متابعة قراءة أسهم اليابان ترتفع مقتفية أثر وول ستريت والبنوك تربح مع تخفيف أمريكي للقواعد التنظيمية
أرشيف التصنيف: المقالات العامة
استعارة مؤذية!
ليست الاستعارة المقصودة في العنوان مما يُدرس في علم البيان والبلاغة من أنواع للاستعارة المعروفة، التي تُجمل بها العبارات باستعمال اللفظ في غير ما وُضع له، كالاستعارة المكنية والتصريحية. «فالاستعارة المؤذية» هي التي تعاني بسببها عملية تحليل وتصميم السياسات الاقتصادية في كثير من البلدان العربية، وتنجم عن الاكتفاء بالاعتماد الغافل على بعض مصادر مجتزأة من تقارير دولية، والنقل المسرف عن دراسات معدة في الأصل لنصح متخذ القرار في بلدان بعينها شديدة الاختلاف والتباين.
فعند الاستعانة بالتقارير الدولية، يتطلب الأمر مراجعتها بعد استبيان أولويات مصدريها وافتراضاتهم والتعرف على قدراتهم التحليلية. ويجب إدراك أن جانباً كبيراً من التفاصيل المهمة قد يختزل لأغراض عقد المقارنات أو بتجميع الدول في مجموعات وشرائح وفقاً للدخول، على سبيل المثال، لتبسيط تقديم المعلومات.
وقد يسهو الناقلون عن أنَّ كثيراً من توصيات هذه التقارير قد يأتي على غرار قوائم الطعام المطولة، بها بنود متنوعة بتكاليف مختلفة للاسترشاد بها وفقاً للأوضاع الاجتماعية المبدئية لكل دولة وآليات عمل اقتصادها السياسي، إلى غير ذلك من اعتبارات.
أما عن استسهال الناقلين لدراسات معدة لدولة معينة، وتعليب ما جاء بها جاهزة مع عدم مناسبة محتواها، فحدث ولا حرج عن حالات انتهت بالأذى وبخذلان عموم الناس. وهذا كله يرجع إلى عدم التمحيص عند النقل عن هذه الدراسات والتبشير بتوصياتها ونتائجها وكأنها الإكسير الشافي من العلل في كل زمان ومكان، وهي الموصوفة أصلاً لحالات بعينها بشروط محددة.
ومع تصميم سياسات جديدة للتعامل مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لجائحة كورونا تبرز ثلاثة موضوعات ذات علاقة بمواجهة الجائحة ثم التعافي منها، وترتبط بمستقبل العولمة والتمويل والديون. فقد صدرت دراسات مهمة عن مستقبل العولمة وتأثيراتها ومنها دراسة لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي بواشنطن. وقد حدد المعهد تأثيرات العولمة فيما يأتي:
– توفير سلع أكثر بأسعار أقل من خلال المنافسة.
– توسع قطاع الأعمال خاصة لشركات التكنولوجيا والاتصالات والمعلومات.
– تحسين النوعية وزيادة التنوع للمعروض من السلع والخدمات.
– زيادة مجالات الابتكار والتطوير.
– التأثير المتباين على سوق العمل بين إتاحة فرص جديدة في المجالات ذات التنافسية والمهارات العالية في قطاع الخدمات المتقدمة، وضياع فرص عمل أخرى في قطاعات منخفضة الإنتاجية خاصة في صناعات تحويلية غير متطورة.
– تأثير سلبي محدود على عدم العدالة في توزيع الدخول بمقياس الأجور يتراوح بين 10 في المائة و20 في المائة.
وتفسر الدراسة أن الجانب الأكبر من التأثير السلبي على عدالة توزيع الأجور يعزى إلى تأثير التكنولوجيا على الأنشطة ذات المهارات المحدودة باستبعادها، وعدم فاعلية السياسات المالية العامة وعدم العدالة في إتاحة الفرص من خلال الاستثمار في رأس المال البشري. كما تنتقد غياب سياسات متكاملة للتشغيل ومكافحة البطالة بما في ذلك الإجراءات المساندة للتدريب التحويلي والإنفاق على التعليم والمساعدة في البحث عن عمل، فضلاً عن قصور برامج التأمين ضد البطالة ومنح حوافز ضريبية للتشغيل والتأمين الصحي على العاملين. وتفضل الدراسة تبني هذه السياسات بدلاً من اللجوء للإجراءات الحمائية لتكلفتها التي تتجاوز منافعها المحدودة والمؤقتة.
ولمنع «الاستعارة المؤذية» فعلى قارئ مثل هذه الدراسة قبل أن ينقل عنها، خاصة إذا كان من مقدمي الاستشارات والنصائح للاقتصادات العربية، أن يدرك أن بيانات هذه الدراسة ومحل اهتمامها هو الاقتصاد الأميركي دون سواه. وربما تنتفع بها، بضوابط محددة، بعض دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تضم الاقتصادات الأعلى دخلاً. أما بالنسبة للدول العربية فيجب أن يُفتح هذا الصندوق الأسود للعولمة وتأثيراتها على محاور أربعة:
– الأول، هو محور التجارة، وهو المحور الوحيد الذي تناولته دراسة معهد بيترسون المذكورة، مع أهمية تحليل هيكل الإنتاج في الاقتصادات العربية لكل دولة على حدة.
– الثاني، هو محور تدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات الداخلة والخارجة لكل دولة، علما بأن الخارج من رؤوس الأموال العربية أكبر.
– الثالث، هو محور انتقال العمالة وما يرتبط به من تحويلات للعاملين بالخارج إلى بلدانهم.
– والمحور الرابع، الذي عادة ما يهمل ربما لصعوبة قياسه، يرتبط بـ«نقل التكنولوجيا» وفرص الابتكار والتطوير واكتساب المعارف والبحث العلمي والحصول على براءات الاختراع والملكية الفكرية وحمايتها وضمان عوائدها.
فيجدر بالمنادين بالعولمة والمتصدين لها وكذلك جبهات المصلحين لمساراتها تقديم الأدلة والبراهين على المكاسب والخسائر، قبل دخولهم في مباريات التوصية بالانفتاح والإغلاق، أو المناداة بإجراءات لتحرير أو كبح حركة التجارة والاستثمار والعمالة والمعرفة. فأذى الاستعارة هنا قد يطول مُصدراً والعاملين معه، أو يضر منتجاً بارتفاع تكلفة الخامات والآلات المستوردة، أو يعيق استثماراً يسهم في النمو، أو يمنع البحث عن عمل لاكتساب معيشة، أو يغيض أنهار المعرفة بسدود من الموانع والعراقيل.
ولا يقل خطورة عما سبق ما يُنقل عن دراسات للتوسع في التمويل بزيادة العجز في موازنات الدول وزيادة الديون. وقد يستشهد البعض بكتابات الاقتصادي بول كروجمان، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، عن التمويل بالعجز لمواجهة متطلبات الإنفاق العام، أو أعمال الاقتصادي أوليفييه بلانشارد، الرئيس الأسبق للبحوث بصندوق النقد الدولي، عن تحفيز الاستدانة مع انخفاض أسعار الفائدة. فالاستعارة المؤذية لهذه التوصيات تنتزعها من سياقها وافتراضاتها المحددة انتزاعاً؛ فهي قائمة بالأساس على تحليل أوضاع الاقتصادات المتقدمة القادرة على تمويل العجز دون آثار تضخمية أو إزاحة للقطاع الإنتاجي من أسواق التمويل والائتمان. كما تتناول قدرات الدول المعنية، عالية الدخول، على الاقتراض بعملاتها الوطنية وبتكلفة اقتراض شديدة الانخفاض تيسر إحلال قروض جديدة بأسعار فائدة تقترب من الصفر محل تلك القديمة عالية التكلفة، وبدون أي مخاطر ترتبط بتغيرات سعر الصرف.
فإذا ما توافرت هذه الشروط المحددة فهنيئاً للموصين بها والمستفيدين منها، إذا ما أحسن تنفيذها، أما إذا غاب شرط واحد مما سبق فليحذر المنصوحون من اضطراب اقتصاداتهم بزيادة الديون وبتراجع النمو والتشغيل تأثراً بزيادة العجز وزيادة التضخم مع التوسع في طبع النقود وانفلات أسعار الصرف.
وحري بالناصحين، قبل مزيد من الانغماس في استعارات مؤذية، الاطلاع أولاً على أوضاع التنمية في العالم العربي، التي شرحها بتفصيل التقرير العربي عن التنمية المستدامة 2020. الصادر منذ أيام عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا). فقد أورد التقرير حقائق وتطورات مهمة لمؤشرات التنمية الأساسية بتحليل كمي ونوعي للبيانات. وقد أشار إلى انفراد المنطقة العربية بزيادة الفقر المدقع وتربعها على قمة عدم العدالة في توزيع الدخل، والانخفاض النسبي لمؤشرات التعليم والرعاية الصحية، وتعرضها لمزيد من الفقر المائي ومؤثرات سلبية لتغيرات المناخ والتلوث البيئي، وعدم توازن النمو الاقتصادي وقصور شمول عوائده، وتراجع مؤشرات الحوكمة. هناك حقاً استثناءات إيجابية في بلدان عربية في مجالات بعينها، ولكنها تظل استثناءات من أداء عام يهدد بعدم بلوغ أهداف التنمية المستدامة، بما يستوجب بذل جهود أكبر بتنسيق أشمل، لا فصل فيها بين سياسات التصدي لأزمة كورونا وتداعياتها والتعافي منها بسياسات للنمو الشامل للكافة، فالإمكانات العربية متوفرة لكنها تتطلب كفاءة في استغلالها بما يحقق العدالة بين عموم الناس.
د. محمود محي الدين.
