بائعو التوصيات استنادا الى تحليلات خاصة

2

  –  بائعو التوصيات استنادا الى تحليلات خاصة .    30th January 2005

 
وما أكثرهم !
وما أشق التفريق بين الغثّ والثمين منهم !
وما أصعب من إصدار حكم لهم ، أو عليهم !
كلّهم يتوخون الربح ، كما كلّ واحد في هذا السوق الهائل . فماذا تُراهم يكونون ؟  طهاة مهرة ، أم رماة مكرة ؟
ألاتهامات لهم كثيرة كثيرة ، وقد تختصر في واحدة يرددها الكثيرون : لو كان هؤلاء فعلا طهاة مهرة ، فعلام يلجأون الى بيع توصياتهم ؟ ألا يكفيهم أن يطبقوها بيعا وشراء ، فيحققوا بذلك ثروات طائلة ؟
تهمة سمعتها من أكثر من مصدر ، وفي أكثر من مناسبة ، فلنحاول التأني والتبصروالتدقيق ، ثم نعمد الى إصدار المناسب من الأحكام .
 
في بادئ الأمر ، وقبل كلّ طرح لإشكال ، وقبل كل تعميم لتساؤل ، وقبل كلّ تدقيق بأمر ،  وقبل كل إصدار لحكم ؛ لا يجب الأغراق ، ولا يجوز الغوص في غياهب الشك الذي إن تكاثرت خيوطه بدون رادع علمي منهجي موضوعي ، تحولت الى حبال خشنة تلتف حول أعناقنا وتحوّلنا الى دمى مؤتمرة لكل ما هو ضلال وضياع .  ، إلى ذلك لا يسمح الإنصراف أيضا ، ولا يصحّ الإغراق أيضا في نظرية المؤامرة الغريبة الدائمة التي تحاك ضدنا ، من خصوم نعرفهم حينا ، ونجهلهم أحيانا ، فنحارب ضدهم ،حتى ولو كانت معركتنا ضد طواحين الهواء . الشكّ المتطرف هو مدخل الى سراديب الضلال ، والدخول الى غياهب الضلال خسارة لا منجاة منها ، ولا منقذ من تشعباتها .
 
انا لا اريد ان أتخذ موقفا مسبقا من الأمر قبل الشروع ببحثه ، فيكون مَثلي مَثلُ الطبيب الذي وصف الدواء ، ثم عاد للكشف على المريض وارسال عينات دمه الى المختبر . أنا لا أريد أن أعمل ما أكره ، وأن أسلك مسالك التعصب لرأي في سعي للبحث عن الحقيقة ؛ لكنني لا أخفي سرا إن أنا صرحت بحقيقة تملك عليّ نفسي ، وتشغل كل ذرة في كياني . أنا لا أستطيع أن أرمي الإتهامات جزافا ، أنا أكره الظلم موجها إليّ وأمقته موجها لغيري . فلنسلك دروب الحقّ في بحثنا الدؤوب عن الحقيقة ، ولنا في ذلك من الله العون والتوفيق ، إن هو شاء وأذن .
 
أن يكون بين بائعي التوصيات المنتشرة بين البنوك والمؤسسات والأفراد أناس متطفلين على هذه المهنة ، أو حديثي الوجود فيها ، او أصحاب مصلحة في توجيه القراء من خلال تبليغهم لتوصيات معينة ، لهو أمر من المسلمات الأكيدة التي لا يمكن لصاحب عقل راجح ان ينكر وجوده أو أن يدافع عن نقيضه ، دون أن يكون كلامه موضع شكّ وريبة . إننا نشهد كلّ يوم ، ونتعرف كلّ أسبوع على محلّل جديد  للسوق ، أو مقدم حديث  لخدمة التوصيات أو غيرها ، ثمّ لا يكاد وقت ينقضي ، فنتعرف بطريقة ما على الشخص المذكور ، فنعرف أنّه حديث العهد بهذه المهنة ، وقليل الخبرة فيها ، فهو في الأمس القريب كان لا يزال يسأل عن معاني كلمات من أمثال : ” ترند ”  و ” دفاع ”  و  ” مقاومة ” و ” مؤشر” . وهو في الامس القريب كان لا يزال يستفسر عن الفارق بين كلمتي  ” ترايدر ”  و ” بروكر”  ، وعن الفارق بين هاتين الكلمتين وكلمة  ” ترند “.
