أرشيف التصنيف: أخبار النفط

هل يُلبي قانون “نوبك” الأهداف الأميركية أم يُزيد التقلبات بأسواق الطاقة؟

 

عبر خطوة أثارت حفيظة الإدارة الأميركية مطلع الشهر الجاري، قررت أوبك+ خفض الإنتاج النفطي بنحو مليوني برميل يومياً.

وبعد القرار الأخير لـ أوبك+، أعلن البيت الأبيض أن إدارة بايدن ستتشاور مع الكونغرس حول الأدوات والسلطات الإضافية لخفض سيطرة أوبك على أسعار الطاقة.

ووصف بايدن القرار بأنه غير ضروري، فيما صرحت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين بأن القرار يضر بالاقتصاد العالمي.

كما فتح القرار باب التكهنات أمام خطوات عديدة قد تلجأ إليها إدارة جو بايدن وفي مقدمتها ورقة “نوبك”، وهو تشريع يمنح القضاء الأميركي الحق في النظر في دعاوى مكافحة الاحتكار ضد منتجي أوبك والحلفاء.

وكانت اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ مررت بالفعل مشروع القانون في مطلع مايو أيار الماضي، ويستهدف ما وُصف بحماية الشركات والمستهلكين في أميركا من ارتفاع أسعار الخام.

وجاءت تلك الخطوة بعد سنوات من الإخفاق في كل مرة تحاول فيها الولايات المتحدة الخروج بهذا القانون إلى النور.

كيف سيعمل قانون نوبك؟

من شأن التشريع أن يسهم في تعديل قانون مكافحة الاحتكار الأميركي لإلغاء ما وصف بـ “الحصانة السيادية” التي تحمي أوبك والحلفاء وشركات النفط الوطنية بالدول الأعضاء من الدعاوى القضائية.

ولذلك فإنه في حالة تمرير القانون، سيحصل المدعي العام الأميركي على خيار مقاضاة التكتل أو أعضائه في محكمة فدرالية.

ورغم ذلك، فإنه من غير الواضح بالضبط كيف يمكن لمحكمة فدرالية أن تنفذ قرارات قضائية لمكافحة الاحتكار ضد دول أجنبية.

كما أن مشروع القانون لا بد له أن يجتاز كل من مجلس الشيوخ والنواب بكامل هيئته، ثم تمريره إلى الرئيس ليصبح قانوناً.

وأشارت ClearView Energy Partners إلى أن “نوبك” في حالة تقديمه إلى مجلس الشيوخ سيحصل على عدد الأصوات التي يحتاجها وهي 60 صوتاً.

لماذا فشلت المحاولات السابقة لتمرير القانون؟

المحاولات السابقة لتمرير “نوبك” باءت بالفشل وسط مقاومة من قبل مؤسسات للصناعات النفطية، بما في ذلك معهد البترول الأميركي.

وكان معهد البترول الأميركي يرى أن القانون قد يضر بمنتجي النفط والغاز في أميركا.

ووفقاً لتصريحات مايك سومرز الرئيس التنفيذي لمعهد البترول الأميركي، فإن “نوبك” سيخلق المزيد من عدم الاستقرار في السوق، كما سيفاقم التحديات الحالية في التجارة الدولية.

وأضاف: مثل هذا التشريع لن يكون مفيداً في أي ظروف سوقية سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

ومن ضمن المخاوف أن القانون قد يؤدي في النهاية إلى إفراط في الإنتاج من جانب أوبك، مما يخفض الأسعار.

ما الذي تغير الآن؟

لكن ما تغير هذا العام هو الغضب المتصاعد داخل الكونغرس بسبب زياد أسعار البنزين التي دفعت التضخم في أميركا لأعلى مستوى في عقود.

كما أن قرار أوبك+ الأخير بزيادة الإنتاج بأكبر وتيرة منذ بداية جائحة كورونا أسهم في زيادة هذا الغضب.

وصرح تشارلز شومر زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي بأن مشروع القانون هو من بين الأدوات التشريعية التي يتم النظر إليها رداً على قرار أوبك+ الأخير.