الاقتصاد العالمي بعد الجائحة: نظرة مستقبلية
بادر الكثير من المؤسسات الاقتصادية الدولية لدراسة تأثير «كوفيد – 19» على مستقبل الاقتصاد العالمي. كما بادرت، من جانبها أيضا، مؤسسات وشركات عربية متخصصة، لدراسة تأثير الجائحة على الاقتصاد العربي، والصناعة النفطية الإقليمية. ودرست أيضا مؤسسات عربية ودولية مدى تأثير فيروس «كورونا» المستجد على نمو بدائل الطاقة. وقد بدأت تصدر بالفعل بعض الأبحاث التي تلقي ضوءا على المسار المستقبلي لهذه القطاعات الاقتصادية. وسنحاول هنا أن نلخص تدريجيا وبإيجاز توقعات واستنتاجات بعض هذه الدراسات.
تبحث دراسة صدرت للبنك الدولي خلال شهر يونيو (حزيران) الجاري عن «النظرات المستقبلية للاقتصاد العالمي». وتحذر الدراسة من الأزمة التي لا سابقة مثلها والتي ضربت العالم بأجمعه. فقد أدت الأزمة الصحية، بالإضافة إلى الخسائر البشرية التي وقعت ضحية لها، قد أدت أيضا إلى انحسار وتراجع اقتصادي لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية (منذ حوالي ثمانية عقود تقريبا). لكن تنبه الدراسة أنه في حين من غير الممكن توقع الآثار المترتبة على مسيرة النمو الاقتصادي العالمي، أو حتى التصور بدقة إذ يمكن أن تكون هناك سيناريوهات أسوأ أمامنا في حال عدم السيطرة على الجائحة في الوقت القريب، إلا أنه رغم ذلك، فإن الجائحة التي اجتاحت العالم خلال النصف الأول من عام 2020 ستؤدي إلى تقلص ضخم في اقتصادات الدول النامية، بالإضافة إلى ذلك، فمن المتوقع أن ينتج عن الجائحة خسائر كبرى ودائمة لبعض الأساسيات الاقتصادية في الدول النامية، مما سينتج عنه أضرار لإمكانيات النمو الطويل المدى في الدول النامية، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى انخفاض مستوى المعيشة في هذه الدول إلى مستويات أدنى مما هي عليه الآن ولفترة طويلة. تتوقع الدراسة انخفاض ناتج الدخل القومي العالمي 5.2 بالمائة في عام 2020، وفي حال استمرار شيوع الجائحة لفترة طويلة أكثر مما هو متوقع، سينخفض الدخل الفردي في معظم الدول النامية، هذا بالإضافة إلى انكماش اقتصادات معظم هذه الدول. من نافل القول، إن الانكماش الاقتصادي العالمي سيصبح بدوره أكثر شدة مع استمرار الجائحة لفترة طويلة غير متوقعة في الوقت الحاضر.
تعتبر الأولويات في الأجندات القريبة المدى توفيرا أوسع دعم ممكن للمؤسسات الصحية والخدمات الإنسانية، هذا في نفس الوقت الذي يتوجب أن تشمل الأجندات في المدى المتوسط والبعيد الانتباه لمعالجة التدهور الاقتصادي للدول النامية، بالإضافة إلى توفير العناية الاقتصادية والاجتماعية للمجموعات المهمشة .
لقد وجه «كوفيد – 19» ضربة قاسية ومؤلمة لاقتصاد عالمي منهك وضعيف. إن سياسات الإغلاق للعمل والتباعد الاجتماعي التي تم تبنيها من أجل الحفاظ على الصحة العامة للبشر، شكلت هزات غير مسبوقة للمجتمعات في مختلف أرجاء العالم، إذ نتج عن هذه السياسات انحسار وتراجع لاقتصادات كل من الدول المتقدمة والنامية. فبعض من الدول النامية التي تعتمد على نظم ومؤسسات صحية ضعيفة، والتجارة العالمية لمواردها الأولية، والسياحة، أو التحويلات من مواطنيها الذين يعملون في الخارج – فقد تضررت هذه الدول بشكل كبير. فبالإضافة إلى هذه السلبيات على المدى القصير، هناك احتمال وإمكانية حدوث انحسار اقتصادي كبير على المدى المتوسط والبعيد المدى في مثل هذه الدول، مما سيترك آثارا سلبية إضافية مثل انحسار الاستثمارات الجديدة، وتزايد البطالة للمهنيين والأيدي العاملة. ستؤدي هذه الخطوات السلبية بدورها إلى تقلص التجارة الدولية وصعوبة الحصول على الإمدادات الدولية. الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تضاؤل الإنتاجية في العمل واضمحلال الحوكمة والمناخ اللازم لتشجيع الحركة الاقتصادية والتجارية وتشجيع الاستثمار في التعليم والصحة العامة.
وعند تضاؤل آثار الجائحة، سيكون من الضروري الالتزام بسياسات مالية وإصلاحات اقتصادية من قبل الدول المصدرة للنفط، التي تضررت في نفس وقت الجائحة بانهيار أسعار النفط أيضا. أدى تفشي الجائحة عالميا والسياسات التي تم تبنيها لمواجهتها وتقليص آثارها إلى تبني سياسات قلصت الطلب على النفط وزادت من المخزون النفطي. لقد لعب هذان العاملان دورا كبيرا في انهيار أسعار النفط خلال شهر مارس (آذار)، حيث انخفض سعر النفط خلال شهر واحد إلى مستوى قياسي. لجأت الدول المصدرة للنفط، ومعظمها من الدول النامية، إلى إنفاق مبالغ طائلة لدعم جهازها الصحي. وقد كانت تعاني بعض الدول النفطية النامية هذه مشاكل اقتصادية ومالية ضخمة قبل الجائحة وتدهور أسعار النفط. وفي المستقبل، ومن أجل أن تستطيع الدول النفطية الحصول على قروض وتمويل من المؤسسات المالية يتوجب عليها تبني التزامات ذات مصداقية. ومن المتوقع أن توفر فرصة أسعار النفط المتدنية والريع النفطي لبعض هذه الدول إمكانية تبني سياسات تسعير داخلية للطاقة تؤدي إلى ترشيد الاستهلاك، كما تساعد إلى تحسين المردود المالي في المدى المتوسط.
ينوه البنك الدولي، أن الاقتراحات المذكورة أعلاه، للتعامل مع إصلاح الأضرار والتراجع الاقتصادي الذي طرأ على ضوء نشوب الجائحة، تتطلب تعاونا وتنسيقا دوليا لنجاحه.
وليد خدوري.
الركود الأميركي العظيم مستمر لسنوات قادمة
أكد المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية ما يعرفه جميع المواطنين، إذ صرح بأن أميركا دخلت في حالة الركود الاقتصادي. غير أن هناك بعض الأنباء الجيدة في نفس هذا السياق، ومنها تحسن طفيف في معدلات التوظيف العامة في البلاد في شهر مايو (أيار) الماضي، مع انخفاض معدل البطالة من 14.7 % إلى 13.3 % في أبريل (نيسان) من العام الجاري.
وهناك بعض الجدل الدائر حول معدل البطالة الحقيقي في الولايات المتحدة – أي عدد العمال الذين يحصلون على رواتبهم بانتظام غير أنهم لا يحضرون إلى أماكن العمل. وكان معدل البطالة قد بلغ 19.7 % في أبريل، ثم حقق انخفاضا بنسبة 16.3 % في مايو. ويعد السواد الأعظم من هؤلاء العمال في شبه إجازة مدفوعة الأجر بسبب «كورونا». وكان هذا تحديداً هو المقصد من إنشاء «برنامج حماية الرواتب» في أميركا.
وكان التحول السريع من أوضاع التدهور إلى الانتعاش الاقتصادي أسفر عن ارتفاع المعنويات بصورة عامة في البلاد. وفي حالة الركود الأخيرة، استمر معدل التوظيف في التدهور لمدة زادت على العام إثر انهيار مصرف «ليمان براذرز» في الأزمة المالية لعام 2008. أما الآن، يبدو أن الأمور آخذة في التصاعد مجدداً بعد مرور شهور فقط من انتشار الوباء. وهناك بصيص من الأمل في أن يتحول الركود الاقتصادي إلى ما يشبه التعافي الذي أعقب وباء الإنفلونزا الإسبانية قبل ما يقرب من قرن. غير أنه يجدر بالخبراء المتفائلين أن يتحلوا بقدر من الحذر. إذ ربما يكون ارتفاع معدلات التوظيف في مايو مجرد انتعاش غير مستديم. ولقد أدى إعادة الافتتاح لدى بعض الولايات الأميركية إلى استعادة بعض الوظائف المفقودة.
ربما تشهد سوق العمل تباطؤاً في استعادة الوظائف سيما مع عودة العمال المؤقتين إلى وظائفهم. ولن يتمكن أولئك الذين كانوا يعملون لدى الشركات التي أعلنت إفلاسها من العودة إلى وظائفهم. وفي واقع الأمر، يقدر جيد كولكو الخبير الاقتصادي أن معدلات البطالة الدائمة ما تزال في ارتفاع مطرد، وهذا مما يثير القلق لا سيما أن الأشخاص العاطلين لفترة طويلة يمكن أن يفقدوا مهاراتهم المهنية مع مرور الوقت، الأمر الذي يجعل من العسير عليهم فيما بعد العثور على وظائف بعد انقشاع الأزمة.
ولذلك، ربما تشهد الأوضاع الاقتصادية قدراً من التعافي السريع، ولكنه سيكون انتعاشاً غير مكتمل. وربما تنخفض معدلات البطالة فعلاً بأكثر مما لاحظنا، ولكنها ما تزال مرتفعة بصورة غير مقبولة، ثم نبدأ في ملاحظة التراجع البطيء وهو أكثر ما يميز الركود الاقتصادي.
والسؤال المطروح في هذا السياق يتعلق بكم من الوقت سوف يستغرقه هذا الانتعاش؟ يبدو أن الجانب المعتاد في حالات التعافي البطيئة غائب في الآونة الراهنة، وذلك بفضل الإجراءات الحاسمة التي صدرت عن بنك الاحتياطي الفيدرالي. ولكن، هناك عوامل أخرى ربما تطيل من أمد الأوجاع الاقتصادية المنتظرة على مدى عدة سنوات مقبلة.
