تواجه الأسواق العالمية لحظة اختبار حقيقية، بعدما تكسّر الهدوء الذي رافق صعود أسهم التكنولوجيا لفترات طويلة على وقع موجة بيع حادة أعادت إلى الأذهان مخاوف “فقاعة جديدة” في وول ستريت. ومع تراجع مؤشرات الأسهم الأميركية وتزايد الحديث عن التقييمات المبالغ فيها، يفرض سؤال جوهري نفسه: هل باتت رهانات المستثمرين على أسهم “السبعة الكبار” أكبر من أن تُحتمل؟
يأتي هذا التحول في نبرة السوق في وقت تداخلت فيه العوامل المالية والاقتصادية والسياسية بطريقة معقدة؛ من اضطراب بيانات العمل وتراجع ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة، إلى الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخها، وصولاً إلى القلق المتصاعد من حجم الإنفاق على سباق الذكاء الاصطناعي الذي بات يستنزف موازنات الشركات الكبرى. وفي الخلفية، تواصل أسهم التكنولوجيا قيادة المشهد، صعودًا وهبوطًا، تاركةً الأسواق رهينة مزاج المستثمرين وتقلباتهم.
“الوقت حان للمستثمرين لتقليص انكشافهم على أسهم السبعة الرائعة Magnificent Seven، وتنويع محافظهم الاستثمارية بشكل أكبر”.. هذا ما يؤكده كبير الاقتصاديين في شركة Apollo Global Management، تورستن سلُيك، في التصريحات التي نقلتها عنه CNBC الأسبوع الماضي في ظل التراجعات التي شهدتها الأسهم العالمية.
سلطت تداولات الأسبوع الماضي الضوء بشكل واضح على تجذر المخاوف المتعلقة بالتقييمات المرتفعة لأسهم شركات التكنولوجيا المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي، وهي المخاوف التي كانت محركاً لموجة البيع التي شهدتها الأسواق العالمية في الأسبوع الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، بعد فترات ممتدة من الصعود القوي لأسهم التكنولوجيا.
في الولايات المتحدة، قادت أسهم التكنولوجيا الخسائر، حيث سجّل مؤشر ناسداك المركب -الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا- أكبر خسارة أسبوعية منذ أبريل/نيسان(منذ تعرفات “يوم التحرير” التي فرضها الرئيس دونالد ترامب) الماضي متراجعاً بنحو 3%
وتراجع مؤشر S&P 500 الأوسع نطاقاً بنسبة 1.63%، بينما خسر مؤشر داو جونز الصناعي نحو 1.2% خلال الأسبوع الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، مع تزايد الضغوط على أسهم الشركات الكبرى مثل “إنفيديا” و”مايكروسوفت” و”ميتا”.
وبحسب مسح أجرته صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن الشركات الأميركية المرتبطة بشكل مباشر بطفرة الذكاء الاصطناعي خسرت ما يقرب من تريليون دولار من قيمتها السوقية في أسبوع.
عبّرت تلك الخسائر عن حجم مخاوف الأسواق بشأن “فقاعة جديدة” على غرار فقاعة “الدوت كوم”، فيما حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يبعث برسائل إيجابية للأسواق مؤكداً أنه لا يخشى من فقاعة محتملة.
مناخ مضطرب
أمام هذا المناخ المضطرب، ترتفع أصوات الخبراء محذّرة من الانكشاف المفرط على مجموعة الشركات الأكثر تأثيراً في السوق الأميركية؛ فبعد مكاسب ضخمة استمرت على مدى عام كامل تقريبًا، بدأت علامات التوتر تظهر في سلوك المستثمرين وفي حركة الأسعار، لتعيد طرح السؤال الأوسع: هل آن الأوان لإعادة تقييم الرهانات على “السبعة الكبار” وتنويع المحافظ؟
تعليقاً على ذلك، يقول الرئيس التنفيذي لشركة “إيكونوميك إندكس أسوشيتس”، روبرت آر. جونسون لـ CNBCعربية: “من الحكمة بالنسبة للمستثمرين أن يقلّصوا تعرضهم لأسهم السبعة الكبار”، مشيراً إلى أنه “يمكن وصف الوضع الحالي لأسهم تلك الشركات بأنها مُسعّرة على نحو مثالي تماماً.. ومن منظور الاستثمار القائم على القيمة، لا يوجد أي هامش أمان عند شراء هذه الأسهم عند المستويات الفلكية التي تتداول عندها حالياً”.
