تملك الولايات المتحدة الأميركية أعمق الأسواق المالية وأكثرها سيولة في العالم، إذ يُعد الدولار الأميركي عملة العالم الأولى. كما تُعتبر سندات الخزانة الأميركية أصل الملاذ الآمن الأبرز. رغم ذلك، ترسخت رواية مفادها أن الوقت قد يكون حان أمام المستثمرين العالميين لـ”بيع أميركا” أو بعبارة أخرى التخلص من الأصول الأميركية.
برزت هذه الفكرة منذ أبريل 2025، حين قلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظام التجارة العالمي رأساً على عقب عبر رسوم “يوم التحرير” الجمركية التي استهدفت عشرات الدول. ثم عادت هذه الرواية إلى الواجهة مطلع يناير الماضي، خلال حملة الرئيس للسيطرة على غرينلاند، وهو ما أثار حفيظة الحلفاء، لا سيما في أوروبا.
أسهمت الأموال الأجنبية في دعم التقييمات المرتفعة للأسهم الأميركية، وفي تمويل العجزين الكبيرين في الموازنة والتجارة. ورغم عدم وجود مؤشرات حالياً على مقاطعة واسعة، فإن تحولاً حتى لو كان معتدلاً في المزاج الاستثماري ستكون له تداعيات كبيرة.
هل يهم إذا لجأ الأجانب لـ”بيع أميركا”؟
باختصار، نعم.
فلطالما استفادت الولايات المتحدة الأميركية مما يُعرف بـ”الميزة الباهظة”، وهي الفرضية القائلة إن ثقة المستثمرين شبه الراسخة في الدولار الأميركي وسندات الخزانة تعني أن العجزين المالي والتجاري الأميركيين سيجري تمويلهما عبر تدفقات رأسمالية أجنبية.
ماذا لو انكسر هذا السحر؟
قد يؤدي بيع الأجانب إلى إضعاف الدولار الأميركي وتقليص حجم رأس المال المتاح للحكومة الأميركية والشركات.
وإذا أصبحت الواردات أكثر كلفة على المستهلكين الأميركيين وارتفعت تكاليف الاقتراض، فهناك خطر الدخول في حلقة مفرغة تجعل العجز الفيدرالي أقل قابلية للاستدامة وتفضي إلى ركود اقتصادي.
قدمت الأسواق لمحة عن ذلك عقب “يوم التحرير”، حين تراجعت الأسهم والسندات والدولار الأميركي، ما أجبر ترمب على التراجع عن بعض تهديداته التجارية.
كان الاضطراب الفوري قصير الأمد نسبياً، ونجا الاقتصاد من أضرار كبيرة. رغم ذلك، تراجع الدولار الأميركي بنحو 10% منذ عودة ترمب إلى السلطة، وهو قريب من أضعف مستوياته منذ 2022، ما يشير إلى أن المستثمرين قلصوا تعرضهم للعملة الأميركية.
ما الذي يقف وراء “بيع أميركا”؟
في جوهرها، تعكس هذه الرواية مخاوف من أن الأصول المقومة بالدولار الأميركي قد تكون أكثر خطورة مما كان يُعتقد سابقاً.
على مدى عقود، ضخ المستثمرون الأجانب أموالاً في الولايات المتحدة الأميركية، انجذاباً إلى عمق أسواق رأس المال والحماية القانونية وشروط الالتزام بالتجارة الحرة واستقرار العملة واستقلال السياسة النقدية والتصنيف الائتماني المتفوق للسندات.
لكن هذه الركائز تحت التهديد الآن سواء كان ذلك التهديد حقيقياً أو مُتصوراً. فبعد إرباك الأسواق، جرى سحب آخر تصنيف ائتماني من الدرجة العليا للولايات المتحدة الأميركية في مايو 2025، عندما قالت وكالة “موديز ريتينغز” إن آفاق العجز على المدى الطويل لم تعد متوافقة مع تصنيف “AAA”. وارتفع العائد على سندات الثلاثين عاماً الأميركية لفترة وجيزة فوق 5% نتيجة لذلك.
كما زادت حملة الرسوم الجمركية التي يقودها ترمب التكاليف وحالة عدم اليقين أمام الشركات متعددة الجنسيات، ما جعل الولايات المتحدة الأميركية وجهة أقل جاذبية للاستثمار.
وأثار الرئيس أيضاً القلق بشأن استقلالية بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في مساعيه لخفض أسعار الفائدة. ويخشى المستثمرون من أن خفض الفائدة من دون مبرر قد يشعل التضخم في الولايات المتحدة ويقوض قيمة الدولار الأميركي.
هل يوجد أحد يبيع؟
يُعد صندوق التقاعد الدنماركي “أكاديميكربنشن” (AkademikerPension) مثالاً على تجسد “بيع أميركا” على أرض الواقع.
فعندما هدد ترمب بالاستيلاء على غرينلاند، تعهد الصندوق بالتخارج من حيازاته من سندات الخزانة الأميركية البالغة 100 مليون دولار، معتبراً الولايات المتحدة الأميركية تمثل مخاطرة ائتمانية.
