يبدو أن الروايات السائدة اليوم، التي تدعم التفاؤل المستمر بشأن الاقتصاد، تندرج تحت ثلاثة عناوين رئيسية. سيسهم الذكاء الاصطناعي بشكل ملموس في تعزيز الإنتاجية وأرباح الشركات؛ وستدفع التخفيضات الضريبية ومبادرات إلغاء القيود التي أقرتها الإدارة في الاتجاه نفسه؛ وبرغم الأحداث الأخيرة، فإن ابتكارات السياسة غير المفيدة التي أقرتها الإدارة ليست سوى ضجيج، وستتبين أنها أقل تأثيراً بكثير مما كان يخشى. بل قد تثبت صحة مثل هذه الروايات.
على أي حال، ستستمر هذه الروايات في دعم الأسواق، إلى أن تتوقف عن ذلك. لطالما كان الوضع كذلك، وعلى المستثمر أن يكون حذراً. يجب التمييز بين تقلبات الأسواق المالية والتراكم البطيء والثابت للتكاليف الناجمة عن السياسات، حتى بافتراض أن الاقتصاد بالمجمل سيستمر في الازدهار.
يبدو لي أنه ليس مرجحاً فحسب بل يكاد يكون مؤكداً، أن كثيراً من جوانب سياسات هذه الإدارة ستعيق الاقتصاد. ستؤدي الرسوم الجمركية، حتى لو كانت أقل حدة مما هددت به في البداية، إلى إعاقة المنافسة وتعزيز عدم الكفاءة. كما أن زيادة الاقتراض العام سترفع أسعار الفائدة طويلة الأجل وتزاحم الاستثمار.
إن الاحتياطي الفيدرالي الذي يفقد الثقة في قدرته على كبح التضخم، سيكون بالتالي أقل نجاحاً في السيطرة عليه، ما سيرفع بدوره أسعار الفائدة طويلة الأجل.
خسائر لن تزول
قد تعوض التطورات التقنية والسياسات الداعمة للنمو، مثل خفض الضرائب أو تخفيف القيود التنظيمية، بل وربما تتجاوز كل هذه السلبيات.
سواء بوجود ترمب أو بغيابه، يظل الاقتصاد الأميركي قوة هائلة. لكن الخسائر الناجمة عن سياسة “أميركا أولاً” لن تزول. فزيادة عدم الاستقرار الجيوسياسي، حتى لو لم تفضِ إلى احتراب بين دول الناتو، ستزيد الأمور سوءاً. أفضل سيناريو هو عدم حدوث انهيار اقتصادي، بالإضافة إلى أداء اقتصادي أسوأ مما كان يمكن تحقيقه لولا ذلك.
من الأمثلة التوضيحية على ذلك المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. هل ثبت خطأ مؤيدي البقاء في الاتحاد الأوروبي لأن الاقتصاد لم يتهاوَ بل استمر في النمو؟ تعتمد بريطانيا على التجارة أكثر بكثير من الولايات المتحدة، لذا فإن الخروج من الاتحاد الأوروبي حقق صدمةً هائلةً.
كان هذا بلا شك اضطراباً من المستوى الذي يشهده عهد ترمب، وجاء بمثابة مفاجأة مذهلة، لا سيما للحكومة.
مع ذلك، لم يحدث انهيار في سوق الأسهم، ولا ركود اقتصادي. بل على العكس، وكما توضح دراسة جديدة، كان هناك أداء ضعيف مزمن. فبحلول العام الماضي، وبناء على بيانات من مجموعة من الدول المقارنة، كان الاستثمار في المملكة المتحدة أقل بنسبة تتراوح بين 12% و18% مما كان متوقعاً، وكان الناتج أقل بنسبة تترواح بين 6% و8%.
يبدو أن هذه الخسائر ستتفاقم في المستقبل. صحيح أنه لم يحدث انهيار مفاجئ، ولا ركود تام، لكن مؤيدي البقاء في الاتحاد الأوروبي كانوا على حق.
بالطبع، قد يحدث انهيار كامل التوصيف بسبب “أميركا أولاً”. ويبدو أن الإدارة الحالية لديها شهية لا تشبع للمخاطرة والزعزعة. إذا كان هناك وقت للاستثمار بحذر، فهذا هو الوقت المناسب. وإن صحّت هذه الرواية يوماً ما فاحذروا.
على أي حال، سواء حدث انهيار أم لا، فإن الوقت لم يحن لإطلاق أحكام بأن سياسات ترمب قد أثبتت صحتها