جونسون، وهو استاذ في كلية هايدر لإدارة الأعمال بجامعة كريتون، يلفت إلى أن “السبعة الكبار” يتداولون عند علاوة سعرية تبلغ نحو 100% مقارنة بسوق هو أساساً مرتفع التقييم (..).
وحقق “السبعة الكبار” منذ بداية العام مكاسب 24.88%، بينما لم يحقق مؤشر S&P 500 بدون هذه الأسهم سوى 13.86%.
ويحذر جونسون المستثمرين من أن “نمو هذه الأسهم سيتراجع، إلا أن توقيت ذلك غير واضح”، مشدداً على أن “السردية التي تقف خلف هذه التقييمات المرتفعة لأسهم السبعة الكبار ترتكز على الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيغيّر طريقة حياتنا.
لكنه يرى أنه رغم التأثير الهائل للذكاء الاصطناعي إلا أنه ليس متأكدا من أن الاستثمار المباشر فيه سيعود بالفائدة على المستثمرين “ولا أعتقد بأن المستثمر العادي يستطيع تحديد الشركات التي ستفوز في “سباق الذكاء الاصطناعي”.
خيبة أمل
وعند هذه المستويات من التقييم، لا يرى جونسون أن الذكاء الاصطناعي يمثل استثماراً جيداً؛ فالمستثمرون في الابتكار غالباً ما يصابون بخيبة أمل. ويمكن النظر إلى مثال صناعة السيارات، التي تعد، ربما، أهم اختراع في القرن الماضي. ففي بدايات القرن العشرين، كان هناك ألفا شركة سيارات. ولو كان لدى أحدهم “كرة بلورية” تكشف مدى اعتماد العالم لاحقاً على السيارات، لكان قد استثمر فيها بكثافة. لكن، كما يشرح وارن بافيت، فإنه من بين تلك الألفي شركة، لم يبقَ بحلول التسعينيات سوى ثلاث شركات فقط، وكل واحدة منها مرت في وقت ما بسعر أقل من القيمة الدفترية.
وبالرغم من تأثير السيارات الهائل على المجتمع، لم يحصل المستثمرون على المكافأة التي كانوا يتوقعونها. وينطبق الأمر ذاته على صناعة الطيران المدني: ابتكار ضخم، لكنه استثمار سيء، كما يرى.
وتتصاعد الشكوك حول قدرة الشركات على تغطية نفقاتها على تطوير الذكاء الاصطناعي. بعد أن أعلنت أربع مجموعات تقنية، هي ألفابت وأمازون وميتا وغوغل، الأسبوع الماضي عن إنفاق رأسمالي إجمالي قدره 112 مليار دولار في الربع الثالث. بينما في الوقت نفسه، يقترض القطاع مئات المليارات لتمويل توسعه في مجال الذكاء الاصطناعي.
إنفيديا في الصدارة
من جانبه، يقول مدير الاستثمار في S&J Private Equity، شانكا غاياسينا، لـ CNBC عربية: “يعتمد تقليص الاستثمارات في أسهم Mag 7 على نوع الاستثمار نفسه، فإذا كان المستثمر قصير الأجل يسعى لتحقيق أفضل عائد قبل نهاية العام، فقد يكون الأمر مثيراً للقلق نظراً لإغلاق الحكومة، ورغبة الاحتياطي الفدرالي في خفض أسعار الفائدة استناداً إلى مصادر بيانات بديلة، وعدم قدرة أي جهة على تحديد نسبة السعر إلى الربحية المناسبة للذكاء الاصطناعي. من ناحية أخرى، إذا كان المستثمر لديه أفق زمني يتراوح بين 3 و5 سنوات، فمن المرجح أن يحصل على أسهم مثل إنفيديا Nvidia التي تحقق أرباحاً أعلى من اليوم.
