الذهب

الذهب… هل الوقت مناسب للشراء؟

بعد سلسلة الارتفاعات غير المسبوقة التي حققتها أسعار الذهب عالمياً الاسبوع الماضي ووصولها الى مستوى 2194.99 دولاراً للأونصة خلال تعاملات يوم الجمعة الماضي، عاد الذهب ليتراجع الى مستوى 2180.75 دولارا للأونصة مطلع الاسبوع. فهل يواصل تألقه في الفترة المقبلة وهل الآن هو الوقت المناسب للشراء؟

كلما زادت اسعار الذهب عالمياً كلما ازداد الحماس للاتجاه نحو شرائه خوفاً من تفويت فرصة استثمار رابحة، فهل يمكن اعتبار انّ الوقت مناسب للشراء خصوصاً في ظل توقعات بمواصلة ارتفاع أسعاره للفترة المقبلة، وما علاقة اسعاره بالتوقعات المرتقبة في خفض مجلس الاحتياطي الفدرالي لأسعار الفائدة في حزيران المقبل؟

في السياق، يؤكد الأمين العام المساعد لاتحاد أسواق المال العربية د. فادي قانصو لـ”الجمهورية” انّ ارتفاعات اسعار الذهب عالمياً كانت متوقعة منذ شهر تشرين الثاني الماضي بعد تصريح رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي جيروم باول عن تراجع معدلات الفوائد اعتباراً من العام 2024، إذ بعدما وصلت معدلات الفوائد الى الذروة في عامَي 2022 و 2023 كان لا بد من الدخول في مسار خفضها. وكما هو معروف فإنّ اسعار الذهب تتبع سياسة الفدرالي وتسير بعكس توجّه الفوائد، إذ كلما ارتفعت معدلات الفوائد كلما خَف الطلب على الذهب والعكس صحيح، لأنّ هذه المادّة لا تدرّ عوائد إنما يتم اللجوء اليها كملاذ آمن في اوقات الأزمات وليس كاستثمار وذلك للتحوّط من التضخم. وعليه، كلما كان هناك توجه لخفض معدلات الفوائد كلما زاد الإقبال على الذهب، وهذا ما يفسّر الارتفاع اللافت في أسعاره عالمياً.

تابع قانصو: بعدما تم إرجاء خفض اسعار الفوائد الذي كان مقرراً اعتباراً من شهر آذار الحالي الى شهر حزيران المقبل زاد الطلب على الذهب، لكن هناك عوامل أخرى ساهمت بذلك، منها الضبابية والمخاوف الجيوسياسية والتوترات الاقليمية والحروب والضبابية في آفاق السياسات النقدية، والتي لا تزال غير واضحة حتى الساعة. على سبيل المثال، يتحدث الفدرالي الاميركي عن خفضٍ لأسعار الفوائد لكنه لم يحدد نسبتها، ولم يعلن متى سيبدأ بهذا االاجراء. كما انه من غير المعلوم كم من عملية خفض ستسجّل في العام الحالي… وعليه، يمكن القول ان كل هذه العوامل مجتمعة دفعت بالذهب الى تحقيق مستويات تاريخية.

أضف الى ذلك انّ من شأن معدلات الفوائد المرتفعة ان تؤدي الى شل العجلة الاقتصادية، لذا تجد المصارف المركزية نفسها اليوم مُجبرة على اعادة خفض معدلات الفوائد اذا ما لاحظت انّ اقتصادها يدخل في مرحلة من الركود والشلل.

ورداً على سؤال، أكد قانصو انه يتوقّع ان تتخطى اسعار الذهب عالمياً في العام 2024 حدود الـ 2300 و 2400 دولار في حال بقيت سياسة الفدرالي نحو خفض معدلات الفوائد، لافتاً الى انّ هذا العامل يتحدد او يتأثر بمدى تراجع اسعار التضخم العالمية لتصل الى مستوياتها المستهدفة والتي يجب ان تتراوح ما بين 2 و 3 %.

تابع: في الوقت الراهن تسجّل معدلات التضخم تراجعاً، وإذا ما تواصَل هذا المسار فإنّ من شأنه ان يشجع المصارف المركزية على السير بقرار خفض الفائدة.