نعم يا سادة ، إنّ هؤلاء الأخوة موجودون على كثير من المواقع المستحدثة ، يصولون ويجولون ، يتحفون القراء بنصائح لا تحصى ، يهاجمون من طاب لهم مهاجمتهم ، ويثنون على من طاب لهم الثناء عليه ، وكل ذلك في إطار مصلحتهم الخاصة ، فهم إما قد قرروا ان يصيروا مقدمي مساعدة في الفوركس ، او إنهم قد نظموا أمورهم ، وتمكنوا بكلفة لا تزيد عن الألف من الدولارات ، أن يفتحوا لانفسهم موقعا على الانترنت ، وأن يصيروا مستضيفين لجملة من المهتمين في هذه الأمور . وها هم الآن يتبارون في إصدار الفتاوى ، ويتسابقون في التحريم والتحليل ،  فهذا بنظرهم صليبي متآمر لا يجوز السماع له أو التحدث إليه ، وذاك بنظرهم يصدر توصيات خدمة لبروكر معين وليس مساعدة للمتعاملين ، وذانك برأيهم فاشل عديم الفائدة ، لأنهم لم يسمعوا بعد أن أحدا قد نجح في تحقيق ثروة من توصياته المزعومة .
نعم يا سادة ، إن سيئي السمعة ، حديثي العهد ، قليلي الحظ هؤلاء قد جربوا في بادئ الامر حظهم في التداول وفشلوا  – أقول جربوا حظهم ، وأنا اعني ما اقول ، وما من داخل لهذا المجال تجربة لحظ إلا وقد لاقى الفشل  –  جربوا حظهم ففشلوا ، وها هم يتحولون الآن الى عمل آخر ، ومهنة أخرى ، لقد صاروا صيادي عملاء . إنهم يرمون  شباكهم على كل ماء ، وينصبون فخوخهم على كلّ برّ ، لا همّ لهم  سوى اصطياد عميل  دسم ، ويا للحظّ إن كان العميل غرّا ، كبير الثروة ، كثير المال ، وفير الخير ،  قليل الخبرة ، نادرالتجربة ، لم يفقه الكثير بعد من أسرار هذه المهنة وخفاياها ، فهو سريع في تصديقه ، قليل في سؤاله ، سهل إغراؤه ، متيسر إغواؤه  .
وهذه الفورة المستجدة في نشر المواقع على شبكة النت ، هذا الكمّ الهائل من البائعين والموصين والخادمين ، يستأهل وجودهم حالة من التيقظ والتنبه ، لا أنكر ذلك .
أذكر في هذا المجال رجلا تعرّف على العمل بالفوركس من فترة لا تزيد على السنة ، وهو قد اتصل بي منذ أيام متفاخرا . قال : أنا أملك اليوم أربع مواقع على النت ، وأقدم عليها خدمة الفوركس للمتعاملين . دعائي له : زاده الله من خيره ، وفتح له كنوز الأرض وأبواب المجد .
صاحبنا هذا ، لن يحتاج في حال سقوطه إلى أكثر من إلغاء مواقعه هذه إن اصيب بخيبة ، ثم المبادرة الى فتح مواقع جديدة ، بأسماء جديدة ، وحلية جديدة .
تصل الى مسامعي في كل يوم أخبار مستجدين من الذين ينشرون توصيات على منتديات عربية وأجنبية ، تُطرح علي الأسئلة حول ما اقول فيهم وفي توصياتهم . رأيي واحد : قد يكون بينهم الغثّ ، وقد يكون بينهم الثمين . إن من يفشل بينهم ، لن يكون مضطرا لأكثر من تغيير اسمه ، والاشتراك مجددا بإسم مستحدث ، وإطلاق موجة من التوصيات والتحاليل جديدة ، مجربا لحظه ، ومغامرا على حساب غيره .  
