أرشيف التصنيف: المقالات العامة

ترمب والعجز التجاري

انتهت رئاسة ترمب، على الأقل هذا ما يبدو ظاهراً حتى هذه اللحظة، إلا إذا حصلت المعجزة وتمكن ترمب من التوصل إلى حل قانوني يشكك في نزاهة الانتخابات، وهو أمر غير محتمل بناء على المعطيات الحالية. ترمب لم يرشح لفترة ثانية، آخر مرة حصل فيها ذلك كان في عهد بوش الأب، الذي خسر أمام المرشح الديمقراطي بيل كلينتون. امتلأت حملة ترمب الانتخابية بوعود على مستويات عدة، سياسية وأمنية وتجارية واقتصادية. ولما جاء وقت الحساب، وجد الناخب الأميركي أن كثيراً من هذه الوعود لم ينفذ، بل على العكس فقد ساء الوضع في بعضها.

أول وعود ترمب كان الملف الأول الذي ابتدأ به، وهو العجز التجاري بين الصين وأميركا. فترمب كان على قناعة أن الصين «تغتصب» الاقتصاد الأميركي على حد تعبيره. وكثرت المفردات الشبيهة في خطاباته، فهي تستغل الولايات المتحدة، وتسرقها، وتستفيد من طلب مستهلكيها. وحين تسلم ترمب كرسي الرئاسة، كان العجز في التبادل التجاري بين البلدين 347 مليار دولار، وفي نهاية 2019. كان هذا العجز قد وصل إلى 345 مليار دولار، أي أنه نقص ملياري دولار فحسب! هذه هي القصة القصيرة للعجز التجاري بين البلدين. والذي من أجله أقيمت حرب اقتصادية شرسة احتوت على تصاريح نارية ومفاوضات طويلة. والمثير بالأمر أن ترمب طالب ناخبيه قبل تسلمه كرسي الرئاسة أن يقيّموه بناء على هذا الرقم عند نهاية فترته الرئاسية. ولكن الأمر لا يتوقف على الفارق بين هذين الرقمين، فالعجز في 2018 وصل إلى 418 ملياراً قبل أن ينخفض في العام الذي يليه 74 ملياراً أي بنسبة 18 في المائة. ذلك أن معظم فترة ترمب كانت في مفاوضات وأخذ ورد بينه وبين الصينيين، الذين حرصوا كل الحرص على أن تطول فترة المفاوضات بينهم وبين الولايات المتحدة، بأمل ألا يتحصل ترمب على فترة رئاسية ثانية، وكان لهم ما أرادوا.

وكان من المتوقع لو تحصّل ترمب على فترة رئاسية ثانية أن يستمر هذا العجز بالانخفاض ليصل إلى 21 في المائة في منتصف 2020. ولكن الجائحة حدثت وكان لحيثياتها تأثير جوهري في خطط ترمب. وترمب نفسه أدرك في وقت ما أن ملف الحرب الاقتصادية مع الصين ليس في مصلحته، فتوقف عن الحديث عن الصين وعن التبادل التجاري معها، وكأنه لا يريد للإعلام أن يستكشف هذا الملف ويثيره، ولم يعد يذكر الصين في الأشهر الأخيرة إلا بالتسبب بالجائحة. هذه الجائحة تمكنت وبكل نجاح من نسف غالبية المكتسبات الاقتصادية التي حققها ترمب، وأول هذه المكتسبات هي معدل البطالة التي وصلت أثناء الجائحة إلى 14 في المائة بعد أن وصلت إلى مستوى منخفض لم تصله منذ خمسين عاماً، لتستقر الآن على 8 في المائة. ولم يستطع ترمب استغلال هذه الورقة بسبب الجائحة وما فعلته.

انتقد ترمب أثناء حملته الانتخابية الرئيس السابق أوباما بسبب العجز ميزانية البلد، ولكن في آخر سنة له، تعدى العجز في ميزانية بلده التريليون دولار، أي ما يوازي 5 في المائة من الناتج القومي الأميركي. وهو أعلى حد بلغه العجز منذ فترة أوباما في سنوات ما بعد الأزمة المالية. أما من ناحية الدين العام على أميركا، فقد وعد ترمب قبل رئاسته بنسف هذه الديون، والتي كانت 10 تريليونات في عهد بوش الابن، وارتفعت إلى 20 تريليوناً في فترتي أوباما، ووصلت في 2019 إلى 26 تريليوناً، أي 79 في المائة من الناتج القومي الأميركي، وليس للجائحة علاقة بارتفاع الدين العام إلى 26 ترليوناً، فهذا الرقم كان قبل الجائحة. أما بعدها، فيتوقع أن يصل الدين العام في نهاية 2020 إلى 98 في المائة. وعن النمو الاقتصادي، فبلغ معدل النمو السنوي للاقتصاد 2.5 في المائة لترمب، بينما كان هذا الرقم 2.1 و2.3 في المائة في عهدي بوش الابن وأوباما. أي أن الفارق في النمو لم يكن كبيراً، مع ذكر أن الاقتصاد كان أكثر صعوبة في عهد أوباما منه في حقبة ترمب.

راهن ترمب على الاقتصاد قبل تسلمه الرئاسة، وعمل طيلة فترته الرئاسية لرفع الاقتصاد الأميركي، نجح في بعض من خططه، وفشل في بعضها الآخر ولم تتغير الخريطة التجارية لأميركا كثيراً في فترته. وجل ما نجح فيه مسحته الجائحة بشكل شبه تام. ولم تشفع له إدارته الداخلية للبلاد بترشيحه رئيساً لفترة ثانية، فلم يتعامل مع انتشار الفيروس بشكل جدي في البداية، مما أدى إلى تفشيه بشكل مروّع، ولم يستطع امتصاص غضب المتظاهرين في حادثة مقتل «فلويد». والعالم اليوم يتطلع للرئيس الجديد «بايدن»، لا سيما الشركاء الاقتصاديون أمثال الصين وكندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي، والذين عانوا طيلة السنوات الأخيرة من ضغوطات ترمب عليهم. ولكن من السذاجة الظن أن «بايدن» سيتخلى عن سياسة ترمب التجارية بهذه البساطة، لا سيما أن ترمب تجاوز مراحل المفاوضات بهذه السياسات إلى المراحل الأولى من التطبيق، وسيكون من المثير للاهتمام مرأى «بايدن»، وهو يستمر بهذه السياسة.

