائض في الحساب التجاري، وبعضها لديها عجز، بما يعني زيادة في الاستثمارات على المدخرات مما يجعلهم في وضع دقيق بالنسبة لتدفقات رؤوس المال، ويعني بالتالي ان صانعي السياسة المحلية اقل سيطرة على اقتصاداتهم.

ويلحظ الدويتش بنك في بحثه ايضًا هذه الفترة حيث اسعار الاصول العالمية مرتفعة جدًا وقد تكون الاعلى اجمالًا في التاريخ. مما قد يسبّب زعزعة في استقرار النظام المالي والاقتصاد العالمي.

كل هذه الامور تجعل من الصعب ايجاد حل مسبق لأزمة محتملة في ظل غياب الخيارات امام المصارف المركزية العالمية سيما في الدول المتقدمة. لذلك وحسب روبيني استاذ الاقتصاد في NYU يجب عدم استبعاد العودة الى عملية التيسير الكمي سيما وان نقاط الضعف ما تزال على حالها مع فوائد منخفضة جدًا ومحاولات غير ناجحة للخروج من هكذا عملية خصوصا في اوروبا واليابان.

أخيراً، الأمر الأكيد ان الاسواق لا تزال غير مستقرة، والعملية الاقتصادية غير مكتملة والظروف الراهنة غير مؤاتية بما يعني ان العودة الى سنوات الأزمة محتمل وغير مستبعد.

بروفسور غريتا صعب