نعم يا سادة ، أمام واقع من هذا النوع لا بد من التحفّظ والتيقظ ، لا بد من التنبه والتفقه ، ولكن حذار من التعميم وإلا بتنا مرضى أوهام تكبّلنا ولا نقدر على الإفلات منها .
وإن نحن عدنا الى صلب موضوعنا ، ودققنا النظر في القول القائل : لو كان بائعو التوصيات طهاة مهرة ، فعلام يبيعون توصياتهم ؟ إن تطبيقها على السوق لكفيل بتوفير الثروة لهم . فماذا ترانا نقول ؟
نقول إنه كلام خطير ، واتهام جائر ، إن هو عُمّم بشكل قطعي .
إذا نحن عممنا القول بأن مقدم التوصيات ، أو بائعها ، لا يرمي من فعلته هذه إلا الكسب  والربح المادي فقط ، فهذا بدء الخطأ ورأس الضلال .
أحبائي !
هل يصحّ أن ننظر الى العتيق المجَرّب الذي حقق نجاحا واضحا في هذا السوق وكوّن خبرة عميقة عبر سنوات طويلة ، هل يصحّ أن ننظر اليه ونحاول الحكم على دوافع تصرفه بعين المبتدئ الباحث عن وسيلة للربح أو الإثراء ؟
هل يصحّ الظن أن نفس الأحاسيس التي تتملك الثاني في تعامله اليومي مع السوق ، هي نفسها وعينها الاحاسيس والدوافع والاهداف التي تملأ وجدان الأول ، فتكوّن مبررات اتصاله بالعالم المحيط به والمتكوّن من متعاملين قديمي العهد او حديثي الدخول في هذا السوق ؟
هل يصحّ الاعتقاد بأن هدف كلّ من نجح في رسم الدرب المؤدي الى النجاح ، وفاز في ترجمة هذا السبيل الى مال تحقق بصورة ربح مادي حقيقي ، هل يصحّ الأعتقاد بأن هدفه مقتصر ، أو يجب أن يكون مقتصرا على تحقيق الربح فقط ؟
 ألا يمكن تصوّر وجود أناس يرغبون في مدّ يد العون لغيرهم من المبتدئين ، لا طمعا باستفادة مادية يحققونها ، بل خضوعا لأنوار شمس أشرقت في نفوسهم ، وتجاوبا مع أحاسيس خير ملأت عليهم قلوبهم ،  فقللت نسبة الأنانية فيها  بقتل سوسة الأنا المسيطرة على النفس البشرية ، وأحلّت محلها رغبة لذيذة  في نشر المعرفة وتعميم العلم وزرع بذور الخير ؟
هل يصحّ الظنّ انّ هذه الفئة من البشر غير موجودة ، لمجرّد كوني أنا ، أو ربما أنت ، أخي القارئ ، غير منتمين لها ؟
أحبائي !
لنعد قليلا الى الوراء ونتبصر في حقائق الامور ، انطلاقا من تساؤلات قد تفتح لفكرنا آفاق علم جديد ، وتزرع فيه بذور قناعات خيّرة .
ماذا لو أنّ أبقراط أو ابن سينا أو غيرهم من آباء الطبّ الاوائل قد قرروا يومها الاحتفاظ بعلمهم لانفسهم ، وحملوا ما حققوه من نجاحات واكتشافات معهم الى القبر ؟
 ماذا لو ان هؤلاء قرروا ألا يختاروا نخبة من المميزين ليكونوا تلامذة لهم يحملون الراية بعدهم ويكملون الطريق ؟  لو أنّ هؤلاء العظماء قرروا الإصغاء الى صوت الأنا دون غيره ، هل كنا لنعيش اليوم ما نعيشه من إنجازات في عالم الطبّ الحديث ؟
ماذا عن بيتاغور وعلومه في الرياضيات ؟ ماذا عن جابر بن حيان ؟ ماذا عن الخوارزمي ؟ ماذا عن مريديهم ومساعديهم وتلامذتهم ؟ ماذا لو أنّ هؤلاء العمالقة قد بخلوا على الانسانية بما علموا ؟
إخواني !
