التحليل التقني وسيلة تعامل المستقبل المثلى

التحليل التقني وسيلة تعامل المستقبل المثلى . 27.03.04
 
التحليل التقني ليس اذن هدفا ، بل وسيلة موصلة لهدف . الهدف هو الربح ، التحليل التقني الوسيلة .
الهدف يتحقق ، ان وفق المتعامل في تحديد اللحظة المناسبة لدخوله السوق ، كما في تحديده اللحظة المثالية لخروجه منه . هذه هي قوة التحليل التقني وميزته .
اكتساب هذا العلم لا بد ان يتمّ على مراحل . تبدأ الاولى بالتعرف عليه كمبادئ اساسية عن طريق الاطلاع والتعلّم ، وتتلوها مراحل أخرى لا بدّ فيها من تطبيق المعلومات على السوق من خلال دراسة دقيقة للرسم البياني ، ونقل الدراسة الى صفقات حية ، سواء على برنامج تعامل وهميّ تجريبيّ ، أو على برنامج تعامل حقيقيّ حي ّ .
ان التعرّف على هذا العلم – خاصة باللغة العربية – لا يمكن ان يتمّ عن طريق مناهج أكاديمية تعليمية منتظمة في إطار تعليميّ رسميّ واضح . لذلك لا بد من اللجوء الى المقالات الصادرة في وسائل إعلامية مختلفة ، أو المشاركة في دورات تدريبية تحصل بين الحين والحين عبر الانترنت أو في أماكن مختلفة من الوطن العربي .
 وهنا لا بد من توضيح أمر لكل من شاء الدخول الى هذا العالم : إنه لمن الطبيعي ، ولا بدّ أن يكون واضحا : إن دراسة كتاب ، أو المشاركة في دورة لا يمكن أن يكون عاملا كافيا لتحقيق نجاح في عالم البورصة . إن نحن درسنا مبادئ التعامل بموجب خطوط الدفاع والمقاومة مثلا ، وحدّدنا ماهية هذه الخطوط ، وسبل التعرف عليها ، فلا يمكن أن تكون هذه الخطوة وحدها كافية لتحقيق النجاح ، وإلا فان كلّ من شارك في دورة بدائية مماثلة ، أو قرأ كتابا مشابها ، كان له أن يمتلك السرّ ويحقق الربح . ولو كان ذلك صحيحا أيضا لتمكن كل من تعرّف الى هذه الخطوط ان يكون على حق ، ولكان الجميع على حق ، ولتمكن الجميع من تحقيق الربح ، وهذا هو المستحيل الأكبر في عالم البورصة ، إذ لا بد من أن يقف مقابل كلّ رابح يطرب لربحه ، خاسرا يتحسّر على خسارته .
نعم ، لا بدّ أن يكون في البورصة  متعاملين ناجحين ، وآخرين أقلّ نجاحا ، وغيرهم فاشلين ، وآخرين شديدي الفشل  ، فتستقيم الامور ، وتسير عجلة التعامل ، كما قًدّر لها أن تسير .
وليتمّ هذا ، وتستقيم أمور العمل ، لا بدّ من التعرّف على التحليل التقنيّ كمرحلة أولية  تتلوها مراحل أخرى ، تفوقها في الأهمية ، وتتقدم عليها في الفضل  .
الكتاب يعرّفنا على العدة التي يجب ان نستعملها في عملية التحليل التقني ، كما يطلعنا على قواعد اللعبة المعتمدة لنكون على بيّنة من امرنا . الكتاب موضوعي في ما يقدم ، يثير الإعجاب كوسيلة تعريف وشرح ، ولكنّ تلك المساحة من الحرية اللازمة في مجال التطبيق ، فهو يتجاهلها ويبقى بعيدا عنها .
على سبيل المثال ، يقول لنا الكتاب ، أو يقول لنا الشارح في الدورة : إن وصل المؤشر المعتمد  في التحليل الى حدود الحقل العلويّ فالسوق متخم شراء . ويتوقف الكتاب عند هذا التحديد . وهنا تختلف الآراء ، ففي حين يرى الواحد من المحللين المذكورين ، بناء على هذه المعطيات ، ان السوق  متخم شراء ، ولا بد أن يعرف ارتدادا تنازليا بترند معاكس للذي دفعه إلى الأعلى ، ويسارع إلى اقفال مراكزه أو يفتح إخرى معاكسة ؛ يرى متعامل آخر أن هذه المعطيات التي يعطيها المؤشر المذكور لن تصحّ هذه المرة ، لكون الترند شديد النبض ، خفيف الحركة ، بحيث يصعب عليه الارتداد ، ولا بد من أن يتابع مسيرته التصاعدية ؛ فيحافظ على مراكز الشراء التي يحملها ، أو يفتح مراكز إضافية أيضا .
المحللان قرأا نفس النظرية في الكتاب المشهور، واطلعا على نفس التحديد للمؤشر المذكور ، وتعرفا على نفس الشرح للمبدأ المطروح ، واستوعبا نفس المعلومات ، وأعجبا بنفس المبادئ ، وكوّنا نفس القناعات .  ولكن ، ما ان جاء وقت التطبيق حتى تحول شرح الكتاب ، واستحالت المعرفة المكتسبة ، ترجمة شعورية نفسية داخلية ، عبّر عنها الواحد بما يتناسب مع أمانته لما درس من فصول في كتاب ، أو مع رغبته في جني ما تيسر من مال ، فسعى الى اقفال صفقاته وفتح أخرى معاكسة . وعبّر عنها الآخر بما يتناسب مع ما يجول في نفسه  ويجيش في قلبه ، من مشاعر طمع بآلاف أخرى ، واحاسيس رغبة بربح إضافي ، فسعى إلى المحافظة على صفقاته ، وربما الى دعمها بصفقات اخرى .
المحللان اعتمدا نفس المرجع إذن ، ولكنهما وصلا الى نتيجتين مختلفتين ، فربح واحدهما ، وخسر الآخر .
فهل التحليل التقني هو اذن تحليل موضوعيّ علميّ ، أم تراه تحليل شخصيّ شعوريّ ؟  وما العمل ليجوز التعويل عليه ؟
هذا ما سنتناوله في بحثنا القادم إن شاء الله وأذن .