ويمكن للتراجع الطويل الأمد أن ينشأ عن التعديلات الهيكلية. فلقد أسفر الوباء إلى دفع الأميركيين من أعمال التشييد والبناء في واقع الحياة إلى التسوق المستمر عبر الإنترنت، ومن الوجود في المكاتب والشركات إلى العمل عن بُعد. وإن كان الأمر كذلك على كافة المستويات، فهذا يعني أن الكثير من منافذ التجزئة، والمطاعم، سوف يتقلص وجودها مع مرور الوقت.
ومن شأن التعديلات الهيكلية أن تحدث على نطاق دولي واسع أيضاً. وربما تتفاقم آلام التغيرات الهيكلية المنتظرة بسبب ما يُطلق عليه خبراء الاقتصاد «العوامل الخارجية ذات الأثر المحلي». فإذا جرى إغلاق 50 في المائة من واجهات المتاجر في أغلب الشوارع، فمن شأن ذلك أن يجعل هذا الشارع أقل جاذبية في ارتياده وتناول الطعام فيه وربما التسوق بالكلية.
أخيراً، من شأن فترة الركود الاقتصادي أن تطول بسبب الأخطاء السياسية. وهناك بالفعل تقارير إخبارية تفيد بأن المعسكر الجمهوري في الكونغرس يخطط للتقدم ببطء على مسار تدابير الإغاثة الإضافية في البلاد، أو حتى وقفها تماماً. ومن شأن تلك الخطوة أن تجبر الولايات إلى إجراء تخفيضات صارمة في الميزانية المحلية، أو ترك العديد من العمال العاطلين عن العمل غير قادرين عن سداد إيجارات منازلهم، الأمر الذي سيكون من قبيل الأخطاء السياسية ذات الآثار الفادحة.
لذلك، حتى في ظل التعافي الجزئي في الاقتصاد، إلا أن هناك أسباباً تجعل هذا التراجع الاقتصادي يمتد حتى منتصف العقد الحالي.
نوح سميث
أسباب الخوف من مكاسب سوق الأسهم
وصفت على نطاق واسع سوق الأسهم الصاعدة التي تعطلت عن العمل لعشر سنوات بعد عام 2009 بأنها أكثر مسيرات السوق البغيضة في التاريخ. فقد فوجئ الكثيرون، وأنا منهم، بما جرى حتى مع تدفق الأموال إلى السندات.
تعاملت أسواق الأسهم خارج الولايات المتحدة تقريبا، كما كان من المفترض أن تفعل بعد انهيار كبير، وقامت بتداولات جانبية في مجموعة واسعة لسنوات عديدة. وفي الولايات المتحدة صعدت الأسهم في الحال، وبعد فوات الأوان قلل الكثير منا من قوة وعزيمة بنك الاحتياطي الفيدرالي.
يبلغ عمر المسيرة الحالية حوالي 10 أسابيع، لكنها ربما كانت الأكثر بغضاً في التاريخ. فقد حدث ذلك مجدداً بطريقة تفوق بكثير التعافي السابق من الصدمات الكبرى، ويحدث ذلك على الرغم من مقاييس التقييم التي تصرخ بأن الأسهم باهظة الثمن وأن عوائد السندات منخفضة لدرجة أنها تشير إلى اقتصاد سيعيش في غيبوبة لسنوات قادمة. فبعد أن فوجئت بمدى هذا الارتفاع الذي لا يمكنني إنكاره، بذلت قصارى جهدي لأكون منفتحاً، وقلت إن هذه المسيرة قد تكون مبررة إذا كان لدينا انتعاش حقيقي على شكل حرف V في الأرباح، ومنحنى عائداً هائلاً يسيطر عليه بنك الاحتياطي الفيدرالي بطريقة لا تضر بالبنوك.
أوضحت أن هذا يمكن تصوره لكنه غير محتمل، وأن جميع المخاطر كانت في اتجاه الهبوط. ووفقاً للتعليقات، يعتقد الجميع أنني كنت متفائلاً إلى حد السذاجة. إذا استمرت الأسهم في الارتفاع، كما فعلت الثلاثاء الماضي، فإن هذا الارتفاع سيكون كئيباً وقاتماً.
لذلك هناك بعض الأسباب الأخرى التي تدعو للخوف من المزيد من المكاسب لسوق الأسهم في المستقبل. إذا كان هناك مقياس حاسم لمعنويات «المخاطرة» في الأسواق العالمية، فهو الدولار. فحتى لو كانت الولايات المتحدة هي نفسها لب المشكلة، فإن الأموال تتدفق هناك إلى ملاذ آمن في أوقات الاضطرابات. والدولار القوي بدوره يجعل الحياة أكثر صعوبة للأسواق الناشئة مع المجازفات المعتمدة على الدولار، مما يضاعف من الضغط الانكماشي في الولايات المتحدة. لذلك من العلامات الإيجابية (أو السلبية لأولئك الذين يكرهون الارتفاع) أن مؤشر بلومبرغ للدولار، الذي يقارن الدولار بالعملات المتقدمة والناشئة، قد وصل إلى المتوسط المتحرك لمائتي يوم.
يعتبر ذلك علامة على أن المسيرة يمكن أن يكون لها أرجل أكثر، ويظهر استمرار تخفيف التوتر، حيث تتعامل الأسواق كما لو كانت في وضع يمكنها من التعافي، ويمكنها من تحقيق ذاتها. يبدو أن البرازيل في وضع مثير للقلق لتصبح المركز العالمي التالي للوباء، لكن الريال البرازيلي قد تعزز أكثر من أي عملة أخرى مقابل الدولار حتى الآن في الأسبوع الجاري.
تعتبر لندن ونيويورك وهونغ كونغ مراكز لأسواق ضخمة والأشخاص الذين يعيشون فيها لديهم أسباب لرؤية العالم بشكل سلبي في الوقت الحاضر. في نيويورك، لم تشهد أحداث الليالي القليلة الماضية أي تخفيف لقواعد المباعدة الاجتماعية خلال الشهرين الماضيين.
قمت بزيارة عيادة طبيب قريب من مكتب بلومبرغ الثلاثاء، واكتشفت أن واجهات المتاجر في الجزء السفلي من المبنى الخاص بنا، وجميع المتاجر التي تواجهه على الجانب الآخر من شارع «ليكسينغتون» قد تحطمت. ومشهد العمال يزيلون جبالاً من الزجاج المكسور من مكان العمل، ورؤية الركام على طول الطريق ليس بالمشهد الإيجابي على الإطلاق ولن يشجع أي شخص في نيويورك على العمل.
لذلك سيكون من المنطقي أن يميل الناس الذين يعيشون في مراكز الأسواق إلى تبني توقعات أكثر قتامة لمستقبل الوباء مقارنة بأولئك الذين يعيشون في الخارج. يفسر ذلك درجة القبلية في السياسة الأميركية، حيث إن التداخل بين المناطق الأكثر تأثراً بفيروس «كورونا» وتلك ذات اللون السياسي الأزرق قريب إلى حد كبير. أنا مثلاً أعرف الكثير من الأشخاص المصابين بفيروس «كورونا» ممن لم يفقدوا وظائفهم (على الرغم من أن عدداً ممن يعملون من منازلهم قد نفد دخلهم). لا شك أن ملايين الأشخاص في الولايات المتحدة على العكس تماماً، فهم لا يعرفون أياً من المرضى، لكنهم يعرفون العديد ممن فقدوا وظائفهم.
هل مقاومة مسيرة السوق تأتي من الناس الذين يعيشون في المراكز المالية الذين يعرضون تجربتهم مع الفيروس في مناطق أخرى؟ تلقيت الاقتراح التالي من بريان ألكسندر بشركة «قبرص لإدارة المال» في فانكوفر بكندا:
أعلم أنك لا يمكنك السفر الآن، لكن بصراحة إذا كنت قادراً على الخروج من مدينة نيويورك، فسترى أن الكثير من العالم يتعامل بشكل جيد وبشكل معقول. هذا ليس للشماتة أو التباهي لأننا ربما كنا محظوظين الآن، لكنني أعتقد أن معظم وسائل الإعلام تركز بشكل قصير النظر على مدينة نيويورك ولندن والتي لا تعكس بقية العالم.
في منطقتي الصغيرة، أرى المدارس مفتوحة، والمطاعم متاحة بسعة محدودة مثل الصالات الرياضية والمتاجر وغيرها. يرتدي الناس أقنعة عندما يكون الإبعاد الجسدي غير ممكن، لكن بخلاف ذلك لن تلاحظ الكثير.
في الأساس، يعتبر أي تجمع داخلي لأكثر من خمسين شخصاً أمراً محظوراً، لكن هذا هو الحال. والبناء لم يتوقف أبداً. صحيح أننا لم نكن متساهلين تماماً مثل السويد، لكننا قريبون جداً منها.
وجهة نظري هي أنه في حين أن فقدان الوظائف حقيقي، فقد يكون ذلك مؤقتاً لأن الأشخاص خارج النقاط الساخنة لفيروس «كورونا» لن يشعروا بالخوف من مغادرة منازلهم لفترات طويلة من الوقت مع انفتاح الاقتصاد. وبالتأكيد لا يبدو سكان فانكوفر مثلاً قلقين للخروج وقضاء الوقت.
يتحكم الأشخاص الذين يعيشون خارج النقاط الساخنة لـ«كورونا» في الكثير من المال. ففي حين أجد نفسى أحسد أي شخص يعيش في فانكوفر في أفضل أوقاتها، فإن الناس في هذه الأماكن قد يقللون من شأن المخاطر القادمة بحسب تجربتهم حتى الآن (تماماً كما قد يبالغ سكان نيويورك ولندن في المبالغة في تقدير ذلك).