أعذروا تبسطي في ما قد يكون مملا لمن يريد ان يلقى جوابا مختصرا ، جوابي : حذار من الوقوع في فخوخ المدّعين للعلم وهم فيه هواة . هؤلاء كانوا موجودين منذ القدم وسيبقون موجودين الى الازل . هم يعممون ما يعرفون ، ولا يعرفون إلا القليل .
ولكن هل يجوز أن نطلب من كلّ مُصدر لتوصيات ، أو كلّ مُحلل لسوق ، أن يكون قادرا على تحقيق ثروة من توصياته ؟
جوابي على الامر واضح ومختصر : لا يمكن أن نطلب منه ذلك بشكل تعميمي مطلق . قد يستطيع وقد يصطدم بمعوقات تمنعه من ذلك .
ان محلّل السوق قد يكون ناجحا في جمع المعلومات اللازمة لاصدار الحكم الصحيح ، وإصابة الهدف بدقة كاملة ؛ ولكنه لسبب من الاسباب ، نفسيّ أو عصبيّ أو ماديّ ، قد لا يستطيع النجاح في تنفيذ مايراه ، وتحويل علمه ومعرفته وتحليله الى نجاح مادي مترجم بربح مال من صفقات يعقدها بشكل يومي .
 إن محلل السوق هذا قد لا يمكنه وضعه المادي من تأمين المال الكافي للمتاجرة وتحويل علمه الى ربح . ومن أمثال هؤلاء أعرف الكثيرين .
 إن محلل السوق هذا قد لا يمكنه وضعه النفسي من المتاجرة الفعلية ، فهو يعرف ولا يستطيع . ومن أمثال هؤلاء أعرف الكثيرين .
وكما هو الحال في ساحة المعركة ، قد يفشل القائد إن هو تحوّل الى جنديّ  فلا يستطيع تنفيذ الخطة التي كان قد وضعها ، ويستحيل طبعا على الجنديّ أن يضع الخطة اللازمة لتحقيق النصر . هنا ايضا ، لا أشترط على المنفذ ان يكون قادرا على إصابة العمق في التحليل والدراسة كما يستطيعه الخبير المجرّب . ولا أشترط على الخبير المحنّك أن يكون قادرا ، وبكلّ حذاقة ، أن ينفذ كلّ خطة وضعها بنفسه ، كما قد يستطيعه مساعد له ، او تلميذ عنده ، أو متعامل واثق بعلمه ومتلق لرأيه .
والخبير المُحلّل والمُجَرّب ، هل أطلب منه أن يقدم لي كمتعامل ما أراه أنا في السوق ؟
لا طبعا ، هو سيقدم ما يراه هو من أمور .
والخبير المحلل والمُجَرّب ، هل عليّ أن التزم بما يراه بشكل أعمى ، وأنفذ دون اعتراض ؟
هذا يعود لي كمتعامل ، ولنسبة الخبرة التي تكونت عندي ، ولنسبة الثقة التي أوليه إياها . قد أنفذ ما يقول ، وقد أستنير فقط  بما يقول .
والخبير المُحلل والمُجَرّب ، هل أطلب منه أن يقدم لي كمتعامل توصية مصيبة في كل يوم وفي كل ساعة ؟
لا طبعا ، هو سيصيب في آن ، وسيخطئ في آن . المهم أن يصيب في كثير من الأحيان .
إخواني !
إن كلّ هذه الأمثلة التي ورد ذكرها ، إنما هي متواجدة على كل ساحة ، وفي كل بلد ، وفي كل لغة ، ولا يقتصر وجودها على لغتنا العربية أو مواقعنا العربية . بائعو التوصيات ومصدروها ، بينهم الطهاة المهرة ، وبينهم الرماة المكرة ، نرجو الله أن يمنّ علينا كلنا بنعمة البحث والتدقيق ، منجاة من الفخوخ ، ووصولا الى ما تصبو اليه النفس ويتمناه الفؤاد .