د.عبدالله الردادي

سراب الطفرة الاقتصادية القياسية في أميركا

يحق لأي اقتصاد ينمو بمعدل 33 في المائة أن يزعم بكل ثقة أنه يحلق بطائرة نفاثة. فعندما يتعلق الأمر بالاقتصاد الأميركي، فإنك تتحدث عن قوة طاغية قوامها 20 تريليون دولار هي الأكبر في العالم. كما أن «مكتب التحليل الاقتصادي» الأميركي أعلن أن الاقتصاد الأميركي في الربع الثالث من العام كان الأكثر تفجراً منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل.
هي أخبار سارة للعمال وللعائلات الذين يكافحون للتنقل في ظل انتشار «كورونا»، وكذلك لمجتمع الأعمال. يعطي هذا الخبر فرصة للرئيس ترمب للترويج لأخبار اقتصادية رائعة وإعلان مسؤوليته عن توجيه كل شيء لهذا المسار السعيد.
في الواقع، أطلقت حملة ترمب بالفعل إعلانات توقعت إطلاق «مكتب التحليل الاقتصادي» لعبارة على شاكلة «أعلى ناتج محلي إجمالي في التاريخ الأميركي» و«بفضل الرئيس ترمب الاقتصاد الأميركي في تحسن»، ليصبحا شعارات الحملة الانتخابية لترمب.
لكن كل هذا ليس سوى مبالغات جامحة حتى بالنسبة لترمب وحتى بمعايير المبالغة في الحملة والسبب هو، أولاً، لم ينمُ الاقتصاد فعلياً بنسبة 33 %. فكما أوضح زميلنا الكاتب في «بلومبرغ» أوستن فوكس، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي الرئيسي هو معدل سنوي – ما يعني أن الناتج المحلي الإجمالي نما بنحو ربع المبلغ المعلن في الربع الثالث، أي بواقع أقرب إلى 7.4 %. لكن هذا الرقم يأتي عقب أكبر انخفاض على الإطلاق، بنسبة تتخطى 10 % في النصف الأول من العام الجاري. لذا، حتى بعد الربع الثالث المشجع، لا يزال الناتج المحلي الإجمالي منخفضاً بنسبة 3.6 % منذ أن بدأ الوباء في التفشى، وهو ما يمثل واحداً من أشد الانكماشات بعد الحرب.
لكن ما السبب وراء الأرقام المرتفعة مؤخراً؟ الإجابة هي أنه كان هناك بعض حسن الحظ والكثير من المساعدة من دافعي الضرائب والحكومة الفيدرالية.
فقد اجتمع الكونغرس والاحتياطي الفيدرالي معاً في مارس (آذار) لتصميم خطة إنقاذ بقيمة 7 تريليونات دولار أبقت ملايين العمال على كشوف المرتبات خلال فصل الصيف، والعديد من الأميركيين العاطلين عن العمل تم إسكانهم وإطعامهم. كما أنه سمح للأسواق المالية بالاستمرار في العمل بسلاسة. كذلك خفف «كوفيد – 19» هجومه قليلاً في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول)، ما قد يمنح المستهلكين مزيداً من الشجاعة للمغامرة.
ومع ذلك، فإن تلك الرياح الخلفية تتلاشى، إذ التزم رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، فعل كل ما هو ممكن لدعم الاقتصاد، لكن بنك الاحتياطي الفيدرالي لا يمكنه فعل الكثير، ولهذا السبب حث باول الكونغرس على تقديم مزيد من المساعدات الفيدرالية. وبدلاً من الرد على هذه المكالمة، فقد تردد الكونغرس لأسابيع حول حجم خطة الإنقاذ المقبلة، حيث رفض الجمهوريون وضع حزمة إغاثة كبيرة على الطاولة.
في غضون ذلك، أعاد كورونا تأكيد نفسه في جميع أنحاء البلاد، مهدداً الحياة والأسر والاقتصاد والوظائف مرة أخرى. كل هذا يشير إلى المزيد من الانكماش الاقتصادي، وفي الواقع، الاقتصاد يسير في تباطؤ فعلي. يتمثل أحد عيوب حسابات الناتج المحلي الإجمالي في أنها تقاس كل ثلاثة أشهر ويتم الإبلاغ عنها بفارق شهر تقريباً، لذا فهي لا تقدم التقييم الأكثر دقة من ناحية الوقت. طريقة واحدة للتغلب على ذلك هي النظر إلى المقاييس الاقتصادية التي يتم تجميعها بشكل متكرر، وكثير منها يظهر الاقتصاد الذي تباطأ بشكل ملحوظ خلال الربع الثالث.
تحكي البيانات الشهرية الأخرى قصة مماثلة، فقد انتعش مؤشر «ونفرنس بورد» للمؤشرات الاقتصادية الرئيسية بشكل حاد في مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، لكنه نما ببطء أكثر كل شهر منذ ذلك الحين.
دعونا لا ننسى الوظائف، فبعد أن أضاف الاقتصاد 7.5 مليون وظيفة جديدة في مايو ويونيو، تباطأت وتيرة نمو الوظائف في كل شهر لاحق. إذا كان الاقتصاد سيعتمد على الوظائف التي تم استحداثها بمعدل سبتمبر، فسيتعين عليه الانتظار 16 شهراً أخرى لاستعادة جميع الوظائف التي فقدناها جراء الوباء.
توترت سوق الأسهم الأميركية أيضاً مؤخراً، حيث تراجعت بنسبة 6 % الأسبوع الماضي، ما قد يشير إلى أن فيروساً متجدداً ونقص المساعدة الفيدرالية قد يلحقان الضرر بأرباح الشركات التي صمدت بشكل مفاجئ حتى الآن.
يعلم ترمب شأن أي شخص أن الاقتصاد لا يزال يتأذى، على الرغم من صخبه بشأن العودة. لهذا السبب يطالب الكونغرس بإنفاق أكثر من 2.4 تريليون دولار التي يقترحها الديمقراطيون. إنه اعتراف ليس فقط بأن الاقتصاد هش، لكن أيضاً بأن للبيت الأبيض تأثيراً أقل عليه مما يعتقد كثير من الناس.
أدى هذا الوعي إلى تنشيط مفاوضات وزير الخزانة، ستيفن منوشين، مع رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، لكن الجمهوريين في مجلس الشيوخ يفتقرون إلى نفس الشعور بالإلحاح. وبعد أن حصلت إيمي كوني باريت على مقعد في المحكمة العليا، أجل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، انعقاد مجلس الشيوخ حتى 9 نوفمبر (تشرين الثاني) بدون تصويت على إغاثة «كوفيد – 19».
على أي حال، دعونا نحتفل بربع عام رائع ثم نعود إلى منح الاقتصاد الأميركي الدعم الذي يحتاجه.

نير كايسار

قطاع الطيران يغرق

لا يغيب عن عاقل تأثر قطاع الطيران في جائحة كورونا، فهو أحد أكثر القطاعات تأثرا من الناحية الاقتصادية، ولا يزال هذا القطاع في خسائر مستمرة حتى هذه اللحظة، فبلغت خسائره هذا العام أكثر من 84 مليار دولار، وانخفضت عوائده بأكثر من 420 مليارا. ولا تزال شركات الطيران في تخفيض مستمر لعدد الموظفين فيها، داخلة نفقا مظلما لا تدري حتى الآن ما نهايته. وعدم المعرفة هذه سبب رئيسي في تخبط قطاع الطيران في الوقت الحالي، حتى الآن لم تتفق الدول في أنظمة فتح الحدود. عدم الاتفاق هذا قلل من حجز التذاكر للأشهر المقبلة، وهو ما كان يساعد شركات الطيران في التخطيط لمستقبلها القريب من ناحية السيولة المادية وكذلك معرفة الاحتياج الوظيفي لديها. ولهذا السبب فقد اضطرت الكثير من شركات الطيران لإعلان إفلإسها والخروج من السوق، وهو أمر غير مستبعد اليوم لأي شركة طيران في العالم مهما كان حجمها.
وما يدلل على عظم أزمة الطيران في الوقت الحالي، المعاناة التي تشهدها الشركات المصنعة للطائرات، وهما شركتا «إيرباص» و«بوينغ»، فبعد أن كانت شركات الطيران تتسابق للحصول على رقم في ترتيب طلبات الطائرات والتي قد تصل إلى أكثر من ثلاث سنوات، أصبحت الآن الشركات المصنعة لا تجد مستلما لطائراتها المصنعة، ووصل عدد الطائرات غير المتسلمة لدى الشركتين إلى 622 طائرة في بداية الشهر الحالي. وقد كان رقم الطائرات المسلمة في السابق يساوي رقم الطائرات المصنعة، أي أن الشركتين لم تكونا بحاجة إلى تخزين الطائرات بعد التصنيع. أما الآن فالوضع اختلف كليا، وأصبحت حتى الشركات المشترية للطائرات، تأخذها إلى المخازن فورا، فلا وجود للمسافرين حتى تنقشع هذه الغمة.
وما يزيد الطين بلة لدى شركات الطيران، توقعاتهم المستقبلية لصناعة الطيران. فقد كانت هذه الشركات تعتمد بشكل كبير في السابق على درجة الأعمال والتي كانت إلى حد كبير تغطي تكلفة الرحلات، وتبقى مقاعد الدرجة السياحية ربحا خالصا لهذه الشركات. وقد أوضحت إحصائية سابقة أن ما يقارب من40 في المائة من عوائد الإماراتية للطيران تأتي من درجة الأعمال والدرجة الأولى. أما اليوم وبعد أن دارت عجلة الأعمال بواسطة الاجتماعات الافتراضية، فمن المتوقع انخفاض الطلب على درجة الأعمال بشكل كبير. ولذلك فإن الكثير من شركات الطيران قد تضطر مستقبلا إلى إعادة النظر في نموذج أعمالها، بل إنها قد تضطر له في الوقت الحاضر، في حال احتياجها إلى تمويل يتطلب تقييما للمخاطر المستقبلية.
وصناعة الطيران لا تستند فقط على الأرباح فحسب، بل تشكل أهمية استراتيجية للكثير من الدول، ووجودها قد يعني سهولة قدوم السياح ووجود البلد على خارطة المسافرين. ولذلك فإن إعلان إفلاسها مضر بالاقتصادات المحلية بكل تأكيد. ولذلك فقد سارعت العديد من الدول إلى تحفيز قطاع الطيران من خلال حزم المساعدات. فقدمت دول مثل اليابان وعديد من الدول الأوروبية مساعدات لطيرانها، ولم يكن عجز الميزانيات للدول عذرا في عدم تقديم المساعدات، فقد قدمت أستراليا دعما لخطوطها المحلية رغم العجز في ميزانياتها. وقدمت الولايات المتحدة حزمة سابقة بنحو 25 مليار دولار لخطوط الطيران، وهي الآن بصدد إطلاق حزمة مساعدات أخرى برقم يقارب هذا المبلغ. ويبلغ حجم قطاع الطيران في الولايات المتحدة قرابة 1.7 تريليون دولار، موجدة أكثر من 10 ملايين وظيفة غير مباشرة ونحو نصف مليون وظيفة مباشرة.
إن دعم الحكومات لقطاع الطيران أمر لا مفر منه، ماذا وإلا فإن هذه الشركات عرضة للإفلاس كما لم تكن من قبل، وفيما كانت المساعدات خلال الأشهر الماضية تشمل كثيرا من قطاعات الأعمال، إلا أنها الآن قد تكون محددة على قطاعات معينة دون الأخرى، وقطاع الطيران هو أحد هذه القطاعات بلا أدنى شك. وقد عانى هذا القطاع في الماضي كثيرا بسبب كثرة المنافسات والمصاريف التشغيلية، ولكنه الآن يعاني من أمر لا قبل له به. والأمر واضح للجميع، فإن لم تساعد الحكومات شركات الطيران في الوضع الراهن، فإنها مقبلة على إعلانات إفلاس بالجملة، يصاحبها ارتفاع في معدلات البطالة، ومستقبل مجهول لصناعة هي أحد أهم الأسباب في تطور العالم كما هو اليوم.
د. عبدالله الردادي.