تداعيات القانون قد تتجاوز أسواق النفط

هناك مخاوف من أن تتجاوز تداعيات القانون سوق النفط، وتمتد إلى أسواق أخرى.

وصرح بعض المحللين بأن نوبك قد يدفع بعض الدول لاتخاذ إجراءات مماثلة ضد الولايات المتحدة بسبب حجب الإنتاج الزراعي لدعم الزراعة المحلية.

كما أن دول أوبك قد ترد بطرق أخرى، إذ هددت السعودية في 2019 ببيع نفطها بعملات أخرى غير الدولار في حالة تمرير القانون، وهي خطوة ستتسبب في تقويض مكانة الدولار كعملة احتياطية رئيسة في العالم وتقلل من نفوذ واشنطن.

وتشير تكهنات أخرى إلى أن السعودية قد تتجه لشراء بعض الأسلحة من دول أخرى غير أميركا مما يضرب تجارة مربحة لمتعاقدي الدفاع الأمريكيين.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمملكة ومنتجي النفط الآخرين تقييد الاستثمارات الأميركية في بلدانهم أو رفع أسعار النفط المباع إلى أميركا، وذلك في وقت تواجه في الولايات المتحدة وحلفاؤها تحديات كبيرة في تأمين إمدادات طاقة موثوقة خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

هل تتحدى أوبك+ مستوردي النفط؟

انشغل العالم في الأيام الأخيرة بقرار منظمة الدول المنتجة للنفط وحلفائها (OPEC+) تخفيض إنتاجها بمقدار مليوني برميل يوميا، حيث صوَّر الكثير من الساسة الأمريكيين والمحللين الغربيين الأمر وكأنه عمل عدائي تجاه أمريكا، أمريكا التي تسعى إدارتها الرئاسية الديمقراطية لتخفيض سعر المحروقات قبيل الإنتخابات النصفية في الشهر القادم، مما يعزز فرص نجاح الحزب في إستمرارية سيطرته على مجلسي النواب والشيوخ.

ذلك يبين أن رد الفعل الأمريكي ليس مدفوعا بمصلحة المستهلكين أساسا كما يُروج له، إنما هو قائم على مصلحة حزب لا تأخذ في الإعتبار ما هو أبعد من الأفق الزمني لانتخابات الشهر القادم، لذا لا نسمع أصواتا بنفس الحدة من الساسة الجمهوريين، أو من المتضرر الأكبر : الأوروبيون.. بإستثناء بريطانيا التي من المعلوم للمطلعين أنها لا تخرج عموما عن الخط الأمريكي الحاكم.

بالعودة لقرار خفض الإنتاج فأثره سيكون أقل من المعلن، إذ تسبب عزوف المؤسسات المالية والمستثمرين في السنوات الأخيرة عن توفير التمويل اللازم لزيادة إنتاج الوقود الأحفوري بدعوى محاربة التغيير المناخي في عدم قدرة الدول والشركات المنتجة المحافظة على مستويات إنتاجها، يضاف إلى ذلك العمليات التخريبية التي طالت بعض الدول المنتجة كالعراق وليبيا، مما نتج عنه تعطيل إنتاج OPEC+ بمقدار مليون برميل يوميا تقريبا، بمعنى أنه وإن جاء القرار بخفض مليوني برميل إلا أن مليون برميل كانت غير متاحة أصلا، وعليه فالقرار لن يخفض الإنتاج سوى بأقل من مليون برميل يوميا فعليا.

كما أن OPEC هي منظمة غير سياسية معنية بشؤون النفط، ففي حين أنه قد ينظر الآخرون إلى النفط كسلاح فهي تنظر إليه كسلعة عالمية أساسية تشكل جزءًا كبيرا من الموارد المالية للدول المنتجة له، وهدفها الأول هو إستقرار أسواق النفط في مستويات سعرية مريحة للمنتجين والمستهلكين، وتجنب التقلبات التي قد تنتج عن أحداث طبيعية أو إقتصادية أو سياسية أو عسكرية أو غيرها، ذلك عبر السعي لإحداث التوازن بين الطلب والعرض من خلال زيادة أو تخفيض الإنتاج الكلي كيفما تطلب الأمر.