رغم أن هذا المبلغ يُعد قطرة في محيط سوق سندات الخزانة التي تبلغ قيمتها 30 تريليون دولار، فإن الخطوة تحمل دلالة رمزية. ومؤخراً، قرر أيضاً صندوق التقاعد الهولندي “بي إم إي” (PME) الابتعاد عن الأصول الأميركية بسبب مخاوف من سياسات إدارة ترمب.
قد يكون تراجع الدولار الأميركي وارتفاع أسعار المعادن، اللذان بدآ العام الماضي واستمرا حتى 2026، ناتجين جزئياً عن بحث المستثمرين عن بدائل للأسهم والسندات الأميركية.
وتعهد صندوق “بي إم إي” بالتركيز على قطاع التكنولوجيا الأوروبي. كما تُذكر اليابان، حيث ترتفع أسعار الفائدة، كثيراً كبديل جذاب للولايات المتحدة الأميركية.
توجد اتجاهات سوقية أخرى قد تكون حاضرة أيضاً. من بينها ما يُعرف بتداول “تآكل قيمة العملات”، إذ يتخلى المستثمرون عن العملات التي يخشون أن تُفقد قيمتها بسبب فشل الحكومات في موازنة ميزانياتها، ويتجهون إلى الذهب ومن بعده الفضة بالإضافة إلى بتكوين. وهذا يجعل من الصعب الجزم بما إذا كان الأجانب يبيعون الأصول الأميركية بحد ذاتها.
يرى بعض الخبراء الاستراتيجيين أن السيناريو الأرجح هو لجوء المستثمرين إلى “التحوط من أميركا”. وهو تنويع على الفكرة الأوسع، إذ يواصل المستثمرون شراء الأسهم والسندات الأميركية، لكنهم يشترون أيضاً مشتقات مالية تحمي تلك الاستثمارات من مزيد من تراجع الدولار الأميركي.
وقد يشمل هذا التحوط بيع الدولار الأميركي آجلاً في أسواق الصرف الأجنبي، ما يضغط على العملة في اتجاه الهبوط حتى مع استمرار تدفق الأموال الأجنبية إلى الأوراق المالية الأميركية.
من يملك الأصول الأميركية وهل يمكن استخدامها كسلاح؟
يملك الأجانب نحو 21% من الأوراق المالية الأميركية من حيث القيمة السوقية، وفقاً لبيانات وزارة الخزانة الأميركية لشهر يونيو 2024، وهو أحدث مسح سنوي. ويحتفظون بنحو ثلث ديون الخزانة الأميركية، وحوالي 27% من ديون الشركات، ونحو 18% من الأسهم الأميركية.
وبالنسبة إلى ديون الخزانة، التي تبلغ نحو 30 تريليون دولار، كانت اليابان حتى نوفمبر أكبر حامل أجنبي بنحو 1.2 تريليون دولار، تليها المملكة المتحدة ثم الصين.
وفي ذروة المواجهة بشأن غرينلاند، أُثير احتمال لجوء مديري الأصول في أوروبا إلى “تسليح” رؤوس الأموال، وذلك في مذكرة لبنك “دويتشه بنك”، باعتبارها وسيلة محتملة للرد على تهديدات ترمب. وأسهم ذلك في تأجيج التوترات، ما دفع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى القول إن الرئيس التنفيذي للبنك اتصل لنفي التقرير.
ويستبعد خبراء للغاية أن تستغل الحكومات الأوروبية تلك الحيازات في نزاع اقتصادي مع الولايات المتحدة الأميركية، خاصة وأن معظم الأسهم والسندات الأميركية التي يملكها مستثمرون في منطقة اليورو تعود للقطاع الخاص، وليست الحكومات الوطنية.
لماذا ما يزال “بيع أميركا” أمراً صعباً؟
قد لا يكون من السهل مقاومة الجاذبية الأميركية، فرغم المخاطر الجديدة، فاق نمو أرباح الشركات هناك نظيره في أي منطقة أخرى خلال العقد الماضي.
كما أن أسهم التكنولوجيا الأميركية ذات الأداء المرتفع تفتقر إلى منافسين حقيقيين في الخارج، وتُعد نظمها البيئية الرقمية منصة لا غنى عنها لنصيب متزايد من النشاط الاقتصادي العالمي. ومن المتوقع أن يحول الذكاء الاصطناعي مزيداً من القيمة الاقتصادية إلى وادي السيليكون، ويعزز هيمنته.
على صعيد الديون، قد توفر أستراليا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة عوائد مشابهة، لكن أسواقها أصغر بكثير. أما بدائل الدولار الأميركي، بما في ذلك اليورو بجانب اليوان الصيني، فتواجه مشكلات هيكلية ولن تحل محل العملة الخضراء في أي وقت قريب.
كما أقر رئيس مجلس إدارة صندوق “بي إم إي” ألعى لغريش، فإن الولايات المتحدة الأميركية “تظل اقتصاداً لا يمكن تجاهله، ويمكن تحقيق عوائد إيجابية فيه”.