وضعت الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، والتي جاءت في ثلاث موجات، إطار مناقشة موجة أعمق لتتبعها. فإذا اتبع هذا الوباء نفس النمط، فلن يحدث الانتعاش على شكل حرف V إذا كانت مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين يعيشون في النقاط الساخنة للفيروس يبالغون في احتمالية حدوث ذلك مرة أخرى (ولدينا بشكل فعال حجم عينة واحد للأوبئة ذات النطاق المكافئ في التاريخ الحديث ، لذلك فإن الدليل على الموجة الثانية ليس كبيراً)، فإنه من الممكن بناء مسيرة الأسواق على أسس أقوى مما تبدو.
جون اوثرز
الأسواق النفطية والتعامل مع آثار جائحة «كورونا»
تركت جائحة «كورونا» المستحدثة آثارا سلبية على معظم الصناعات والاقتصادات العالمية. ولم ينج قطاع النفط من هذه الآثار السلبية، بل بسبب عولمة النفط واستعماله الواسع في مختلف القطاعات الاقتصادية، ووسائل النقل المتعددة والمصانع، وسياسات العزل التي قلصت التنقل بمختلف وسائله إلى الحدود الدنيا، ناهيك عن تقليص الإنتاج الصناعي، نتج عن ذلك انخفاض الطلب على النفط الخام حوالي 30 مليون برميل يوميا خلال ذروة العزل في شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان)، أو نحو 30 بالمائة من مجمل الاستهلاك النفطي العالمي قبل الجائحة (نحو 100 مليون برميل يوميا)، هذا ناهيك عن انهيار الأسعار إلى أقل من 20 دولارا للبرميل، بل تدهورت إلى تحت الصفر في السوق المستقبلية للنفط الأميركي في بورصة نيويورك.
بدأت أسعار النفط تستعيد عافيتها تدريجيا مع التقليص التدريجي لإجراءات العزل في العديد من دول العالم، منها الصين والأقطار الأوروبية والولايات المتحدة. اختلفت إجراءات العزل من دولة إلى أخرى، وإن شدد معظمها على أهمية التباعد الاجتماعي وتأجيل السفر الجوي حتى منتصف شهر يونيو (حزيران) الجاري، بالإضافة طبعا إلى ضرورة استعمال كمامات الوجه وتعقيم وغسل الأيدي بصورة مستمرة.
تفاعلت أسعار النفط مع إجراءات تخفيف العزل، فارتفع سعر نفط برنت تدريجيا إلى سعر تراوح ما بين 30 – 35 دولارا لمدة أسبوع تقريبا ليستقر في نهاية الأسبوع الماضي على 35 دولارا. كما ارتفع سعر نفط وسط غرب تكساس المتداول في الولايات المتحدة في نفس الوقت ليقلص الفرق بينه وبين نفط برنت من 10 دولارات إلى سنت واحد فقط، والمعروف أن سعر النفط الأميركي يكون عادة أقل سعرا من نفط برنت بعدة دولارات. فسجل سعر نفط برنت في نهاية الأسبوع 35.33 دولار، بينما سجل سعر نفط وسط غرب تكساس 35.32 دولار.
لماذا هذا الارتفاع التدريجي مباشرة مع بداية فك العزل، ولكل من نفطي برنت والأميركي في نفس الوقت؟ أي في معظم أسواق العالم تقريبا. هناك عدة أسباب لهذا الارتفاع: تقليص إنتاج مجموعة أوبك+ نحو 9.7 مليون برميل يوميا والالتزام بهذا المعدل من التخفيض. كذلك، هناك التخفيض الإضافي الطوعي لكل من السعودية والكويت والإمارات بمقدار مليون برميل يوميا لكل دولة من هذه الدول الثلاث. هذا بالإضافة إلى المعلومات عن انخفاض المخزون النفطي في المستودعات الأميركية والعالمية.
حفز ارتفاع السعر إلى 35 دولارا دولا وشركات نفطية إلى الدعوة لتقليص معدلات تخفيض الإنتاج… إلا أن الأمور لا تزال غامضة بعض الشيء بالنسبة لإمكانية مواجهة الدورة الثانية للجائحة في حال نشوبها ومن ثم احتمال اللجوء إلى إجراءات عزل جديدة.
كما يتوجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار أن ارتفاع السعر إلى 40 دولارا – افتراضا – لا يعكس حقيقة استقرار الأسواق. فهناك أرقام مختلفة حول كمية النفط المخزن في المستودعات وفي الناقلات. وكما دلت تجربة السنوات الثلاث الماضية، فإن استمرار وجود مخزون عالي يضغط على الأسعار ويؤدي إلى تخفيضها. وعندئذ تضطر الدول المصدرة إلى الولوج بمسيرتين هادفتين لتخفيض الإنتاج: الأولى احتياطية تأخذ بالحسبان المتغيرات في جائحة «كورونا» والثانية تحاول أن تقلص من مفعول وآثار المخزون الفائض.
من المفروض في هذه الحال، الاستمرار بمعدل التخفيض الحالي لضمان استقرار الأسواق. بمعنى التأكد أنه لا موجة جديدة من الجائحة تضطر فيها بعض الدول لإعادة إجراءات العزل وتقليص استهلاك النفط مرة أخرى. أو للتأكد أن معدل المخزون النفطي مستقر على معدلاته التجارية، مما لا يؤثر سلبيا على الأسعار.
لكن، وكما هو معروف من التجارب السابقة، فإن التوصل إلى اتفاق جماعي لمعدلات التخفيض ليس بالأمر السهل نظرا لتضارب مصالح الدول، مما يضطر الدول المصدرة المعنية إلى التوصل إلى حلول وسطى مرضية للجميع. لماذا صعوبة الاتفاق، رغم أهمية الحصول على معدل سعري أعلى هو من مصلحة جميع الدول المصدرة؟
تختلف الأسباب، إذ إن إنتاج بعض الدول الكبرى مثل روسيا هو من الحقول القديمة والإنتاج الجديد والمرتفع في الولايات المتحدة هو من حقول النفط الصخري. ورغم الاختلاف الجيولوجي الكبير بين الدولتين، فإن إقفال آبار النفط الصخري أو الروسية القديمة، تحتاج نحو 30 إلى 50 ألف دولار لكل بئر لاستبدال الأدوات المستعملة في الآبار، وكلما طالت فترة الإقفال للآبار، ازدادت التكاليف. من ثم تطالب هذه الدول بإعادة الإنتاج من هذه الحقول بأقرب فرصة ممكنة لتفادي هذه التكاليف الباهظة الثمن. وهناك أيضا دول نفطية كبرى تواجه تحديات اقتصادية وسياسية خطرة نتيجة لسوء الإدارة داخليا، وتحتاج الحصول على أعلى ريع نفطي في أقرب فرصة ممكنة، إذ إن بعض هذه الدول غير متوفر لديها الأموال الكافية لتغطية معاشات الموظفين المدنيين والعسكريين أو أن بعضها، بسبب الاضرابات، مضطرة أن تغلق مصافي التكرير وتستورد المنتجات البترولية لتغطية الاستهلاك الداخلي. ومن ثم، تحاول هذه الدول ذات التحديات الداخلية الحرجة العودة إلى حصصها الإنتاجية السابقة للحصول على أعلى ريع نفطي ممكن. لكن من المشكوك به أن يساعد هذا الريع العالي، في حال الحصول عليه، في حل مشاكل هذه الدول نظرا لتفاقم مشاكلها الداخلية المستعصية.
لقد نتجت آثار سلبية كبيرة على الأسواق النفطية بسبب الجائحة، بالذات المخزون العالي الذي يبقى ضاغطا على الأسعار، الأمر الذي سيتوجب على الدول المصدرة التعامل معه بجدية وبالسرعة اللازمة. كما يتوجب الأخذ بنظر الاعتبار أن معدلات استهلاك النفط قد انخفضت، ولو على المدى القريب. وخير مثال على ذلك هو السفر الجوي، حيث كان يشكل وقود الطيران 9 مليون برميل يوميا، أو نحو 9 بالمائة من مجمل الاستهلاك النفطي قبل الجائحة.
وليد خدوري
حَذار من إضاعة فرصة الأزمة
حان الوقت لمعالجة مواطن الضعف التي تعاني منها الاقتصادات الصاعدة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
تواجه اقتصادات الأسواق الصاعدة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى واحدة من أشد الأزمات وأوسعها نطاقاً على الإطلاق، حيث تشهد موجة من الصدمات سريعة التطور تتراوح بين جائحة (كوفيد – 19)، وتَقَلُّب الأسواق المالية، وهبوط أسعار النفط، والإغلاق العام على المستوى المحلي. ويتوقع صندوق النقد الدولي حدوث انكماش بنسبة 1.7 في المائة في عام 2020 في هذه المجموعة المتنوعة من الاقتصادات – أرمينيا والبحرين ومصر وجورجيا والأردن وكازاخستان ولبنان والمغرب وعُمان وباكستان والمملكة العربية السعودية وتونس والإمارات العربية المتحدة.
بينما تسَبِّب الجائحة خسائر في الأرواح والأرزاق، ليس من المعروف حتى الآن مدى تأثيرها الإنساني والاقتصادي الكامل. وتُلقي هذه الأزمة الضوء على مواطن الضعف في ميزان المدفوعات والمالية العامة، التي تحد من خيارات السياسة المتاحة للتعامل مع تداعياتها الاقتصادية. وإذا تُرِكَت مواطن الضعف هذه دون علاج، فقد تؤدي إلى فترة ممتدة من الركود الاقتصادي المصحوب بارتفاع عدم اليقين على المستوى الإقليمي، مع غير ذلك من التداعيات الممكنة التي تتضمن القلاقل الاجتماعية.
تحديات واسعة النطاق تواجهها البلدان، إذ تعاني البلدان المصدرة للنفط في المنطقة من ضربة مزدوجة في مراكز المالية العامة وميزان المدفوعات من جراء هبوط أسعار النفط بنسبة تجاوزت 50 في المائة منذ شهر يناير (كانون الثاني)، مُسَجِّلة بذلك أدنى مستوياتها في العشرين عاما الماضية تقريبا. وفي الوقت نفسه، تعاني أنشطة السياحة والنقل والبناء من اضطرابات بسبب قواعد البقاء في المنزل وغيرها من التدابير المتخذة لاحتواء جائحة (كوفيد – 19). ونتيجة لذلك، فمن المرجح أن تتحول أرصدة المالية العامة إلى مستويات سالبة تتجاوز 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عدة بلدان.