وإن نظرنا للمناخ الاقتصادي العالمي فهو متجه نحو مرحلة ركود، إذ مع خروج معدلات التضخم عن السيطرة ووصولها لنسب مكونة من رقمين لم تجد المصارف المركزية بقيادة الفيدرالي الأمريكي بدًا من رفع مستوى الفوائد بشراسة غير مسبوقة، وهذا نتاجه إستقرار معدل التضخم قبل أن يبدأ بالنزول، إلا أن أثره المؤكد أيضا هو إدخال الاقتصاد في الركود وهذا ما بدأ فعلا في الولايات المتحدة والدول الأوروبية الرئيسية، ومع الركود والإغلاقات الكبرى الذي يشهدها الإقتصاد الصيني يأتي التراجع في الطلب على كل شيء.. ومن ضمن ذلك الطلب على النفط.

ويتجلى استشعار OPEC+ بمسؤوليتها تجاه الإقتصاد العالمي في رفعها للإنتاج بعد أن صعدت أسعار سلة خامها لتبلغ 128$ للبرميل في مارس 2022 بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، مما ساهم في إنخفاض سعر البرميل ليصل إلى 84$ للبرميل في سبتمبر 2022، وهو ما يقل عن سعر البرميل قبل اندلاع الحرب الذي كان عند مستوى 90$ في أواخر يناير 2022، لكن ضبابية المشهد الاقتصادي العالمي حاليا والتنبؤ بركود يجمع معظم الدول الصناعية الكبرى يحتمان على المجموعة القيام بإجراءات وقائية إستباقية لإبقاء الأسعار في مستويات مقبولة، خصوصا عندما نعلم أنه بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي فدولة كالسعودية التي مثلت 37٪ من إجمالي إنتاج OPEC في يوليو 2022 بحاجة لأن يكون سعر البرميل 79$ من أجل ألا تدخل موازنتها العامة في عجز مالي.

وهنا نخلص لأن سعر البرميل المريح لمنتجي النفط هو في بحور من 80$ إلى 90$، فهذا مستوى يجنب الدول المنتجة العجز المالي ويمنحها السيولة اللازمة لتنفيذ خططها التنموية الوطنية التي تتوقعها منها شعوبها، كما أنه يمكنها من إجراء الصيانة اللازمة لمنشآتها النفطية التي تضمن استدامة إنتاجها بنفس القدرة والكفاءة مستقبلا.

أما عن إلقاء البعض بمسؤولية إرتفاع إسعار الوقود للمستهلكين في الدول الكبرى على OPEC+ فذلك لا يتعدى كونه ضربا من ضروب الخيال، إذ بيّن مسح أجرته OPEC في هذا العام أن كل دولار يدفعه المستهلك لليتر في محطة البنزين كمتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يتوزع كالتالي: 30٪ للمنتج و21٪ للناقل والمكرر والموزع و49٪ للحكومة المحلية في شكل ضرائب، مما مفاده أن تلك الحكومات لها هامش 49٪ من سعر الليتر يمكنها أن تخفضه بكل يسر من دون أن تستجدي معونة أي طرف آخر، قرارها بيدها وحدها!

الصورة بسيطة وواضحة وليس بها التعقيد الذي يحاول أن يسبغه عليها البعض، الدول المنتجة للنفط تراعي مصالحها وهي بهذا تراعي مصالح العالم الأجمع، أي مصاعب تواجهها ستترجم في نقص مستقبلي في الإنتاج مما سيشكل مصاعب للعالم أجمع، حصافتها في قراراتها يجب أن تكون مشكورة.. لا مذمومة لأسباب خاصة بدولة بعينها أو حزب في أرض ما، هي لا تتدخل لتمكين حزب على آخر، فعل كذلك مخالف لعقيدتها غير السياسية.. بل إنه تدخل مؤثم قانونا في شأن محلي بحت.

ناصر بن حسن الشيخ، إقتصادي إماراتي