«مايكروسوفت» المتجددة

تعد «مايكروسوفت» شركة «عجوزاً» في عالم التقنية مقارنة بمثيلاتها من الشركات التقنية، فباستثناء «أبل» التي تصغر «مايكروسوفت» بعام واحد، فإن معظم الشركات التقنية الحالية أسست في منتصف التسعينات، وأفلس كثير منها في أزمة «دوت كوم» عام 2000. ومرت «مايكروسوفت» بتقلبات الأسواق خلال الخمسة وأربعين عاماً منذ تأسيسها حتى الآن، إلا إن استراتيجية الشركة المتجددة مكّنتها من الصمود أمام هذه التقلبات؛ بل إن «مايكروسوفت» استفادت من هذه التغيرات السوقية بشكل خدم مصالحها. ولمعرفة مدى هذه الاستفادة تكفي نظرة واحدة إلى أداء سهم «مايكروسوفت» خلال السنوات العشر الماضية؛ حيث بدأ سهم الشركة عام 2010 بسعر لا يتجاوز 30 دولاراً، وتعدى الآن حاجز 200 دولار. هذا الارتفاع نتيجة استراتيجية الشركة منذ منتصف العقد الماضي التي استهدفت أن تكون «مايكروسوفت» أحد اللاعبين الكبار في عدد من القطاعات ذات النمو العالي.
والمطلع على محفظة «مايكروسوفت» الاستثمارية اليوم يجد فيها كثيراً من التنوّع، كما هو ديدن كثير من الشركات التقنية الأخرى، مثل «أمازون» و«فيسبوك» و«غوغل». فبالإضافة إلى نشاطها المعروف بأنظمة التشغيل والأجهزة الحاسوبية، تستثمر «مايكروسوفت» في الخدمات السحابية؛ وهو من أكبر قطاعاتها وأكثرها ربحية اليوم، وفي مبيعات الإعلانات، والألعاب، وبرمجيات الواقع المعزز، ومحركات البحث، وبرمجيات التواصل الاجتماعي… وغيرها من الاستثمارات التي تستند بشكل جوهري إلى التقنية.
ونوّعت «مايكروسوفت» في محفظتها الاستثمارية من خلال عمليات الاستحواذ التي وصلت إلى 225 عملية استحواذ منذ إنشاء الشركة عام 1975 بمعدل 6 استحواذات سنوياً. ولعل أشهر هذه العمليات استحواذ «مايكروسوفت» على موقع «لينكدن» بنحو 26 مليار دولار في عام 2016، وعلى «سكايب» في 2009 بـ8.5 مليار دولار، وهما الأكبر في تاريخ الشركة. كما استحوذت في عام 2014 على شركة «نوكيا» للهواتف الذكية بصفقة زادت على 5 مليارات دولار. ولعل آخر استحواذ لـ«مايكروسوفت» يعطي فكرة عن استراتيجياتها تجاه عمليات الاستحواذ. فمنذ الأسبوع الماضي أصبحت شركة «زينيماكس» ملكاً لـ«مايكروسوفت» بمبلغ قارب 7.5 مليار دولار، وهو ثالث أكبر استحواذ في تاريخ «مايكروسوفت». و«زينيماكس» إحدى أشهر شركات واستوديوهات الألعاب رغم عدد موظفيها الذي لا يزيد على 2300 موظف.
وترى «مايكروسوفت» مستقبلاً واعداً في قطاع الألعاب، والواقع أن هذا القطاع الآن ضخم بشكل لا يصدق. فحجم قطاع الألعاب اليوم يزيد على حجم «هوليوود» وقطاع الموسيقى مجتمعين! ومبيعاته هذا العام قد تتخطى 160 مليار دولار، ويتوقع أن تزيد على 200 مليار العام المقبل. وفي حين كان عدد من يلعبون الألعاب الإلكترونية قبل 15 عاماً لا يتعدى 200 مليون، فهو يزيد اليوم على 2.7 مليار لاعب غالبيتهم يستخدمون الهواتف الذكية للألعاب؛ حيث تبلغ نسبة الألعاب المحمّلة على أجهزة «آيفون» 72 في المائة من مجموع التطبيقات المحمّلة من متجر تطبيقات «أبل». و«مايكروسوفت» مستثمرة فعلاً في قطاع الألعاب منذ 2001 بجهازها المشهور «إكس بوكس». إلا إن استثمارها في «زينيماكس» له معانٍ مختلفة. فمبيعات أجهزة الألعاب بدأت فعلاً في الانخفاض مؤخراً، وما يباع من أجهزة الألعاب في 10 سنوات يباع في سنة واحدة من الهواتف الذكية. وباستحواذ «مايكروسوفت» على شركة برمجيات للألعاب مثل «زينيماكس»، فهي تستثمر في محتوى الألعاب أكثر من استثمارها في الأجهزة التي يتم من خلالها اللعب، والتي يمكن أن تتغير مع الوقت بتطور التقنية. وقد سبق لـ«مايكروسوفت» الاستثمار في اللعبة الشهيرة «ماينكرافت» بشرائها بـ2.5 مليار دولار.
إن تجدد «مايكروسوفت» المتواصل هو سبب حفاظها على مكانتها في السوق على مدى 4 عقود ونصف. فالشركة، رغم امتلاكها ميزات لا يمكن منافستها مثل أنظمة التشغيل والبرمجيات المكتبية، تواصل تجديد وتنويع استثماراتها. والشركة بخبرتها العريقة في القطاع التقني تدرك أن من يأمن هذا القطاع مصيره الخروج من السوق. ولذلك كان الاستثمار في المحتوى مؤخراً أكثر من الأجهزة. ولا تزال «مايكروسوفت» ماضية في هذا التنويع، وكانت آخر هذه المحاولات في المنافسة على الاستحواذ على التطبيق الصيني «تيك توك» وهو ما يعني أن «مايكروسوفت» قد تبدأ استثمارات ترفيهية إضافة إلى الألعاب، ومن يدري؛ فقد يكون لها استثمار مستقبلي في الأفلام، كما هي الحال مع «أبل» و«أمازون».