هل من تراجع قريب لأسعار الذهب؟

ولدى سؤاله اذا كان إرجاء خفض معدل الفوائد الى حزيران سيؤدي الى تراجع في اسعار الذهب؟ قال قانصو: عندما تم الاعلان عن ارجاء خفض معدلات الفوائد من شهر آذار الى شهر حزيران لاحظنا تراجعاً في اسعار الذهب من نحو ٢٠٧٠ الى اقل من ٢٠٠٠ دولار للاونصة.

تابع: لا يزال المستثمر اليوم يتجنّب التوجّه نحو المخاطر بسبب غياب الاستقرار، لذا يتمسّك بالذهب الى حين انقشاع رؤية الافاق الاقتصادية، والاوضاع الجيوسياسية في المنطقة والعالم.

وكشف قانصو انه في حال صدر تصريح جديد من الفدرالي الاميركي أعلن فيه انه لن يكون هناك خفض للفوائد في شهر حزيران انما إرجاء لهذه الخطوة، فقد ينخفض سعر الذهب. وفي حال صدرت المؤشرات الماكرواقتصادية الاميركية وجاءت قوية ومتينة ما يدلّ على انها لم تدخل بمرحلة الركود، فهذا سيؤدي الى تأخير عملية خفض الفوائد وبالتالي ستدفع بأسعار الذهب الى التراجع قليلاً.

هل الوقت مناسب لشراء الذهب؟

يؤكد قانصو انّ الذهب لم يكن يوماً أداة استثمار قصيرة الاجل إنما طويلة، بمعنى آخر انّ من يشتري الذهب اليوم لا يجب ان يطمع بتحقيق ارباح او مكاسب بعد شهر او اثنين لأن تقلباته في المدى القصير والمنظور سريعة جدا، فهو ليس اداة استثمار قصيرة الاجل، إذ يجب ان يكون الهدف منه التخزين وتنويع مصادر الدخل. انطلاقاً من ذلك، أكد قانصو ان للذهب مكاسب إنما تظهر على المدى الطويل لأنّ سعره لا يمكن ان يستقر على 2000 دولار حتى 10 سنوات. وقال: ليس من المُستحب شراء الذهب بعد تسجيله ارتفاعات عالية كما حصل الاسبوع الماضي لأنه حُكماً سيخضع لعملية تصحيح قد تخفض سعره.

كما انه من غير المستحب شراء الذهب بأسعاره العالية راهناً اذا كان الشاري يبغي تحقيق ارباح فورية وتسييل الذهب بعد شهر او اثنين، لأنّ الارباح الفعلية قد لا تظهر قبل نهاية العام 2024 اي قبل خفض معدلات الفوائد. كذلك من يشتري الذهب لتحقيق مكاسب على المدى القصير لا يمكنه ان يشتري على المستويات المرتفعة لأنه يعرّض نفسه لمخاطر عالية، والافضل ان ينتظر الى المدى المتوسط. انما من يريد الشراء بهدف التخزين او الاستثمار المتوسّط الاجل فهو لا شك رابح لأن معدلات الفوائد حُكماً ستنخفض.

إحتياطي ذهب لبنان

ومع ارتفاع اسعار الذهب عالميا، تلمع ثروة لبنان من المعدن الاصفر اكثر، واستناداً الى تقارير مجلس الذهب العالمي، فقد حل لبنان في المرتبة 19 في العالم والثانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لجهة إحتياطاته من الذهب، والتي وصلت إلى 286.83 طناً في العام 2023، بما قيمته نحو 18 مليار دولار. فهل يجوز استفادة لبنان من هذه الثروة التي تزداد ؟

يؤكد قانصو انّ قيمة ذهب لبنان محفوظة، ومع ارتفاع اسعار الذهب عالميا قد تصل قيمة احتياطات ذهب لبنان الى 19 مليار دولار او 20 مليار دولار، إنما على الورقة والقلم. ولكن فعلياً نحن لن نستفيد من هذه الثروة، وبعد الازمة المالية التي شهدها لبنان يمكن القول انه كان الخيار الانسب بعدم توظيف هذه الاحتياطات واستثمارها وانها محميّة بقانون. وأكد ان هذه الثروة عنصر هام كونها تؤمن مناعة اقتصادية ومالية للاقتصاد. كما انّ مخزون لبنان من الذهب ممتاز نسبةً الى حجم الاقتصاد الذي يقدّر بنحو 20 مليار دولار بما يوازي قيمة الذهب التي يملكها لبنان.

ايفا ابي حيدر