أما البلدان المستوردة للنفط في المنطقة، فكثير منها – مثل مصر والأردن والمغرب وباكستان وتونس – دخل الأزمة وهو يواجه تحديات اقتصادية كلية بدرجات متفاوتة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المكاسب المحققة من انخفاض أسعار النفط يقابلها هبوط في تحويلات العاملين في الخارج وتأثير الجائحة على السياحة والقطاعات ذات الصلة. فعلى سبيل المثال، تشكل تحويلات العاملين في الخارج حوالي 8 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في مصر وباكستان و13 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في لبنان، بينما يساهم قطاعا البيع بالتجزئة والضيافة بأكثر من 15 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في كازاخستان ولبنان.
ومن المتوقع أن يرتفع الدين العام في الاقتصادات الصاعدة في المنطقة بمقدار 127 مليار دولار أميركي مع نهاية عام 2020، مما يضع قيوداً شديدة على الحيز في المالية العامة. ومع نقص الإيرادات، لم تجد بلدان مثل عمان وتونس أي خيار إلا تخفيض الإنفاق، بينما قد تتعرض بلدان أخرى مثل الإمارات العربية المتحدة وكازاخستان لتدهور ملحوظ في مركز المالية العامة غير النفطي.
إضافة إلى ذلك، فلا تزال الأوضاع المالية على درجة عالية من التقلب. ففي شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان)، حدث تحول مفاجئ في اتجاه تدفقات رؤوس الأموال بالنسبة للأسواق الصاعدة بوجه عام، فخرجت من المنطقة تدفقات تقدر بنحو 6 مليارات دولار أميركي. وبينما استعادت بعض الأسواق الصاعدة في المنطقة (كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين..) قدرتها على النفاذ إلى أسواق رأس المال الدولية، شهدت أسواق صاعدة أخرى خروج تدفقات من رؤوس الأموال مع ارتفاع حاد في فروق العائد على سندات الدين السيادي. وهناك بلدان في المنطقة أيضا قد تواجه تحدي إعادة تمويل الدين السيادي الخارجي الذي يحل أجل استحقاقه عام 2020، وتصل قيمته إلى 24 مليار دولار أميركي، وخاصة البلدان ذات الأسواق المالية المحلية غير المتطورة.
ومع ذلك، تُواصِل البلدان استجاباتها السريعة والحاسمة تجاه الأزمة. فقد أعلنت عدة بلدان مصدرة للنفط مجموعة من الإجراءات المالية لدعم الطلب، بينما أدت قيود المالية العامة إلى قيام بلدان أخرى بتخفيض الإنفاق، بما في ذلك الإنفاق الاستثماري. كذلك استحدث العديد من البلدان إجراءات لدعم التدفقات النقدية في القطاعات المتضررة وتيسير الأوضاع في أسواق الائتمان، وقامت سبعة بنوك مركزية، منها البنوك المركزية في البحرين والمغرب والإمارات العربية المتحدة، بضخ حوالي 50 مليار دولار أميركي في نظمها المالية لدعم السيولة.
وسيكون تطبيق كل السياسات الصحيحة وفي الوقت المناسب مهمة شاقة على كثير من تلك البلدان. ولكن على صناع السياسات الاستعداد لتحقيق تعافٍ قوي. فبالإضافة إلى إعطاء أولوية للإنفاق على الرعاية الصحية، تستطيع الحكومات في المنطقة اتخاذ الخطوات التالية:
– الاستعداد لتوفير مزيد من السيولة للبنوك، ولا سيما التي تقرض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع متابعة دقيقة لمدى استقرار القطاع المالي.
– إدارة التمويل بعناية وإحراز تقدم أكبر في تطوير وتعميق الأسواق المالية المحلية لتعزيز إدارة الدين وتلبية احتياجات التمويل.
– تأجيل الإنفاق غير الضروري، وخاصة حين يكون الدين العام مرتفعا بالفعل، وترشيد الإنفاق الرأسمالي كجزء من خطة لإعادة بناء هوامش الأمان. وبالإضافة إلى ذلك، سيكون من الحكمة إعادة توجيه الإنفاق إلى المجالات ذات الأهمية الحرجة لوضع الاقتصاد على مسار مالي مستدام في المدى المتوسط.
ما الذي يحمله المستقبل؟
مع تراجع الأزمة عن ذروتها، تواجه البلدان درجة عالية من عدم اليقين بشأن الكيفية التي قد تؤثر بها إعادة الفتح المرحلي للاقتصاد على التعافي، وتطور أسعار النفط، واستمرار ضغوط التدفقات الرأسمالية. فمستويات الدين المرتفعة وما يصاحبها من مواطن ضعف في التمويل يمكن أن تضع مزيدا من العقبات أمام تدفقات رؤوس الأموال الداخلة وتفرض قيودا على سياسة المالية العامة. وإزاء تشديد الأوضاع المالية، قد تضطر البلدان ذات المديونية المرتفعة والأساسيات الاقتصادية الضعيفة إلى الاعتماد على التمويل الرسمي.
ويعمل الصندوق بنشاط على تقديم الدعم للمنطقة، وقد قدم بالفعل 10 مليارات دولار لبلدان الأسواق الصاعدة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وحصلت مصر وباكستان وتونس والأردن على مساعدات طارئة من خلال «أداة التمويل السريع»؛ كما اختار المغرب السحب من الموارد المتاحة له من خلال «خط الوقاية والسيولة» لتعزيز احتياطياته الوقائية والعمل على إدارة الاحتياجات الناشئة عن الصدمة؛ وتم تطويع برامج الصندوق الجارية مع أرمينيا وجورجيا والأردن وباكستان، وتمت زيادة الموارد المتاحة من خلالها في حالتي أرمينيا وجورجيا لتغطية الإنفاق اللازم لمواجهة جائحة فيروس (كوفيد – 19).
وبينما تُصارِع الأسواق الصاعدة في المنطقة الأثر الفوري للأزمة، ستعتمد سرعة تعافيها وآفاقها الاقتصادية في المدى المتوسط على قوة استجابات سياساتها المحلية وما تجريه من إصلاحات، وكذلك على مواطن الضعف في اقتصادها الكلي. ولا مفر من وجود تحديات في الفترة المقبلة، وقد يستغرق الأمر وقتا حتى يتحقق الاستقرار. ومع زيادة تمييز المستثمرين بين البلدان بناءً على مواطن الضعف والمخاطر، من المرجح أن تلقى الأسواق الصاعدة في المنطقة معاملة متباينة تبعا لجودة تصنيفها الائتماني. ويزيد هذا من أهمية أن تُصْدِر السياسات المحلية استجابات قوية من شأنها إرساء ركيزة قوية للتعافي.
د. جهاد أزعور
– مدير دائرة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي
الصناديق السيادية في عالم شديد التغير
تبدلت ساحة الاقتصاد الدولي بما لم تشهده صناديق الثروة السيادية منذ نشأتها الأولى في الخمسينات من القرن الماضي. فقد غيّرت الأزمات المصاحبة لوباء كورونا، بآلياتها الكاشفة لأوجه الوهن والقوة، معطيات استقرت في أساليب العمل والإنتاج والاستثمار. كما أن الصدمات المترتبة على هذه الأزمات عجّلت ببزوغ ظواهر ومستجدات اقتصادية واجتماعية وسياسية حول العالم وانضواء أخرى. ولم تزد فقط هذه الأزمات من درجات المخاطرة، لكنها ضخّمت أيضاً من حالة عدم اليقين التي اكتنفت العالم منذ سنوات سابقة على اجتياح الوباء ربوع العالم، وما شهده من أزمة في الثقة بين القوى الدولية التقليدية وتلك الصاعدة، وبين بعضها البعض. فعالم ما قبل «كورونا» كان هشاً اقتصادياً ومتوتراً سياسياً، وغير مهيأ للتعامل مع مربكات مفاجئة، وهو ما تشهد به حالات الارتباك والفوضى في التعامل مع الأزمة الصحية التي سبّبها الفيروس، وآثارها الوخيمة على المجتمع والاقتصاد.
ومع تزايد تكلفة التصدي للأزمات الراهنة وأعبائها على موازنات الدول التي لم تتعافَ من آثار الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008، وتبعاتها من انخفاض في معدلات النمو الاقتصادي، وتراجع في مستويات التجارة والاستثمار التي لم تعد أبداً لمتوسطات ما قبل الأزمة المالية، بات ينظر للصناديق السيادية كمعين للمساندات العاجلة. فوفقاً لبيانات معهد صناديق الثروة السيادية، الصادرة في مارس (آذار) الماضي، هناك 89 صندوقاً سيادياً حول العالم تستحوذ حالياً على ما يزيد على 8.5 تريليون دولار من الأصول المالية والاستثمارية، بما يقترب من 10 في المائة من إجمالي الناتج العالمي.
وقد أطلق مصطلح صناديق الثروة السيادية خبير الاستثمار، أندرو روزانوف، في مقال نشر عام 2005 عن «مَن يحتفظ بثروة الأمم»، مميزاً لها عن دور البنوك المركزية في إدارة الاحتياطي من النقد الأجنبي. وتتنوع أهداف هذه الصناديق بين تراكم المدخرات وزيادة الاستثمارات، وتختلف في استراتيجياتها في إدارة محافظها ومدى ترجمتها للتوجهات السياسية وفقاً لنظم حوكمتها والدول التي تنتمي إليها. وقد أنشئ أول هذه الصناديق في عام 1953 في دولة الكويت، ثم تزايدت انتشاراً في العقود الأخيرة لتحتضنها 51 دولة موّلتها من فوائضها المتراكمة في ميزان التجارة الدولية من تصدير سلع أولية كالنفط، أو من فوائض مالية من النقد الأجنبي تتحقق في الميزان الجاري لميزان المدفوعات. ولا ينبغي الخلط بين الصناديق السيادية ومؤسسات إدارة الأصول المحلية، وإن تسمت باسمها، فلكل أهدافه ومصادر تمويله وأولويات عمله.
