يشهد مؤشر ”ستاندرد أند بورز 500“ تقلبات حادة. تتجاوز الشركات توقعات أرباح السهم بفارق كبير، ويُتوقع أن تحقق نمواً مذهلاً بنسبة 12% خلال موسم الإعلان عن النتائج المالية الحالي. إلا أن نهج البيت الأبيض العشوائي في السياسات، إلى جانب المخاوف بشأن مستقبل صناعة البرمجيات، يساهمان في فتور الحماس تجاه العديد من أسهم النمو التي كانت رائجة في السابق.
ما هي النتيجة؟ يكافح المؤشر لاختراق حاجز 7000 نقطة منذ محاولته الأولى في أكتوبر. ويزداد تذبذبه الجانبي حدة، وكأنه نابض مضغوط (أو ربما قنبلة موقوتة). في المستقبل القريب، يتوقع المزيد من التقلبات المشابهة لتلك التي شهدها المستثمرون هذا الأسبوع، في ظل محاولة هذا التوتر حسم أمره.
في السنة الثانية من رئاسته، عزز دونالد ترمب عادته في إطلاق مفاجآت سياسية مؤثرة على السوق، غالباً عبر تصريحاته على وسائل التواصل الاجتماعي. من بين أمور أخرى قام بها في عام 2026، اعتقل زعيم فنزويلا، وألمح إلى تغيير النظام في إيران، وهدد برفع الرسوم الجمركية ثم تراجع، وهاجم شركات بطاقات الائتمان بسبب أسعار الفائدة، وانتقد المستثمرين المؤسسيين لدورهم في سوق الإسكان العائلي، ووجه تحذيرا لشركات المقاولات الدفاعية التي تعيد شراء أسهمها أو تدفع أرباحاً.
كان بعض هذا متوقعا. ففي المتوسط، يميل العام الثاني من الولاية الرئاسية إلى أن يكون الأسوأ بالنسبة للأسهم الأميركية: فبعد كل الوعود الكبيرة في السنة الأولى، يميل المستثمرون إلى تخفيف تفاؤلهم، إذ قد يصعد الرؤساء في عامهم الثاني، تحت ضغط مساعدة أحزابهم في انتخابات التجديد النصفي، الخطاب الشعبوي.
مبالغات ترمب تتزايد في العام الثاني من ولايته
لكن ترمب بالغ في هذا التوجه. في عام 2018، استغل السنة الثانية من رئاسته الأولى لتصعيد الحرب التجارية مع الصين ومهاجمة الاحتياطي الفيدرالي. وهذا العام، يفعل كل ذلك وأكثر. في غضون ذلك، يثير ترشيح كيفن وارش، المعروف بتشدده في السياسة النقدية والذي تعهد بإحداث تغييرات جذرية كرئيس مستقبلي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، تساؤلات إضافية حول كيفية إدارة البنك المركزي الأميركي لأعماله.
علاوة على ذلك، يتزايد قلق المستثمرين بشأن أسهم شركات البرمجيات. فعلى مدى العقد الماضي، اعتبرت شركات برمجيات المؤسسات القائمة على الاشتراكات مصدراً رئيسياً للأرباح، وكان ينظر إليها في البداية على أنها من المستفيدين المحتملين من ثورة الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى ارتفاع قيمتها السوقية بشكل كبير في نهاية عام 2025.
قد دفعت التطورات الأخيرة المستثمرين إلى التفكير في إمكانية استبدال الذكاء الاصطناعي لبعض منتجات برمجيات المؤسسات، وهي فكرة اكتسبت زخماً بعد إطلاق شركة ”أنثروبيك بي بي سي” (Anthropic PBC) لأداة أتمتة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
على المدى القريب، يصعب إيجاد أي مؤشرات حقيقية وراء هذا التراجع الحاد: ما يزال المحللون يتوقعون نمو أرباح أسهم شركات البرمجيات والخدمات بنحو 13% في عام 2026. لكن هذا لم يمنع المتداولين من خفض مؤشر مجموعة صناعة البرمجيات والخدمات في مؤشر ”ستاندرد آند بورز 500“ بنسبة 20% هذا العام (إذ بلغ الانخفاض الآن 28% عن أعلى مستوى له في أكتوبر).
كيف كان الحال بعد انهيار سابق؟
تذكر سرعة هذا الانهيار بموجات بيع أخرى مدفوعة بتوقعات السوق، بما في ذلك انهيارات السوق الهابطة في البنوك الإقليمية وصناديق الاستثمار العقاري في عام 2023. وبينما تعافت تلك الأسهم منذئذ، إلا أن التوقعات المتشائمة أبقت المستثمرين في حالة ترقب بشأنها طوال معظم العام.
رغم كل ذلك، ما تزال أرباح الشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في نمو. ليس هذا فحسب، بل إن هذا النمو يتسع نطاقه. وتشير التقديرات الإجمالية للمحللين الذين استطلعت ”بلومبرغ“ آراءهم إلى أن أرباح السهم سترتفع بنحو 13% هذا العام. علاوة على ذلك، يُتوقع أن تحقق 10 قطاعات من أصل 11 نمواً في الأرباح خلال هذه الفترة (باستثناء قطاع الطاقة). هذا من شأنه أن يمثل أوسع نمو في الأرباح منذ عام 2021. بعبارة أخرى، لم يعد المؤشر يعتمد كلياً على مجموعة “السبعة الكبار” من أسهم الشركات العملاقة.
على الرغم من أننا نتحدث كثيراً عن “المحطات المهمة” في مؤشر ”ستاندرد آند بورز 500“ مثل 5000 و 6000 و7000 وما شابه، إلا أنه لا يوجد ما يميز هذه الأرقام بشكل خاص. أفضل حجة للاهتمام بها هي أن الآخرين يبدو أنهم يهتمون بها. لكن لا يوجد في السجل التاريخي ما يشير إلى أن ديناميكيات السوق تتغير بشكل ملحوظ حول هذه المستويات. في بيانات يناير 2000، لم ألحظ أي مؤشرات واضحة ومستمرة على تجمعات حول الأرقام الصحيحة.
إذاً، إلى أين نتجه من هنا مع كل هذه الرسائل المتضاربة؟ إذا كان عام 2018 نموذجاً ذهنياً جيداً، فسيتذكر المراقبون أن العام تميز بارتفاعين كبيرين في التقلبات (في فبراير ثم مرة أخرى في ديسمبر)، ولن أتفاجأ إذا رأينا المزيد من ذلك.
مع ذلك، في هذا السياق، بلغ أكبر انخفاض في السوق حوالي 20%، أي قبل دخوله مرحلة السوق الهابطة بقليل، مع استمرار نمو الاقتصاد والأرباح.
في نهاية المطاف، يصعب أن تتفاقم أي موجة بيع طالما بقيت أرباح الشركات سليمة. لكن هذا لا يعني أن تقلبات السنة الثانية من حكم ترمب لا يمكن أن تزداد حدة.