د. عبدالله الردادي.

كيف تعافى الاقتصاد الصيني؟

أصدرت الصين الأسبوع المنصرم تقريرا يوضح الأداء الاقتصادي لها، أثار الكثير من المتابعين الاقتصاديين، وأغاظ البعض الآخر ممن يشككون في البيانات الصينية. وأوضحت البيانات التي أصدرتها الحكومة الصينية أن الإنتاج الصناعي للصين زاد في شهر أغسطس (آب) لهذا العام مقابل العام الماضي بنسبة 5.6 في المائة، وارتفعت استثمارات الأصول بأكثر من 4 في المائة، كما زاد الفائض في ميزان التبادل التجاري للصين بنحو 19 في المائة. ورغم انخفاض مبيعات قطاع التجزئة على الأشهر السبعة الأولى من السنة بنسبة 8.6 في المائة، فإن مبيعات شهر أغسطس لهذا العام شهدت مستوى أعلى من العام السابق بما يقارب 0.5 في المائة. والمطّلع على هذه الأرقام يرى أن الصين إما تعافت وإما قاربت للتعافي من الآثار الاقتصادية لجائحة «كورونا». وهو ما شكك فيه الكثيرون كون الصين هي أول من تضرر من هذه الجائحة بداية هذا العام، لشهرين على الأقل قبل أن تصل هذه الجائحة إلى غيرها من الدول.
وجاء هذا التعافي بسبب الإنفاق العالي للحكومة الصينية خلال الفترة الماضية، وهو إنفاق بدافع رغبة الحكومة الصينية زيادة نسبة التوظيف بعد ما حدث من زيادة نسب للبطالة خلال فترة الجائحة. وتمكنت الصين من رفع إنفاقها من خلال زيادة مشاريع البنى التحتية التي مكنت المصانع من زيادة إنتاجها بالمقابل. وقد عانت الصين كثيرا من ضعف الطلب المحلي لديها مقارنة ببقية دول العالم، فالطلب المحلي في الصين لا يتجاوز 39 في المائة من حجم اقتصادها، بينما يبلغ المتوسط العالمي 63 في المائة. لذلك فإن الصين تعتمد بشكل كبير على الصادرات في اقتصادها الوطني. ويرى المحللون أن لهذا الإجراء انعكاسا سلبيا في المستقبل، فالتعافي الاقتصادي يجب أن يكون بناء على زيادة طبيعية وصحية في الطلب، لا أن يُخلق الطلب من الحكومة كما فعلت الصين. كما أن الصين لا توفر إعانات للكثير من العاطلين فيها، فمن ضمن 80 مليون عاطل صيني خلال الجائحة، أقل من 3 في المائة يحصلون على إعانات حكومية. وجود هذه النسبة هو أحد أسباب انخفاض الطلب المحلي في الصين. ويرى البعض أن الصين لم تتعاف فعليا من هذه الجائحة، بدلالة أرقام مثل انخفاض نسبة استخدام المواصلات العامة في بكين بأكثر من 10 في المائة، وهو مؤشر لقلق الصينيين المستمر من فيروس «كورونا». كما يزيد البعض على هذه التشكيكات في مدى استفادة الصين من الجائحة، خاصة أنها وصلت الآن لمستوى تاريخي بكون سلعها المصدّرة تشكل أكثر من 13 في المائة من السلع العالمية.
في المقابل فإن للصين وجهة نظر أخرى، وهي أن جميع الحكومات العالمية تدخلت لحماية اقتصاداتها المحلية، وأن تدخلها المبكر ساهم في تعاف اقتصادي مبكر. وقد تكون وجهة النظر هذه صحيحة لعدة أسباب، منها أن انخفاض نسبة استخدام المواصلات العامة مبرر بزيادة ارتفاع مبيعات السيارات في الصين والتي زادت بنسبة 12 في المائة، وهو مبرر وعي لدى الشعب الصيني، لا لقلق من الجائحة. كما أن زيادة الإنتاج في الصين قابلتها زيادة في الصادرات وضحتها زيادة نسبة الصين من سلع الصادرات العالمية وكذلك زيادة فائض التبادل التجاري، مع أن ذلك يمكن أن يبرر بانخفاض صادرات الدول الأخرى، وبالتالي زيادة نسبة صادرات الصين حتى دون زيادة الصادرات نفسها. كما يُبرر لزيادة الإنتاج في المصانع الصينية أن الحكومة فرضت احترازات صحية على جميع المصانع، وما ساعد على نجاح هذه الاحترازات سهولة التحكم نسبيا في بيئة المصانع مقارنة بغيرها من أماكن العمل.
لطالما كانت الصين مصدرا للتشكك للكثيرين، وحيثيات الجائحة ساهمت في زيادة هذه التشكيكات. إلا أن نموذج الاقتصاد الصيني لا يوجد له مثيل في العالم، والحكومة الصينية تحكم قبضتها على الاقتصاد كما لا تفعل دولة حول العالم، رغم ضخامة هذا الاقتصاد. كما أن النمو المستمر للاقتصاد الصيني خلال العقود الماضية قد يبرر الاستمرار في النمو. هذا النمو الذي قد يستغربه البعض، يعد نموا ضئيلا جدا مقارنة بمعدلات النمو التي شهدتها الصين في السنوات الماضية. وهنا يتضح أن الصين تضررت فعلا من الجائحة كما هي الدول الأخرى، وأنها حتى وإن شهدت أرقاما اقتصادية إيجابية، إلا أن هذه الأرقام تعد ضئيلة مقارنة بالوضع في حال عدم وجود الجائحة. ويبقى الوقت هو الحكم في الإجراءات التي اتخذتها الصين، والتي تعودت على أن تتحدى قراراتها الاقتصادية بشكل مستمر، إلا أن النتائج تأتي بعكس هذه التحديات.
د. عبدالله الردادي.

