مع توافر سيولة نقدية كبيرة مقابل تضاؤل خيارات الاستثمار، أجج مضاربون صينيون موجة صعود في أسعار المعادن العالمية، ما يسلط الضوء على مدى صعوبة توجيه رؤوس الأموال نحو الاقتصاد الحقيقي.
قفزت الأسعار الدولية للمعادن الأساسية والنفيسة، المرتبطة بدرجة كبيرة بالطلب في أكبر مشترٍ في العالم، إلى مستويات قياسية الشهر الماضي. سجل النحاس والذهب والفضة جميعها قمماً تاريخية، وارتفع النشاط في أسواق العقود الآجلة الصينية.
قال دنكان ريغلي، كبير اقتصاديي الصين لدى “بانثيون ماكروإيكونوميكس” (Pantheon Macroeconomics Ltd)، إن “أحجام التداول القصيرة الأجل تشهد قفزات حادة في عقود الفضة والنحاس والألمنيوم والنيكل والقصدير وأسلاك الصلب خلال الأشهر الماضية، ويرجح أن يكون ذلك نتيجة فائض السيولة مع ندرة الخيارات الجذابة في أماكن أخرى”.
السيولة السهلة تضل طريقها في الصين
أسهمت السيولة السهلة في دعم الاقتصاد لسنوات، غير أن بنك الشعب الصيني يجد نفسه مضطراً إلى بذل مزيد من الجهود لدعم نمو بطيء. توسع مقياس المعروض النقدي “M2” بنسبة 8.5% في ديسمبر مقارنة بالعام السابق، وهو معدل أسرع بكثير من الزيادة البالغة 3.9%، التي تعد ضعيفة بالمعايير الصينية، في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المسجلة في الربع الأخير من 2025.
لم يواكب الاستثمار في الأنشطة الأكثر جدوى اقتصادياً، مثل إنفاق التجزئة والإنفاق الرأسمالي، هذا التوسع. شددت الأسر إنفاقها اليومي منذ الجائحة. قدمت البنوك الصينية العام الماضي أقل حجم من القروض الجديدة منذ 2018. سجل الاستثمار في الأصول الثابتة، الذي يشمل المباني والآلات والبنية التحتية، أول انكماش سنوي له على الإطلاق.
قال ريغلي إن “بنك الشعب الصيني لا يستطيع سوى ضمان سيولة كافية للنظام المصرفي، وتوجيه أسعار الفائدة إلى الانخفاض، لكنه لا يستطيع خلق خيارات استثمارية جذابة في الاقتصاد الحقيقي، لذلك يلاحق الناس العوائد في الأسواق المالية”.
تراجعت حدة الارتفاع في أسواق المعادن خلال الأيام الأخيرة، رغم بقاء أسعار بنود رئيسية مثل النحاس والذهب قرب مستويات قياسية.
الاقتصادي الصيني.. أوضاع متدهورة
فاقمت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في الصين الدعوات إلى مزيد من الدعم السياسي، بما في ذلك إجراءات نقدية مثل خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي لدى البنوك أو إجراء تخفيضات مباشرة في أسعار الفائدة. إلا أن “بنك الشعب الصيني” قد يفضل التريث إذا رأى أن السيولة أكثر من كافية وتؤدي إلى فقاعات أصول.
في نهاية المطاف، من شأن ارتفاع أسعار المواد الخام أن يساعد صانعي السياسات الساعين إلى إعادة تنشيط الاقتصاد الصيني.
غير أن الظروف الاقتصادية الراهنة في الصين، من ضعف الاستهلاك والانكماش وفائض الطاقة الإنتاجية الصناعية، لا تدعم موجة الصعود في الأسعار. خفضت المصانع التي تعتمد على المعادن لصناعة الأجهزة والهواتف والسيارات مشترياتها بدلاً من تحمل تكاليف إضافية مرتفعة، ما ترك الطلب الحقيقي راكداً ومنفصلاً عن أسواق العقود الآجلة.
يتجاوز المستثمرون في الأسواق المالية هذه العوامل، ويستجيبون لمبررات طويلة الأجل لحيازة السلع، سواء تمثلت في تآكل قيمة العملات بالنسبة للمعادن النفيسة، أو التحول الأخضر بالنسبة لليثيوم، أو الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي بالنسبة للقصدير. تعاني معادن مثل النحاس والألمنيوم أيضاً نقصاً عالمياً في المعروض، ما يزيد حدة الحمى.
لماذا تفشت مضاربات المعادن في الصين؟
يشكل حجم فائض السيولة جزءاً من المشكلة. يستحق نحو 7 تريليونات دولار من الودائع لأجل المحتفظ بها لدى البنوك الاستحقاق هذا العام، وهي كتلة ضخمة من المدخرات راكمتها الأسر بعد سنوات من أزمة قطاع العقارات وعوائد فاترة من سوق الأسهم.
يتحرر هذا المال في وقت تضيق فيه قائمة الخيارات الاستثمارية الجذابة، ما يتيح فرصة خاصة للمعادن النفيسة كي تتألق.
قال تشاو بنغ شينغ، كبير استراتيجيي الصين لدى “إيه إن زد بنك تشاينا” (ANZ Bank China Co)، إن العقارات، التي كانت الوجهة المفضلة لوضع السيولة، باتت تُنظر إليها الآن كاستثمار خاسر. أضاف أن أسعار الفائدة على الودائع المصرفية ضئيلة، وأسواق الأسهم تتعرض لضغوط من تدخل الدولة، وعوائد السندات منخفضة.
قال شينغ إن “في هذا السياق، يبرز الذهب والفضة كخيارين استثماريين نادرين يقدمان عوائد جذابة”.
قال تومي شيه، رئيس أبحاث واستراتيجية الصين الكبرى لدى “أوفرسي-تشاينيز بانكينغ كورب” (Oversea-Chinese Banking Corp): “في الصين، لا يُعد الذهب مجرد تحوط تجريدي أو بند في محفظة استثمارية. إنه أصل ثقافي، ومخزن للقيمة، وشكل من أشكال مدخرات الأسر. هذا البعد الثقافي يدعم الطلب الصيني على الذهب منذ زمن طويل”.
تضاعف عدد المنتجات المالية المحلية المستثمرة في الذهب أكثر من مرتين خلال عامين ليتجاوز 300 منتج بحلول نهاية 2025، وفقاً لبيانات التسجيل لدى “بورصة شنغهاي للذهب” (Shanghai Gold Exchange).
وبلغت قيمة تلك الحيازات 243 مليار يوان، بزيادة تفوق ثمانية أضعاف، رغم أنها لا تزال ضئيلة مقارنة بالتقدير البالغ 180 تريليون يوان لإجمالي سوق المنتجات المالية في الصين.