وتستثمر هذه الصناديق أموالها في مجموعة متنوعة من الأصول المالية والاستثمارية كأسهم الشركات والسندات الحكومية، كما أصبحت من الروافد المهمة للاستثمار الأجنبي المباشر والاستثمار المؤسسي طويل الأجل. كما عوّلت عليها وثيقة تمويل التنمية المستدامة الصادرة في يوليو (تموز) عام 2015 عن الأمم المتحدة لتمويل برامج التنمية المستدامة، من خلال تخصيص نسبة من محافظها للتمويل طويل الأجل في مشروعات البنية الأساسية.
ولجأت الدول من قبل لصناديقها السيادية في أوقات تقلب أسعار السلع الأولية، كما يحدث الآن، مع انخفاض أسعار النفط، لتعين موازنات الدول في تلبية احتياجات الإنفاق العام العاجل. فوفقاً لمجلة «فورتشن»، أعلنت النرويج على سبيل المثال عن سحب 37 مليار دولار من صندوقها السيادي، وهو الصندوق الأكبر عالمياً، إذ تتجاوز أصوله تريليون دولار. ويعد هذا الإجراء بالسحب من خلال عملية تسييل أصول لتساند متطلبات التعامل مع تعديات الأزمة الصحة التي تزامن معها انخفاض حاد في سعر النفط، تسبب في تراجع تدفقات الدولة النقدية، بما يتجاوز 60 في المائة، ولم تكفِ عوائد استثمارات الصندوق وإيرادات الدولة السيادية الأخرى كالضرائب في سدّ فجوتها.
وفي ذات الوقت، تجد صناديق سيادية أخرى تنتهز فرصة انخفاض أسعار بعض أسهم الشركات، بفعل الأزمة الحالية، فتستثمر فيها، مستندة إلى تقييماتها وما لديها من إمكانات في قطاعاتها، فضلاً عن تميز منتجاتها وكفاءة إدارتها وقدرتها على النمو والتوسع مستقبلاً، في ظل التغيرات المحتملة؛ فالشركات لا تُشترى أسهمها بحكم ما كان لها من اعتبار، بل بما يتوقع أن يكون لها من شأن.
ولا أحسب أن الصناديق السيادية، رغم احتراف وكفاءة القائمين على أكثرها، تسلك اليوم طريقاً سهلاً، فمصادر تمويلها من فوائض، سواء أكانت من السلع الأولية أم غيرها، تعرضت لصدمات شديدة، وجانباً من أصولها انخفضت تقييماته السوقية، وتقلبت أسعارها بشدة من جراء الأزمات الراهنة، كما أن انخفاض معدلات النمو الاقتصادي العالمية يعوّق فرص استثماراتها القطاعية عبر الحدود. ومع هذا التراجع الحاد في النشاط الاقتصادي، وعدم السيطرة بعد على انتشار فيروس كورونا، فستقلّ حتماً معدلات النمو الاقتصادي العالمي عن سالب 3 في المائة، وهو الرقم الذي قدّره صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير الصادر في شهر أبريل (نيسان) الماضي.
وفي تقديري، فإن هناك 5 محددات رئيسية سترسم خطوط عمل الصناديق السيادية مستقبلاً…
أولاً؛ تزايد دور الدولة في النشاط الاقتصادي المباشر، بما يتجاوز دورها كمشرع ورقيب؛ ولما كانت هذه الصناديق أحد أذرع الدولة، فسيزيد ذلك من أهميتها في هذا الشأن، لكن الأجواء الراهنة تشير إلى ارتفاع مستوى الحساسية للاستثمار الخارجي لاعتبارات جيوسياسية، بما سيضطر بعض هذه الصناديق لاقتفاء مساراتها في الخريطة الاستثمارية العالمية، وفقاً لمؤشرات تزيد في أوزانها اعتبارات المخاطر والاعتبارات السياسية.
ثانياً؛ مع اللجوء إلى إعادة رسم خطوط الإنتاج والإمداد العالمية، في ظل التوترات والحروب التجارية السابقة على «كورونا»، وتزايد التوجهات الحمائية في سبيل حركة التجارة بعدها، مع تصاعد المناداة بإجراءات للتوجه نحو الداخل، ولو على حساب اعتبارات التكلفة والكفاءة، استجابة لتوجهات شعبوية، أو تأميناً لسلع رئيسية تنتج محلياً أو من قبل دول حليفة، سيزيد الوزن النسبي للموارد الاستثمارية المخصصة محلياً بمخاطر أعلى للتركز وإيراد أدنى في العملات الأجنبية.
ثالثاً؛ هناك توقعات شديدة الارتفاع بأن تلتزم الاستثمارات باعتبارات الآثار الاجتماعية والبيئية وضوابط الحوكمة، مع وزن أكبر للوائح والاعتبارات الصحية، وكذلك تغيرات المناخ، بما يتجاوز القواعد التقليدية للتكلفة والعائد. وسيميز هذا بين صندوق استثماري وآخر ومدى قبوله مجتمعياً ورقابياً، وفقاً لتقارير معلنة بشفافية.
رابعاً؛ مع ارتفاع حدة البطالة وشدة الركود، يُنتظر من هذه الصناديق أن يظهر أثرها التنموي في مجالات الاستثمار على النمو، وإتاحة فرص العمل اللائق، والالتزام بالحد الأدنى للأجور، والمناخ الآمن للعمل، والضمانات التعاقدية للعاملين.
خامساً؛ مع تزايد ولوج الصناديق السيادية لأسواق الديون الدولية، مقرضة ومقترضة، فإن مشكلات إدارة الديون عالمياً وتحدياتها، سواء ما تتحمله الدول أو الشركات، يجب أخذها في الاعتبار، خاصة مع زيادة احتمالات التعثر وإعادة الجدولة، في ظل تبعات الأزمة الصحية والركود.
ستُظهر هذه المحددات الخمسة، ومدى قدرة الصناديق السيادية على التعامل معها، مسارات مستقبلها واستثماراتها، في عصر تتعرض فيه الأمم، وليس ثرواتها فحسب، لتحديات غير مسبوقة.
محمود محي الدين
مرحلة مضطربة في أسواق النفط لا تسمح بتوقعات دقيقة
تلقي المرحلة التاريخية الصعبة لفيروس «كورونا» المستجد ظلالها المضطربة والمتباينة على مجمل الاقتصاد العالمي، ومنه القطاع النفطي. فتتناقض أو تتغير المعلومات والتوقعات يوميا خلال هذه الفترة حول أوضاع الأسواق النفطية. فمن ناحية، وكما توقع المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، فإن تقليص إجراءات الحجز المنزلي في دول عدة أخذ يعيد الصحة للأسواق النفطية. لكن حذر بيرول في نفس الوقت أن التحسن في الأسواق هذا هو «تدريجي» و«هش». واستبعد بيرول في تصريحاته لوسائل الإعلام إمكانية إعادة تجربة شهر «أبريل الأسود»، حيث تدهورت أسعار النفط الأميركي المستقبلية إلى أقل من الصفر، وهي الأسوأ في تاريخ الصناعة النفطية.
يتوجب أخذ الحذر من التوقعات القصيرة الأمد. فهناك نقص فاضح في المعلومات عن فيروس «كورونا» المستجد. ولا يتوفر حتى يومنا هذا اللقاح للحد من انتشار الفيروس ولا الدواء لمعالجة المصابين. كما يجب الأخذ بنظر الاعتبار بعض المتغيرات التي ستحصل نتيجة الحجر في البيوت. فهل سيتقلص السفر الجوي لرجال الأعمال خلال هذا العام، وتستبدل الاجتماعات المشتركة من خلال «المؤتمرات الهاتفية» الجارية الآن. وهل ستحاول المؤسسات الدولية تغيير طريقة اجتماعاتها من سفر المشاركين من أرجاء العالم للمساهمة في اللقاءات، أم الاكتفاء بـ«المؤتمرات الهاتفية» لتقليص النفقات في هذا الوضع الذي تعاني منه العديد من المؤسسات من تقليص في موازناتها. وما تأثير هذه المؤشرات المحتملة على السفر الجوي ووقود الطيران. وهل سيعم الاطمئنان لدى السكان في السفر بمركباتهم أو الطيران لمناطق سياحية داخل بلادهم أو خارجها واستخدام الفنادق. لقد بدأت دول الاتحاد الأوروبي تجربة محاولة الانفتاح السياحي داخل مجموعة دول الاتحاد، ومن السابق لأوانه الكلام عن النتائج الآن. فهناك خوف حقيقي عند المواطنين في مختلف أرجاء العالم نتيجة فقدان اللقاح والدواء.