عن خرافة السفينة الواحدة

شاع في بدايات أزمة «كورونا» أن الجائحة قد ساوت بين الناس في تعرّضهم لمخاطرها، وأن موبقاتها التي اجتاحت العالم لم تفرّق بين أغنى الدول وأفقرها، فعطلت الحياة في أكثر المدن ثراءً وأشد القرى فقراً. وانتشرت مقولة بأن الإعصار قد طال ركاب سفينة العالم من دون تمييز، وعلى الرغم مما في هذه المقولة من تهافت لتجاهلها حقائق التفاوت بين الناس من حيث الدخول والثروات والفرص والإمكانيات، فإنها انتشرت انتشار الوباء نفسه.
وتكمن خطورة مثل هذه المقولات المرسلة، متباينة البواعث والأغراض والنيات، في أن يتلقفها البعض فيوجّهون بها سياسات وموارد في غير وجهتها الواجبة، كما حدث من قبل في أزمات سابقة تسللت، في ظل الارتباك والصدمة، بمقولات مماثلة بعواقب وخيمة الآثار. وليست الأزمة المالية العالمية عنا ببعيد، حيث استفاد من حزم الإنقاذ الممولة من دافعي الضرائب أو بديون تحملها عموم الناس، مؤسساتٌ مالية وشركات كان بعضها شريكاً في صنع الأزمة بين جشع وتلاعب، فاختصمت من موازنات الدول مخصصات كان الأولى بها أن توجَّه إلى التعليم والرعاية الصحية ونظم الضمان الاجتماعي ومشروعات البنية الأساسية.
وللتذكرة، فإن أزمة الجائحة قد جاءت على عالم يعاني من هشاشة في اقتصاده، وأزمة ثقة سياسية بين أطرافه، وتوتر جيوسياسي وصراعات وحروب شهدها بعض أقاليمه من خلال حروب الوكالة وبتأجيج الفتن العنصرية والطائفية. كما تجاهل بعض قادة هذا العالم الأخطار المهددة لبقائه بتدهور مقومات المناخ والبيئة، غاضّين الطرف عن شواهد وأدلة علمية عن أثر هذا كله على الحياة بشح المياه ونقصان الغذاء، ومدى صمود المدن الساحلية خصوصاً في الدول النامية بارتفاع مستويات البحار والمحيطات، ناهيك باندثار جزر بأكملها.
ويبدو أن مروّجي مقولة السفينة الواحدة تناسوا أن 26 شخصاً فقط يستحوذون على نصف ثروات سكان العالم، وأن أكثر من ثلثي سكان العالم يعيشون في اقتصادات تزايدت فيها مؤشرات عدم العدالة في توزيع الدخل، وأن المؤشرات متعددة الأبعاد للفقر وفرص التنمية ازدادت سوءاً عند الأخذ في الاعتبار عناصر الجنس واللون والنوع الاجتماعي والأصول الاجتماعية والانتماء العرقي. وفي حين يجدر النظر إيجابياً إلى ما يمكن أن تُحدثه تكنولوجيا المعلومات من وثبات نوعية في حياة البشر من حيث التعلم واكتساب المهارات والمنافسة في الأسواق، فإن غياب خدمات الإنترنت عن 40% من البشر، والافتقار إلى النوعية فائقة السرعة عن نسبة أكبر، ينذر بتكريس وجه جديد من عدم العدالة بالحرمان من اكتساب المعارف وخدمات الشمول المالي والتجارة الإلكترونية والعمل.
وقد غاب عن أنصار مقولة السفينة الواحدة أنه من الإرشادات الصحية المتفق عليها للوقاية من الوباء هي غسل الأيدي والتباعد الاجتماعي، ولكن أنَّى للمحرومين من المياه النقية البالغ عددهم 2.2 مليار إنسان الالتزام بهذه التوصية، وضِعف عددهم محروم من خدمات المرافق الصحية ودورات المياه، وهم إنْ مرضوا سيواجَهون بحقيقة أن 25% من مراكز الرعاية الصحية المكدسة المخصصة لهم تفتقر إلى خدمات المياه الأساسية، وتلكم الأرقام مذكورة بتقارير صادرة قبيل الأزمة عن الأمم المتحدة و«يونيسيف» ومنظمة الصحة العالمية؟
ولا أحسب أصحاب مقولة السفينة الواحدة على دراية بأن أرقام من يعانون الفقر المدقع قد زادت لأول مرة منذ عام 1998 بمائة مليون إنسان دفعة واحدة، وفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي. ولعلهم لم يطّلعوا على التقارير المتوالية الصادرة عن منظمة العمل الدولية التي حددت خسارة سوق العمل ما يقترب من 500 مليون عامل فقدوا وظائفهم في القطاعات الرسمية المسجلة وأضعاف هذا الرقم في القطاع غير الرسمي.
ربما ضلّ أصحاب شعار السفينة الواحدة وهم يرون الناس في أمواج هائجة لعاصفة الجائحة فحسبوا أنْ لا فرق هناك بين ركاب سفن متينة الأركان، وأصحاب يخوت فاخرة سريعة المراوغة، وجموع من عموم الناس تتكدس في مراكب تميد بهم، وآخرين يتعلقون بحطام خشية الغرق.
حذّر من هذا الالتباس وتداعياته الأمينُ العام للأمم المتحدة في كلمته بمناسبة ذكرى الزعيم الأفريقي مانديلا في شهر يوليو (تموز) الماضي، داعياً إلى التعاون من أجل تخفيف وطأة آثار الجائحة على الأكثر تضرراً. هؤلاء الذين ستستمر معاناتهم من أزمة «كورونا» اقتصادياً حتى بعد احتوائها المنشود صحياً بافتراض توفير لقاح ناجع تصنيعاً وتوزيعاً، بعد اعتماده رسمياً، بما يحتاج إليه ذلك من تجسير فجوة تمويل تبلغ 34 مليار دولار لآلية تديرها منظمة الصحة العالمية التي تتابع تطوير 9 أنواع من اللقاحات الواعدة.
لا ينبغي أن تضل بنا خرافات السفينة الواحدة عما يعانيه عموم الناس من تهديد لحياتهم ولأسباب معيشتهم، خصوصاً مع استمرار لركود اقتصادي مصاحَب بتزايد احتمالات أزمة مالية، لن تمنعها مسكنات تسويف إرجاء أقساط الديون، رغم أهميتها في الأجَل القصير الذي لا يحتمل مزيداً من الآلام بتوجيه الموارد المحدودة للدول لسداد أقساط دائنين يتحملون الانتظار إلى حين. ولكن المسيرة المطلوبة لسداد الديون يعوقها تراجع النمو وزيادة البطالة واستمرار عدادات احتساب الفوائد المتراكمة على المتعثرين في ظل تجاوز المديونية العالمية رقم 300 تريليون لهذا العام، ارتفاعاً من 285 تريليون في ربعه الأول مع انكماش في الاقتصاد الدولي بمقدار 5%، بما يجعل التخلف عن سداد الديون أكثر احتمالاً لدول عالية المديونية، وشركات متعثرة، فضلاً عن الأفراد من القطاع العائلي الذي توسع في اقتراضه أيضاً.
في هذه الأثناء، ستتراجع المساعدات الإنمائية الدولية. فحتى إذا افترضنا أن الدول المانحة للمساعدات ستحافظ على نسبة المساعدات المقدمة لدخولها كما كانت في العام الماضي، فانخفاض دخولها بسبب الجائحة سيترتب عليه تخفيض هذه المساعدات بنحو 8% عن العام الماضي بما يقترب من 14 مليار دولار.
وفي الوقت الذي تنخفض فيه الاستثمارات الأجنبية بمقدار 40% وتحويلات العاملين بالخارج بنحو 20% عن العام الماضي، تستمر مهزلة تدفق الأموال غير المشروعة من الدول النامية بلا أي اعتبار لقانون محلي أو دولي، أو مواثيق مانعة لتهريب الأموال وغسلها أو اكتراث بأسس أخلاقية باستمرار فاحش في نهب الأموال باستخدام ألاعيب محاسبية في التهرب الضريبي والجمركي بما قدّرته منظمة «الأنكتاد»، في تقريرها الصادر الأسبوع الماضي، بنحو 90 مليار دولار سنوياً في حالة أفريقيا وحدها تكفي لتغطية نصف احتياجات القارة لتمويل أهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك احتياجات التعليم والصحة والبنية الأساسية، من مواردها الأصيلة.
إن دعاوى أصحاب مقولة السفينة الواحدة، وزعمهم عما سبّبه الوباء من ديمقراطية في انتشار المرض ومساواة في مواجهة مخاطره، لا تباريها في ترويج الخرافات إلا الادعاءات بالاتفاق العام على حتمية العمل على العودة إلى أوضاع اقتصادية واجتماعية، كشف الوباء عن مدى تعاستها، لما كانت عليه.
د. محمود محي الدين.

