قانون الودائع: حقائق تتكشف

إذا كان نموذج السلوك النيابي في خلال مناقشة مشروع قانون موازنة 2026، سينسحب على مشروع “قانون الودائع”، من الأفضل أن يتم سحب هذا المشروع التدميري، وإعادته إلى الأدراج، بانتظار انتهاء استحقاق الانتخابات النيابية. حمّى الانتخابات، ومحاكاة الغرائز على أمل كسب حفنة من الأصوات في صندوق الاقتراع، كانتا نافرتين في الجلسة الأخيرة للهيئة العامة للمجلس النيابي، قبل أن يُقطع البث التلفزيوني المباشر عن القاعة، لتخفيف اندفاعة المزايدات. وحده وزير المال ياسين جابر، كان صوت العقل، وعبّر بغضبه عن عمق الكارثة التي كان يشعر باقترابها إذا ما تمادى النواب، ومن ضمنهم نواب الفريق السياسي الذي ينتمي إليه، في شعبويتهم المفرطة في تلك الجلسة.

في عودة إلى “قانون الودائع”، وبعدما كان الرهان كبيرًا على المجلس النيابي لإصلاح ما أفسده مجلس الوزراء، أصبحنا نخشى أن يزيد النواب في الطين بلة، وبدلًا من تصحيح الاعوجاج، صار التشكيك مبررًا، إذ لم يعد مستبعدًا أن يتعاطى النواب في غالبيتهم، وليس جميعهم طبعًا، بمزاجية المرشح اللاهث وراء الصوت أينما وجد، ومهما كان الثمن المطلوب دفعه. والطامة الكبرى أن المواطن والاقتصاد والبلد من سيدفع الثمن، وليس صاحبنا المشرّع مبدئيًا، و “المصلحجي” فعليًا.

في مواجهة هذا التحدّي المصيري، لا بد من تذكير السادة النواب مرةً بعد، بما ينتظرهم في مشروع القانون الذي سيحطّ على طاولتهم للمناقشة والإقرار.

في المداولات والنقاشات والدراسات التي تجرى في مصرف لبنان، وفي المصارف، وأحيانًا في جلسات مشتركة بين الطرفين، بعيدة من الأضواء، وتجرى بمبادرة من المركزي، تبيّن حتى الآن ما يلي:

أولًا- لا توجد سيولة كافية لتسديد الودائع ما دون الـ 100 ألف دولار، وسيكون هناك عجز في إنجاز هذه العملية التي يُفترض أن تنتهي في 4 سنوات. هذا العجز يسري على عدد كبير من المصارف، كما يسري على البنك المركزي أيضًا. مع الإشارة إلى أن الحسابات والمحاكاة التي أجريت، تمّت على أساس أنه سيتم حسم المبالغ التي تقاضاها المودعون على التعميمين 158 و166، على عكس ما أعلنه رئيس الحكومة ووزير المالية في وقت سابق.

ثانيًا- لن يكون سهلًا تنفيذ مهمة خفض الحجم العام للودائع من 83 مليار دولار إلى 51 مليار دولار. وقد تبيّن أن الاعتماد على معايير دولية لتنفيذ ما يُعرف بشطب الشوائب، لن يكون متيسرًا، خصوصاً ما يتعلّق بالأموال المشبوهة، لأن تلك المعايير، والمُثبتة بقوانين لبنانية، تشمل مسألة التهرّب الضريبي. وسبق لوزارة المالية أن أصدرت بيانات تحذيرية ذكّرت فيها بأن التهرّب الضريبي بات ضمن جرائم التبييض ومكافحة الإرهاب. هذا الواقع، يجعل مهمة تصنيف الودائع المشبوهة معقدًا، لأنه سيشمل بشكل خاص أصحاب المهن الحرة، مثل الأطباء، المحامين، المهندسين، الصيادلة…وبذلك، سيصبح القسم الأكبر من الودائع مشبوهًا، وستنشأ أزمة ومواجهة اجتماعية لا يمكن الجزم بنتائجها.

ثالثًا- حسم المركزي الأمر في موضوع الاحتياطي الالزامي الموجود لديه، وأبلغ المصارف أن هذه الأموال تخصّه، وأنها تقع ضمن مجموع المطلوبات التي تستحق للمصارف لديه. هذا الأمر سيجعل من الصعب، بل من شبه المستحيل أن تتمكّن المصارف من الإيفاء بالمبالغ التي يقترحها مشروع قانون الفجوة كما ورد من الحكومة.

الاستنتاج الأولي لمحاولات التنسيق بين مصرف لبنان والمصارف لاستشفاف الوضع المالي، أن “مشروع الودائع” كما هو غير قابل للتنفيذ. ومن “هون ورايح”، على النواب تصحيح الاعوجاج لتحويله إلى مشروع قابل للتنفيذ. فهل من المنطقي الرهان على النواب في زمن الانتخابات، بعد ما رأيناه في جلسة مناقشة موازنة 2026؟

انطوان فرح