يتوجب الحذر خلال هذه المرحلة الصعبة من التوقعات، إذ يمر العالم بفترة غير مسبوقة من عدم الاستقرار الصحي والنفسي وما نتج عنهما من انكماش اقتصادي عالمي. لكن يتوجب أيضا التمعن بدقة في معنى وأهمية المعلومات المتوفرة. وما النقاش الجاري في مختلف دول العالم ما بين المؤسسات الطبية المتخصصة والمسؤولين السياسيين في هذا البلد أو ذاك حول كيفية ومدى تقليص الحجز إلا مثال لما يمكن أن نشاهده لأشهر مقبلة، في غياب اللقاح والدواء. ومن حسن الحظ أن صحة الإنسان قد أخذت الأولوية هذه المرة. وأن الأطباء المتخصصين يلعبون دورا مهما في اتخاذ القرارات تحت سقف شعار «صحة الإنسان أولا». كما أن هناك النزاع والمنافسة ما بين الدول الكبرى حول تحديد مصير الجائحة وما هو العلاج لها وما مدى التعاون في القضاء عليها عند نشوبها، ما هذه الخلافات إلا مؤشرات لنزاعات جديدة إما داخل الدول الصناعية نفسها، كما هو الأمر داخل الاتحاد الأوروبي، وإما الخلاف المتنامي ما بين الولايات المتحدة والصين وإمكانية تطوره إلى حرب باردة شبيهة بما طرأ على العلاقات الغربية – السوفيتية بعيد الحرب العالمية الثانية. وهناك لا تزال مناطق جديدة يمكن أن تغزوها الجائحة كالدول الأفريقية أو تنتشر بشكل أوسع كما هو الأمر في روسيا. وهناك خوف ألا تتخذ الإجراءات المشددة لفحص المواطنين العائدين من الخارج، كما هو الأمر في بعض الدول، حيث نلاحظ زيادة الإصابات نظرا لعدم دقة الفحوص الطبية اللازمة أو الانكفاء في البيوت للمدة المطلوبة للعائدين إلى بلادهم. هذه جميعها تطورات يتوجب أخذها بنظر الاعتبار عند دراسة تأثير الجائحة على العلاقات الدولية مستقبلا، وما مدى تأثيرها على «العولمة» وانفتاح التجارة الدولية، مقارنة بالدعوات المتعددة لسياسة «الحمائية» الانكفائية النقيضة للعولمة ومدى تأثيرها على التجارة العالمية. إننا أمام انتكاسة اقتصادية عالمية، حيث هناك شح للموارد المالية بسبب معاناة عام 2020، من ثم يتوجب الحذر في دقة التوقعات.
صرح السيد بيرول الأسبوع الماضي، أن أسواق النفط تتجه بسرعة أكثر مما كان متوقعا سابقا للعودة إلى توازن العرض والطلب، هذا التوازن الذي أفقد استقراره فيروس «كورونا» المستجد. وتأكيدا لهذا الكلام، أشار التقرير الشهري الأخير لوكالة الطاقة الدولية لأسواق النفط إلى أن الطلب على النفط بدأ يزداد مرة أخرى، فبدلا من التوقعات السابقة بانخفاض الطلب العالمي نحو 9.3 مليون برميل يوميا، فإن التوقعات الآن تشير إلى انخفاض الطلب نحو 8.6 مليون برميل يوميا لعام 2020.
في نفس الوقت صرح بيرول «نجد مؤشرات أولية لإعادة توازن تدريجي لميزان العرض والطلب في أسواق النفط. والسبب في هذا هو عودة الناس إلى حياتهم الطبيعية وأعمالهم تدريجيا مع التقليص التدريجي للحجوزات في البيوت». كما أخذ يتبين أنه رغم تدهور الطلب على وقود المواصلات من بنزين وديزل ووقود الطيران استمر الطلب مستمرا على المنتجات البترولية في الصناعات البتروكيماوية. وبالنسبة للإنتاج، فقد بدأ تنفيذ اتفاق مجموعة «أوبك بلس» بتخفيض 9.7 مليون برميل يوميا في 1 مايو (أيار) كما كان متفقا عليه. وقررت السعودية تخفيضا طوعيا إضافيا بنحو مليون برميل، مما يعني أن معدل إنتاجها سيكون نحو 7.50 مليون برميل يوميا. كما انخفض الإنتاج النفطي لدول غير أعضاء في مجموعة «أوبك بلس» كالولايات المتحدة وكندا وغيرهما مثل البرازيل والنرويج حوالي 3 ملايين برميل يوميا. يعني هذا أن مجموع انخفاض الإمدادات النفطية منذ بداية الشهر الجاري قد بلغت نحو 12 مليون برميل يوميا ليصبح مجموع الإنتاج العالمي حوالي 88 مليون برميل يوميا (وهو أقل معدل للإنتاج منذ تسعة أعوام)، مقارنة بنحو 100 مليون برميل يوميا قبل نشوب الجائحة.
تزامن الإعلان عن الأرقام أعلاه، مع خفة الضغط على معدلات التخزين، فقد انخفض كثيرا التخزين في الناقلات العائمة، وتوجه التخزين بدلا عن ذلك إلى مستودعات التخزين الاستراتيجي والخزانات التجارية الثانوية، الأمر الذي ساعد بدوره في تحسن الأسعار الأسبوع الماضي.
وليد خدوري.
رهان ترمب
قبل عدة أشهر، كان الاقتصاد الأميركي يبدو في أبهى حالاته، بمعدل بطالة تاريخي وصل إلى 3.5 في المائة في فبراير (شباط) الماضي، وكان الرئيس الأميركي – على كل ما واجهه من ضغوطات لعزله عن الرئاسة – يبدو فخوراً بهذا الرقم التاريخي، ذاكراً إياه في جل خطاباته. ليس ذلك فحسب، بل بدت الأوضاع تسير بحسب ما يريد ترمب، حيث توصل إلى هدنة مع الصين في حربه الاقتصادية معها، وتوصل إلى اتفاقيات مع كندا والمكسيك، وبدا كأن إنجازاته الاقتصادية سوف تكون داعمه الأول في ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة. إلا أن الأمور لم تؤل إلى ما يريده ترمب، فجاءت جائحة كورونا لتضع العالم بأسره أمام أزمات صحية واقتصادية واجتماعية، ولتنسف في شهرين فقط، ما حققه ترمب في ثلاث سنوات.
فإحصائيات البطالة وضحت أن أكثر من 20.5 مليون أميركي غدوا في قائمة العاطلين في شهر أبريل (نيسان) وحده، أي أن نسبة البطالة ارتفعت بأكثر من 10 في المائة في شهر واحد فقط لتصبح الآن 14.7 في المائة! وأصبحت أزمة كورونا رسمياً الأسوأ للولايات المتحدة منذ الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي، حين وصلت البطالة إلى 25 في المائة، لتتجاوز الأزمة الحالية بمراحل أزمة 2007 المالية. ولن يكون تأثير هذه الزيادة المفاجئة في نسبة البطالة سهلاً على الاقتصاد الأميركي، فالاقتصاد الأميركي خسر ما يدفعه 20 مليون أميركي من الضرائب دفعة واحدة، بل وتوجب على الحكومة الآن أن تدفع لهم إعانات شهرية. في وقت أعلنت فيه الحكومة عن دعم زاد على تريليوني دولار للقطاع الخاص لمواجهة أزمة كورونا.
ولذلك فقد أعلنت الحكومة الأميركية خطتها لاستدانة نحو 4.5 تريليون دولار لهذه السنة المالية، أكثر من ثلاثة أضعاف الدين في عام 2019. وقد أشارت توقعات ما قبل كورونا إلى أن الدين العام للولايات المتحدة قد يصل إلى 100 في المائة من الناتج القومي، أما الآن فقد ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 128 في المائة. وقد أشارت التوقعات إلى أن حجم العجز قد يصل إلى 3.7 تريليون دولار. والأسوأ من ذلك كله أن أعداد الإصابات والوفيات في الولايات المتحدة لا تزال في ازدياد مستمر، ولا يبدو الوضع في تحسن حتى هذه اللحظة، خصوصاً مع تصريح الرئيس الأميركي إلى أن الوفيات قد تزيد على 90 ألفاً.
إلا أن المستغرب في الولايات المتحدة هو وضع أسواق المال التي لم تخسر كثيراً من قيمتها في المجمل هذا العام، والمتأمل في السوق المالية الأميركية يرى أنه لا يمانع وصول الدين العام الأميركي إلى مستوى تاريخي. ويبدو أن ردة الفعل هذه تعود لعدة أسباب؛ منها أن الولايات المتحدة الآن غير ملامة في الاستدانة، فهي الخطوة التي اتخذها كثير من دول العالم، لا سيما مع انخفاض تكلفة الديون في هذا الوقت. كما أن نسبة الدين هذه هي نسبة مؤقتة فرضتها الأزمة الحالية، وسرعان ما يعود الوضع كما كان. علاوة على أن الإقبال على السندات الأميركية لم يكن يوماً موضع شك، ولذلك فإن سوق المال الأميركية لا تزال إيجابية حتى هذه اللحظة.
لقد راهن الرئيس الأميركي كثيراً على تحسن الوضع الاقتصادي في بلاده قبل خوضه الانتخابات المقبلة، وقد حاول طوال الشهرين الماضيين الحفاظ على هذه المكتسبات بالتقليل من الجائحة، ومن ثم وصمها بالفيروس الصيني، كل ذلك حتى لا يتأثر الاقتصاد الأميركي سلباً، إلا أن ذلك كله جاء بنتائج عكسية بعد أن أصبحت الولايات المتحدة أكبر دولة في عدد الإصابات والوفيات.
والآن يسعى ترمب لإعادة فتح الاقتصاد مرة أخرى ولو بشكل جزئي، وهو ما قد يزيد عدد الوفيات اليومي لأكثر من 3000 يومياً بحسب إحدى الدراسات. وفي حال كانت هذه الخطوة غير موفقة، فقد تكون النتائج وخيمة للغاية، وهي تبدو الآن بمثابة مغامرة لترمب لاستعادة مكتسباته، مغامرة إن لم تنجح فسوف يكون ترمب في مأزق في الانتخابات. والظاهر أن سوق المال الأميركية هي الرهان الوحيد المتبقي للرئيس الأميركي، وهو ما سيذكره كثيراً في خطاباته مستقبلاً، تماماً كما فعل سابقاً.
د. عبدالله الردادي.
ثقافة استنزاف العمال
فازت ميليسا ديل، عالمة الاقتصاد بجامعة «هارفارد»، مؤخراً بميدالية «جون بيتس كلارك» لعام 2020. وهي ميدالية يتم منحها لخبراء وعلماء الاقتصاد البارزين ممن تقل أعمارهم عن 40 سنة. يتناول أشهر بحث لديل أهمية المؤسسات في التنمية السياسية والاقتصادية للدولة على المدى الطويل؛ ويتضمن بحثها تحذيراً للولايات المتحدة الأميركية ولدول أخرى أيضاً.