عن خطة الإغاثة الاقتصادية الأميركية

على الرغم من خطة التعافي السريع التي بدأت في مايو (أيار) الماضي، لا يزال اقتصاد الولايات المتحدة في حالة مزرية. ويقدر خبراء الاقتصاد لدى مؤسسة «غولدمان ساكس» انخفاض الإنفاق الاستهلاكي الأميركي بواقع 4.3 نقطة مئوية عند المقارنة بمستويات ما قبل انتشار الفيروس. وبلغ تعداد العاطلين عن العمل أكثر من 13.5 مليون مواطن، مع معدل البطالة المستقر عند مستوى 8.4 نقطة مئوية، وهو أكثر من ضعف المعدل المسجل في فبراير (شباط) من العام الجاري.
كان الانتعاش الاقتصادي أكثر قوة وثباتاً مما توقعه العديد من خبراء الاقتصاد ورجال الأعمال. غير أن انقضاء أحكام قانون الإغاثة الاقتصادية بمبلغ 1.8 تريليون دولار الذي جرى تمريره في مارس (آذار) من العام الجاري – بما في ذلك خطة إعانات البطالة الموسعة، والمدفوعات المباشرة للأسر المتضررة، والإعانات المالية المقدمة إلى الشركات من أجل استبقاء العمالة قيد جداول الرواتب – أدى كل ذلك إلى تباطؤ شديد في الانتعاش الاقتصادي. وبرغم ذلك، أضاف الاقتصاد الأميركي 1.4 مليون وظيفة جديدة على نحو مثير للذهول في أغسطس (آب) الماضي. لكنه قد أضاف ضعف عدد الوظائف المسجلة في مايو (أيار)، ونحو 3.5 ضعف الوظائف في يونيو (حزيران) خلال المرحلة الأولى من خطة الانتعاش الاقتصادي بعد الانهيار الثقيل في مارس وأبريل الماضيين. ولقد حقق الإنفاق الاستهلاكي نمواً بواقع 1.6 نقطة مئوية في يوليو (تموز) الماضي، مقارنة بما هو مسجل في يونيو (حزيران) الماضي. بيد أن المكاسب الشهرية في يونيو كانت بنسبة 5.7 نقطة مئوية، وسجلت المكاسب في مايو نسبة 8.4 نقطة مئوية.
ومن شأن التوسع أن يستمر من دون الحاجة إلى مزيد من إنفاق الإغاثة الفيدرالية، لكن من المتوقع أن يواجه الاقتصاد الأميركي رياحاً معاكسة شديدة في فصل الخريف المقبل.
ومن شأن موسم نزلات البرد والإنفلونزا أن يقلل من فورة النشاط الاقتصادي من خلال لزوم المواطنين منازلهم ممن يشعرون بالمرض، لا سيما إن كانوا غير متأكدين إن كانوا قد أصيبوا بعدوى فيروس كورونا المستجد من عدمه. ويمكن لطقس الشتاء البارد أن يؤدي إلى إعادة افتتاح المدارس، ما قد يسفر عن سرعة انتشار الفيروس والإقلال من النشاط الاقتصادي تبعاً لذلك. يقدر خبراء الاقتصاد في مؤسسة غولدمان ساكس أن تكون الصادرات الأميركية أقل بنسبة 7 في المائة عن مستواها المسجل قبل انتشار الوباء. ومن شأن عودة ظهور الفيروس في الخارج، تماماً كما بدا بالفعل في أوروبا، أن يقلل من حجم الصادرات عما هي عليه الآن.
بيد أن السياسات الحزبية المتعارضة مع الممانعة الانعكاسية ضد الإنفاق التحفيزي من أجل إنعاش الاقتصاد الأميركي، من شأنها إطالة فترة الانكماش الاقتصادي في البلاد وإلحاق مزيد من الأضرار بالعمال، والعائلات، والشركات الصغيرة.
فلدى كونغرس الولايات المتحدة جدول أعمال منشغل للغاية على أقل وصف ممكن. لقد أتى فيروس كورونا المستجد على أرواح 200 ألف مواطن حتى الآن، ومن المتوقع أن يواصل الفيروس انتشاره المخيف خلال فصلي الخريف والشتاء المقبلين. ويتأهب أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب لخوض انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الجاري. ومن المحتمل أن يُطلب من مجلس الشيوخ الموافقة على المرشح التالي للمحكمة العليا من قبل الرئيس دونالد ترمب. فضلاً عن اقتراب انتهاء التمويل الفيدرالي اللازم لمواصلة الحكومة الفيدرالية عملها في وقت لاحق من الشهر الجاري. ناهيكم عن العمال، والعائلات، والشركات، والأعمال المتعثرة التي هي في حاجة إلى الكونغرس من أجل تمرير حزمة جديدة من تشريعات التعافي الاقتصادي ذات الأهمية.
يتفهم بعض من أعضاء الكونغرس تلك الحاجات الملحة ويحاولون كسر حالة التنافر السياسي الراهنة. وأصدرت مجموعة تضم 25 عضواً ديمقراطياً و25 عضواً جمهورياً من أعضاء مجلس النواب إطاراً مشتركاً للجولة الرابعة من تدابير الإغاثة التي تستند إلى الجولات الثلاث الأولى، والتي جرى تفعيلها خلال فصل الربيع الماضي. ويعد هؤلاء الأعضاء جزءاً من مجموعة حل المشكلات، في حين تبلغ القيمة الإجمالية لخطتهم المشتركة 1.5 تريليون دولار، وهو رقم لا بد أن يحوز على القبول السياسي لدى كلا الحزبين الكبيرين ولدى البيت الأبيض كذلك.
لا يزال الاقتصاد الأميركي في هوة عميقة، وعودة الاقتصاد الأميركي إلى الأوضاع الأولى المسجلة في الربع الفصلي الأخير من عام 2019 سوف يستلزم نمواً قوياً في الربع الفصلي الحالي بواقع 54 في المائة. وتتراوح أكثر التوقعات تفاؤلاً بأن يبلغ النمو الاقتصادي للربع الفصلي الحالي ما بين 30 إلى 35 نقطة مئوية على أساس سنوي.

مايكل سترين.

الاتحاد الأوروبي في حاجة إلى البنوك للاندماج خارج الحدود

اتخذت منطقة اليورو عدة خطوات تجاه مركزية التنظيم والإشراف المصرفي، لكن هناك القليل من الدلائل على أن المقرضين مهتمون بالسعي إلى الاندماج خارج الحدود.
تُظهر صفقتان حديثتان – اقتُرحت إحداهما في إسبانيا والأخرى في إيطاليا – أنه على الرغم من كل النوايا الحسنة، فإن «الاتحاد المصرفي» الأوروبي لا يزال غير مكتمل.
سيكون البنك المركزي الأوروبي، الذي يعد أكبر مشرف في منطقة اليورو، راضياً عن عمليات الدمج المحلية في الوقت الحالي، حيث لا يزال بإمكانها المساعدة على تقليل السعة الزائدة في صناعة مكتظة. لكن يتعين على السياسيين والمنظمين مضاعفة الجهود لمواءمة القواعد في الاتحاد النقدي، بحيث يكون لدى المصرفيين مزيد من الأسباب للنظر إلى خارج الحدود، حيث تحتاج منطقة اليورو إلى مزيد من عمليات الاندماج الخارجي، ليس فقط لإظهار الوحدة، بل كخطوة أساسية لتعزيز الاستقرار المالي.
ومع ذلك، لا تزال الاندماجات المحلية هي اللعبة الوحيدة في المدينة. فقبل أسبوعين، ذكر بنكا «سايكس بانك»، و«بنكيا إس إيه» أنهما يدرسان صفقة شاملة لجميع الأسهم من شأنها إنشاء أكبر بنك محلي في إسبانيا. جاء هذا الإعلان بعد أسابيع فقط من استحواذ مجموعة «أنتيسيا سنابولا أسبا» البنكية على منافستها «أوبي بانكا أسبا» لتصبح أكبر مقرض في إيطاليا من حيث الأصول.
لا شك في أن المجموعات الأكثر وضوحاً، خصوصاً في أوقات الأزمات، هي تلك التي لا تقع بعيداً عن الوطن. فأسهل مبرر لدمج البنوك هو أن تخفيض التكاليف وشبكات الفروع الزائدة على الحاجة يمكن أن يؤدي إلى وفورات كبيرة.
ومع ذلك، فإن عمليات الدمج عبر الحدود توفر فرصاً ممتازة لتنويع الإيرادات. قد يكون ذلك أقل وضوحاً خلال فترة الركود الأوروبي، لكنه مفيد بشكل خاص عندما تضرب صدمة اقتصادية إحدى الأسواق أكثر من غيرها.
البنك المركزي الأوروبي لا يفضل عمليات الاندماج المحلية على تلك التي تجري عبر الحدود. فالدمج الوطني يمكن أن يساعد في زيادة الاستقرار المالي للدولة عندما يؤدي إلى زيادة الربحية أو الجمع بين بنك أقوى ومنافس أكثر اهتزازاً. من الناحية النظرية، فإن السماح للبنوك الضعيفة بالخروج من السوق بطريقة منظمة يمكن أن يقلل أيضاً من نقاط الضعف التنظيمية، لكن أوروبا أثبتت بعناد أنها غير قادرة على ترك المقرضين يفشلون. فغالباً ما يكون الاندماج هو البديل الواقعي الوحيد.
لكن الصفقات التي تتجاوز الحدود الجغرافية توفر مكاسب إضافية للمشرفين؛ فقبل كل شيء، يمكنها تخفيف الروابط الخطيرة بين البنك ودولته الأم. وهذا يعني أنه عندما يكون بلد ما في مأزق، فإن المقرض سيعاني بدرجة أقل، وعندما يكون البنك في وضع سيئ، تنتشر الصعوبات في مختلف الاقتصادات. يمكن أن يكون هذا الانتشار مفيداً بشكل خاص في منطقة اليورو، لأن العملة المشتركة والسياسة النقدية تعني أن الحكومات الفردية لديها أدوات أقل لمعالجة الأزمات المعزولة.
لم يخجل البنك المركزي الأوروبي من تأكيد مزايا عمليات الاندماج خارج الحدود، ومع ذلك فإنها لا تزال بعيدة المنال. تخشى البنوك ألا تتحقق مكاسب الكفاءة نظراً لصعوبة العمل في بلدان مختلفة بها حواجز لغوية وثقافية. وقد يفضل المشرفون الوطنيون أيضاً تطويق أسواقهم المحلية حتى لا يشعروا بقلق بشأن إنقاذ الشركات الأجنبية التابعة. فمعظم الساسة يبغضون أن تستولي جهة خارجية على بنك محلي لأنهم يخشون فقدان التأثير في إحدى رافعات الاقتصاد الرئيسية.
في يوليو (تموز)، شرع البنك المركزي الأوروبي في الدخول في مشاورات عامة لتوضيح نهجه بشأن الاندماجات، حيث يسعى البنك إلى طمأنة المقرضين بشأن المطالب الرقابية لرأس المال الجديد التي يعتقد المصرفيون أنها مرتفعة للغاية وغير مؤكدة، ومن ثم فقد شكلت عقبة مهمة أمام عمليات الاندماج عبر الحدود.
يتعين على الساسة القيام بدورهم أيضاً؛ مثلاً من خلال تكثيف الجهود لإنشاء نظام ضمان وديعة موحد عبر الاتحاد النقدي، وهو ما سيؤدي إلى طمأنة المشرفين الوطنيين بوجود شبكة أمان أوروبية أوسع في حالة تعرض أي بنك لمشكلات خطيرة. وقد دعا أولاف شولتز، وزير المالية الألماني، إلى ذلك في مقال نُشر عام 2019 في صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية، لكن، وكما كنت أخشى ذلك الوقت، لم يحرز سوى تقدم محدود منذ ذلك الحين.
دفع الوباء القادة الأوروبيين إلى كسر المحظورات، إذ يمكننا أن ندرس مثلاً فكرة إنشاء صندوق مشترك للإنعاش لدعم البلدان التي تمر بأزمات. ويمكن للمقرضين في أوروبا أن يفعلوا ذلك بنفس الروح.