ويضيف: لكل شركة من شركات Mag 7 تحدياتها الخاصة، والشركة الوحيدة التي أرى أنها تتمتع بميزة واضحة وإمكانات أكبر للتوسع دون التضحية بأي من أعمالها الحالية هي إنفيديا Nvidia. أما الشركات الأخرى، فتواجه تحديات مختلفة، مثل Apple مع هواتف iPhone – فبناءً على تطور الذكاء الاصطناعي، سنكون على الأرجح أقرب إلى الأجهزة الذكية القابلة للارتداء منه إلى iPhone في غضون بضع سنوات.. فهل ستكون Apple رائدة في هذا التوجه، وبالتالي ستحافظ على حصتها السوقية في سوق الأجهزة؟
وفي سياق متصل، لدى ألفابت استراتيجية جديدة كلياً مع جيميني. ولدى أمازون منافسٌ هو علي بابا. أيضاً لدى تسلا منافسون صينيون (..) وهل تستطيع ميتا استقطاب جميع مواهبها الجديدة في مجال الذكاء الاصطناعي لإنشاء منتج ذكاء اصطناعي رائد؟ هل تسمح الثقافة الحالية داخل الشركة لها بالنمو؟
يقول غاياسينا: “لا تزال هناك أسئلة كثيرة بحاجة إلى إجابة، ومن منظور الذكاء الاصطناعي، ما زلنا في البداية فقط. لذلك، كما هو الحال في كل دورة، سيحدث انخفاض قبل الوصول إلى ذروة أعلى (..)”.
وفي سياق متصل، اصطدمت المخاوف بشأن التقييمات المرتفعة للغاية لمجموعات التكنولوجيا في وادي السيليكون هذا الأسبوع مع علامات الضعف في سوق العمل في الولايات المتحدة وتراجع ثقة المستهلكين في أكبر اقتصاد في العالم.
وانخفض مؤشر ثقة المستهلك لجامعة ميشيغان إلى أدنى مستوى له في ثلاث سنوات في نوفمبر.
كما أن غياب البيانات الاقتصادية الرئيسية الناجم عن أطول إغلاق للحكومة الفدرالية على الإطلاق ، والذي يمتد الآن إلى أكثر من 40 يوماً، يعني أن المستثمرين يشعرون بقلق متزايد من أن سوق العمل ربما ضعفت بشكل كبير منذ أواخر سبتمبر/أيلول.
قلق متصاعد
الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة First Information، فينس ستانزيوني، يقول لـ CNBC عربية: “من المُقلق إلى حدٍّ ما أن يكون لدى مؤشر S&P 500 هذا القدر المرتفع من الانكشاف على أسهم التكنولوجيا؛ إذ تبلغ النسبة الحالية نحو 35% ضمن أسهم السبعة الكبار”.
ويقتبس من رسالة قديمة لوارن بافيت (في العام 2000، قال فيها: “لذا، فإن المشاركين المنتشين جميعًا يخططون لمغادرة الحفل قبل منتصف الليل بثوانٍ. لكن هناك مشكلة: إنهم يرقصون في غرفة لا تحتوي ساعاتها على عقارب.، في إشارة إلى أن توقيت تراجع الزخم غير واضح.
أما كبير الاستراتيجيين في Market Taker Mentoring، دان باساتريلي، فيقول لـ CNBC عربية، إن أسعار الأسهم وقيمها باتت منفصلة عن بعضها، وهذا نتيجة مباشرة لتحولات مجتمعية، لا اقتصادية.
ويفسر ذلك بقوله: المستثمرون الأفراد يشكّلون نسبة أكبر من سوق الأسهم اليوم، كما يشكّلون جزءاً أكبر بكثير من سوق الخيارات، وهو ما يمكن أن يدفع أسعار الأسهم صعودًا أو هبوطًا (نتيجة عمليات التحوّط التي يقوم بها صانعو السوق).
محمد خالد