فرديناندو جوليانو

البنية التحتية والقطاع الخاص

في عالمنا المتطور اليوم، يفتقد أكثر من 800 مليون نسمة إلى الكهرباء، ويعيش أكثر من ملياري إنسان دون ضمان للحصول على مياه صالحة للشرب، وتنقطع آلاف القرى حول العالم عما حولها من المدن بسبب عدم وجود طرق مهيأة للسفر والمواصلات. هذه الأرقام وغيرها الكثير، توضح الحاجة إلى التفاتة جادة إلى وضع البنى التحتية حول العالم، ورغم أن موضوع البنى التحتية يناقش باستمرار بين قادة العالم سواء على مستوى مجموعات الدول السبع أو العشرين، إلا أن الأرقام توضح أن نمو مشاريع البنى التحتية لم يتحسن. بل على العكس، فالأرقام تشير إلى أن العجز في ميزانيات البنى التحتية قد يزيد على 15 تريليون دولار بحلول عام 2040. أكثر من نصف هذا العجز يصب في مشاريع الطرق، ويتوزع باقي العجز بين مشاريع مياه الشرب والطاقة والاتصالات وسكك الحديد. وبالنظر إلى هذا العجز وعدم قدرة الحكومات العالمية على مجاراة الطلب للبنية التحتية، يبرزان فكرة الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص للاستثمار في البنية التحتية.
حيث يشكل القطاع الخاص حلا مناسبا لعدم قدرة الحكومات لتنفيذ مشاريع البنى التحتية من عدة جوانب، منها قدرة الخاص على إدارة المشاريع بشكل فعال يقلل من حجم الهدر الذي عادة ما يرتبط بتنفيذ الحكومات لهذه المشاريع. كذلك القطاع الخاص أكثر قدرة على إدارة العمليات اليومية من الحكومات. كما أن هذا الشركات الخاصة أكثر قدرة على تنفيذ المشاريع بتقنيات أعلى من الجهات الحكومية بحكم اطلاعها المستمر على السوق.
إلا أن هذا النوع من المشاريع يتطلب جهدا مختلفا من الحكومات، فتحديد موارد المشروع ومخاطره والمسؤوليات المرتبطة فيه وكذلك الحوافز المترتبة عليه هو الدور الرئيسي للحكومات. ولعل أحد أكبر أسباب إحجام القطاع الخاص عن مشاريع البنى التحتية هو تحمله الكامل للمخاطر، فكثير من الحكومات تلقي بكامل المسؤولية على القطاع الخاص محملة إياه مخاطر قد تضعف الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع. كما أن عدم ضمان الحكومة لهذه المشاريع يزيد من تكلفتها على القطاع الخاص، والمعلوم أن تكلفة تمويل مشاريع البنية التحتية عادة ما تكون مرتفعة بسبب طول أمد تنفيذ هذه المشاريع، وطول أجل مردودها الاقتصادي، إلا أن تنفيذ الحكومات لهذه المشاريع عادة ما يخفض من تكلفة هذا التمويل بسبب انخفاض معدل الخطر للقروض الحكومية. أما في حال أصبحت شركات القطاع الخاص هي المنفذة، فإن نسبة الخطر ترتفع بشكل حاد رافعة معها تكلفة التمويل. وعلى ذلك فإن الضمان الحكومي لهذه المشاريع في غاية الأهمية لزيادة الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع.
ولذلك فإن أكثر تجهيز مشاريع البنى التحتية لتكون جاهزة للاستثمار من قبل القطاع الخاص، هو أحد أكبر العوائق الحالية لمشاريع البنى التحتية. فالقطاع الخاص – وإن رغب في الاستثمار في مشاريع طويلة المدى – إلا أنه يريد التأكد من حسن تخطيط هذه المشاريع والتأكد من توزيع المسؤوليات والحوافز والمخاطر بشكل عادل قبل البدء فيها. والواضح أن الكثير من شركات القطاع الخاص لا تنظر إلى البنى التحتية كمشاريع مربحة، فنسبة استثمار هذا القطاع تتراوح بين 2 في المائة و3 في المائة في الوقت الحالي وهي أقل من 0.1 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي.
إن استثمار الشركات في البنية التحتية قد يكون الحل الأمثل للطلب العالمي المتزايد في البنى التحتية، ولا يبدو أن الحكومات قادرة على تلبية هذا الطلب دون الاستعانة بالقطاع الخاص. وليس الأمر متعلقا بنقص الميزانيات الحكومية لتنفيذ هذه المشاريع فحسب، بل إن هذه المشاريع تشكل فرصا حقيقية للقطاع الخاص للاستثمار فيها، والنماذج الناجحة لهذه الاستثمارات كثيرة، فالكثير من الشركات نفذت مشاريع مربحة مشابهة، ومن هذه النماذج تشغيل الطرق بعد تنفيذها لمدد طويلة، أو استثمار الأراضي التي تمر بها هذه الطرق. كما تشكل هذه المشاريع إضافة إلى القطاع الخاص بجعله شريكا استراتيجيا للحكومة، معطية إياه الفرصة للعمل في مساحة استثمارية جديدة، بعيدة عن الاستثمارات التقليدية ذات التنافسية الشديدة.

د. عبدالله الردادي.

السيولة موجودة… أين نستثمرها؟

على عكس ما كان متوقعاً، نجحت الحكومات ومؤسسات التمويل الدولية وصناديق التنمية في استقطاب فائض من السيولة لمواجهة تداعيات وباء كورونا على الاقتصاد. فقد تجاوَزَ ما تم جمعه من الأسواق كل التقديرات، وبأسعار فائدة منخفضة. وليست «سندات كورونا» الأوروبية إلا نموذجاً على هذا. ويُتوقع أن تتجاوز الاستثمارات الاقتصادية في خطط التعافي الوطنية حول العالم حدود 20 تريليون دولار للأشهر الـ18 المقبلة.
المشكلة إذاً ليست في السيولة، لا بل هناك فائض منها، بعدما تم امتصاصها من الأسواق. ولا تقتصر السيولة الجديدة المتاحة على الأسواق في الدول الغنية، بل هي متوافرة أيضاً في الأسواق الناشئة. وما نواجهه اليوم هو كيفية صرفها في الاتجاه الصحيح مع ضمان استدامة التمويل، وتحديد حصة الاستثمارات الاجتماعية والبيئية منها.
سمعنا كثيراً من الوعود خلال الشهور الأخيرة أن «المشاريع الخضراء» الصديقة للبيئة ستحظى بحصة وافرة من السيولة المخصصة للتعافي الاقتصادي من الجائحة. وهذا ما أكدته دول متعددة وصناديق تنمية ومؤسسات تمويل حول العالم، خاصة دول الاتحاد الأوروبي ومجموعة البنك الدولي. وإذا كان من الطبيعي أن يذهب جزء من التمويل لمعالجة المضاعفات الصحية للوباء، فالجزء الأكبر سيكون لتفعيل الدورة الاقتصادية. لكن رغم «الوعود الخضراء»، يتخوف البعض من أن تدفع الرغبة في زيادة حجم الطلب ورفع أرقام الدخل القومي سريعاً إلى ضخ جزء كبير من الأموال الجديدة في مشاريع غير مستدامة تؤدي إلى زيادة الاستهلاك، بدلاً من استثمارات تخلق فوائد اجتماعية طويلة الأجل.
الاستثمارات الكبرى في البنى التحتية، كالمياه والطاقة والمواصلات، تكون تحت مظلة الحكومات، ولو شارك فيها القطاع الخاص كمالك أساسي أو جزئي أو مشغل. ولكي يمول القطاع الخاص مشاريع ذات مضمون بيئي واجتماعي، مثل طاقة الشمس والرياح وكفاءة الطاقة وإدارة النفايات والزراعة المستدامة، فهو ينتظر ضمانات تقلل من المخاطر. وهذه عادة تكون على شكل كفالات من مؤسسات التمويل الدولية وصناديق التنمية وإعفاءات ضريبية من الحكومات. وما يدعم تخصيص القسم الأكبر من السيولة إلى مشاريع تحافظ على سلامة البيئة أن هذا يساعد أيضاً في مجابهة ظهور الفيروسات وانتشارها، بعدما أصبح من المؤكد أن هذه تعود، في جزء كبير منها، لأسباب بيئية.
قبل الجائحة، قدر تقرير أصدره المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) أن تبلغ احتياجات الدول العربية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 230 مليار دولار سنوياً حتى سنة 2030. وتوقع أن ترتفع الكلفة أكثر بسبب آثار عدم الاستقرار السياسي والأمني، إذ بينت التقديرات أن الخسائر في النشاط الاقتصادي بسبب الحروب والنزاعات منذ عام 2011 وصلت إلى نحو تريليون (ألف مليار) دولار. كما أنه لا بد أن تتسع هذه الفجوة التمويلية على نحو ملحوظ بسبب الآثار الكارثية للجائحة، مع استمرار الحروب والنزاعات المدمرة في أكثر من مكان.
ما تؤمنه الحكومات وصناديق التنمية التابعة لها والبنوك المركزية ومؤسسات التمويل الدولية لا يكفي لسد الفجوة التمويلية، التي يجب أن يأتي جزء كبير منها من القطاع الخاص. وهناك مجموعة متزايدة من حلول التمويل المثيرة للاهتمام في السوق، من السندات الخضراء إلى أدوات التمويل المختلطة. على الصعيد العالمي، حصلت زيادة سنوية مقدارها 23 ضعفاً في إصدار السندات الخضراء، من 11 مليار دولار عام 2013 إلى نحو 250 مليار دولار عام 2019. لكن رغم نموها السريع، لا تزال بعيدة عن المساهمة الحاسمة في تمويل كلفة التنمية المستدامة، وبالتأكيد بعيدة جداً عن سوق السندات العالمية، التي تتجاوز 100 تريليون دولار. ورغم أن السندات الخضراء في الدول العربية لا تزال في مهدها، إلا أنها بدأت بالظهور. ففي عام 2013 أصدر بنك التنمية الأفريقي سندات صديقة للبيئة استخدمت عائداتها جزئياً لتمويل مشروعين في تونس ومصر. وفي عام 2017 أطلق بنك أبوظبي الوطني أول إصدار لسندات صديقة للبيئة في المنطقة العربية بقيمة 587 مليون دولار تستحق في 2022.
يحتاج استقطاب التمويل من القطاع الخاص في مشاريع التنمية المستدامة إلى جهود أكبر، سواءٌ في البنى التحتية أو المشاريع الاستثمارية، الكبيرة والمتوسطة والصغيرة. ومن هذا تشجيع استثمار المدخرات، عبر أدوات مالية تستطيع اجتذاب تحويلات المهاجرين، وتطوير الأسواق المالية، واستقطاب الاستثمارات الخارجية المباشرة من طريق سياسات وحوافز تمنح الثقة للمستثمرين. وعلى الدول تطوير آليات تشجع المشاركات بين القطاعين الخاص والعام، مثل صناديق التمويل المختلط، واستخدام السيولة من المؤسسات المانحة وصناديق التنمية كضمانات للحصول على قروض إضافية من القطاع الخاص.
وعلينا أن نتذكر أن تمويل مشاريع التنمية المستدامة لا ينحصر في المشاريع الكبرى للبنى التحتية. فالتوزيع العادل لفوائد التنمية يتطلب دعم الاستثمار في المشاريع الصغرى والمتوسطة، أكان في مجال الطاقة أو المياه أو الإنتاج الغذائي أو الصناعة النظيفة أو السياحة الصديقة للبيئة، على سبيل المثال. ولأن القطاع المالي الخاص يبقى المصدر الأفضل والأجدى لتمويل هذه المشاريع على نحو مستدام، فمن الضروري دعمه من الحكومات وصناديق التنمية ومؤسسات التمويل الدولية، وتوفير شروط البقاء له.
ما يحصل الآن في مناطق عدة من العالم هو أن المصارف المركزية ومؤسسات التمويل الدولية وصناديق التنمية بدأت تزيد من ضخ السيولة مباشرة لتمويل المشاريع والشركات، بفوائد متدنية جداً، وذلك لتشغيل فائض السيولة الرخيصة الذي جمعته لخطط التعافي الاقتصادي من كورونا. هذه الممارسة، التي ترقى إلى حدود المنافسة غير المشروعة، تهدد بوضع المصارف والمؤسسات المالية التجارية، التي أدخلت التمويل الأخضر في برامجها، خارج الخدمة. وهذه خسارة كبيرة لا يمكن تعويضها، إذ إن فائض الأموال اليوم حالة مؤقتة، والاستدامة تتطلب الالتزام بمعايير اقتصاد السوق، مما يضمن الاستمرار في اجتذاب الأموال في المستقبل.
وظيفة مؤسسات التمويل العامة سد الفجوات التمويلية حيث يعجز القطاع المالي الخاص، كما في تمويل مشاريع البنى التحتية. فبدلاً من منافسة القطاع المالي الخاص في التمويل الاستثماري، على الحكومات والمصارف المركزية ومؤسسات التمويل الدولية وصناديق التنمية أن تدعمه وتشغل الأموال الاستثمارية من خلاله، بينما تركز عملها في تنفيذ مهمتها الأساسية.

نجيب صعب.