ما تعريف المؤسسة؟ تعني المؤسسة بالنسبة لأكثر الناس المنظمة الراسخة مثل مؤسسة تجارية كبرى أو هيئة مدنية. يستخدم خبراء الاقتصاد هذا المصطلح بوجه عام للإشارة إلى قواعد اللعبة التي تحكم المجتمع الإنساني. قد تكون تلك القواعد رسمية مثل القوانين، أو الأنظمة الانتخابية، أو حقوق الملكية؛ أو غير رسمية مثل العادات الاجتماعية، أو الفساد، أو التطبيق الانتقائي للقوانين.
عمل اقتصاديون مثل دارون أسيموغلو، وجيمس روبنسون، لسنوات طويلة على تطوير نظرية تفيد بأن الاختلافات في المؤسسات تؤدي إلى اختلافات كبيرة في النمو والرخاء القومي على المدى الطويل. حسب كل من أسيموغلو وروبنسون، الدول التي تتبنى ممارسات الاحتواء مثل الديمقراطية وحقوق الملكية وحرية العمل وما إلى ذلك، تصبح أكثر ثراءً على المدى الطويل، في حين أن الدول التي تسيء معاملة عمالها ومواطنيها لتستخلص منهم أكبر قيمة على المدى القصير تصبح أكثر فقراً.
إنها نظرية شاملة ومثيرة للاهتمام عن ثراء وفقر الأمم، لكن من الصعب للغاية إثباتها بالأدلة التاريخية؛ وتلك النقطة هي التي يتضمنها بحث ديل؛ فقد حللت ديل في ورقة بحثية عام 2010 التأثير طويل المدى لنظام عمل بالسُّخرة يسمى «ميتا» كان يتم تطبيقه في بيرو وبوليفيا خلال الفترة من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر. باتت تلك المناطق، التي طبقت ذلك النظام، أكثر فقراً وأقل اتصالاً بشبكات الطرق اليوم؛ ويعني ذلك ضمناً أن ثقافة الاستنزاف، التي تتبناها أنظمة العمل بالسُّخرة تؤدي إلى تراجع الاستثمار العام بمرور الوقت. كذلك تتضمن بعض الأوراق البحثية الأخرى لديل نتائج مماثلة طويلة المدى لاستغلال العمال في إندونيسيا والمكسيك وأماكن أخرى. رغم أنه لا يمكن حسم أي جدل في تاريخ الاقتصاد، الماضي شديد التعقيد ومن الصعب قياسه، مما لا يسمح بالعثور على أجوبة محددة حاسمة. مع ذلك يخبرنا التاريخ أن النظرية المؤسسية للتنمية لا تزال تجد لها أدلة تجريبية.
لهذا آثار مهمة بالنسبة للولايات المتحدة، فهي دولة كبيرة المساحة وتتسم بالتنوع، حيث يوجد بها الكثير من النماذج المختلفة للمؤسسات الجيدة والسيئة. على سبيل المثال كانت العبودية المؤسسة الأكثر استنزافاً وظلماً للبشر؛ في حين كانت مشاركة المحصول، وهو شكل من أشكال الزراعة التي يقوم بها مستأجرون للأرض الزراعية، أقل استغلالاً. وكانت الهجمات العنيفة على اتحادات العمال شائعة في مناطق صناعية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكذلك كان استغلال العمالة الزراعية المهاجرة في منطقة الجنوب الغربي شائعاً.
سوف يؤدي إجبار الناس على العودة إلى العمل إلى انتشار فيروس «كورونا» وبالتالي إلى المزيد من الوفيات. كذلك من غير المرجح إنقاذ اقتصاد الدولة بسبب غياب العملاء نتيجة خوفهم من الإصابة بالمرض أكثر من التزامهم بأوامر البقاء في المنزل.
لحسن الحظ لدى الولايات المتحدة الأميركية تقاليد مؤسسية ذات طابع احتوائي يمكنها التعويل عليها. يمكن لنظام حرية العمل، الذي كان سائداً في الشمال قبل الحرب الأهلية، وقواعد حماية العمل الصارمة، التي كان يتم تطبيقها في سلسلة البرامج (الخاصة بالرئيس روزفلت)، أن تكون أمثلة ونماذج توضح كيفية إعادة بناء مجتمع فعّال بالكامل. تحتاج الولايات المتحدة خلال العقود التالية إلى صقل مؤسساتها ذات الطابع الاحتوائي، أي إعادة بناء اتحاداتها، وجعل حقوق التصويت عالمية، والتصدي للطرق المختلفة التي يتم استغلال العمال بها. سوف يسمح هذا النهج الشامل ذو الطابع الاحتوائي للولايات المتحدة بأن تظل في مصافّ الدول المتقدمة خلال العقود التالية.
نوح سميث.
مقاومات ودفاعات: يورو + نفط + داكس
الارقام الخضراء للبيانات البريطانية اراحت السوق الاوروبي قبيل بدء التداول
العملات الورقية الى إندثار محتوم
بعد الأزمة المالية في العام 2008، قامت المصارف المركزية بضخ التريليونات في الاقتصاد الأميركي والأوروبي لتحفيز النمو، بما عُرف بالتيسير الكمّي، وكانت النتيجة أن ارتفع النمو وانتفخت أسعار الأسهم حتى بداية العام 2020.
منذ أشهر قليلة، بدأت الأسواق العالمية بالتردّد بين صعود وهبوط ،وكأنّ يوم الحساب قد اتى. وبعد فترة وجيزة ضربت جائحة «الكورونا» العالم فترنّحت البورصات وارتفعت البطالة الى مستويات غير مسبوقة، وتراجع النمو وطغى على الأسواق المالية اللون الأحمر الداكن. ولكن على أبواب الانتخابات الرئاسية، لم تشأ الإدارة الأميركية مخالفة العادة الشائعة.
تاريخياً، لم تشهد أسواق الأسهم الأميركية اداءً سلبياً خلال سنين الانتخابات منذ العام 1928 الاّ في السنوات التالية، 1932، 1940، 2000، 2008، ما عدا ذلك كان الارتفاع سيّد الموقف. وها اننا نرى إلادارة الاميركية توزّع الأموال بحسب القول الشائع اليوم، «ترمي الأموال بالهليكوبتر»، تيسير كمّي رفع الكتلة النقدية بالدولار الاميركي الى مستويات غير مسبوقة خلال شهر نيسان 2020.
إنّ استراتيجية التيسير الكمّي عبر خلق العملة أو طباعتها لا يمكن الّا أن تقود الى حالات تضخمية بإمتياز، خصوصاً إذا ما ترافقت مع أسعار فائدة شبه معدومة. وعندما نتكلّم عن التضخّم يتجّه كثيرون نحو التحوّط عبر الاستثمار بالذهب والفضة وأخيراً «البتكوين».
لم يعد خافياً على أحد أنّ مستقبل المعادن الثمينة يبدو واعداً وبقوة، وقد نصحنا منذ الصيف الماضي بالاستثمار في الذهب والفضة، ولم نزل نرى أرجحية متابعة الارتفاع في السنين المقبلة. أما الجديد، فهو التوقعات في ما خصّ «البتكوين» وهل تشكّل هذه العملة الملاذ الآمن كالمعادن؟
لقد فشل «البتكوين» حتى الآن بفك مساره عن مسار مؤشرات الأسهم الأميركية، حيث رأيناه يهوي مع هبوطها ومن ثم يعود الى الإرتفاع مع تماسكها. لكن عوامل أساسية عدة تجعلنا نعتقد أنّ تطوراً إيجابياً قد يطرأ على «البتكوين» وعلى العملات الرقمية بشكل عام ومنها:
أولاً: التضخّم والفوائد المنخفضة، هما عاملان يلعبان لمصلحة «البتكوين».
ثانياً: انّ ارتباط عملة «البتكوين» بمؤشرات الأسهم الأميركية قد يقودها الى منحى ايجابي في حال استفادت الأسهم من التيسير الكمّي.
ثالثاً: بعكس العملات التقليدية التي يُفقدها التضخّم من قيمتها، فإنّ «البتكوين» وبحكم الخوارزميات التي تحكمه، يقلّص أية توجّهات تضخمية مرة كل اربع سنوات، عبر تخفيض العوائد على هذه العملة الى النصف، خصوصاً أنّ انتاجها محدود بسقف 21 مليون وحدة «بيتكوين»، وبالتالي لا مجال لإغراق السوق بكميات كبيرة منها، رغم الطلب المتزايد عليها. وما يجدر ذكره، هو أنّ السنوات الأربع إنقضت وسيتمّ خفض العائد على تعدين «البتكوين» مرة اخرى بدءاً من شهر أيار 2020 من 12,5 «بتكوين» لعملية التعدين الواحدة الى 6,25 «بتكوين».
رابعاً: بدأت الصين منذ أيام قليلة في اصدار عملتها الرقمية، والتي تعتزم من خلالها تعميم استعمال اليوان الرقمي كعملة تبادل تجاري في حربها التجارية مع الولايات المتحدة. ويتوقّع البعض ان ترفض أميركا في الجلوس في المقعد الخلفي في مجال العملات الرقمية، وستعمد إلى إصدار الدولار الرقمي لمواجهة، ليس فقط تهديد اليوان الصيني، انما أيضاً عملة «الليبرا» والتي تعتزم شركة «فيسبوك» اصدارها رغم العرقلة الأميركية لهذا المشروع، خصوصاً ان «فايسبوك» يطال 2,5 مليار مستخدم في العالم، مما قد يؤمّن لعملة «الليبرا» انتشاراً سريعاً لا تُحمد عقباه بالنسبة للدولار الأميركي.
طبعاً، في هذا التسابق على العملات الرقمية، من المتوقّع ان يستفيد «البتكوين» من انحسار استعمال العملات التقليدية لصالح هذه العملات الالكترونية، وان كان بعضها مصدّراً من قِبل المصارف المركزية.
يبقى السؤال الأهم، هل تصح توقعات المحللين بأنّ سعر «البتكوين» سيرتفع ما بين 10 إلى 20 ضعفاً في السنتين المقبلتين؟
انّ العام 2022 لناظره قريب، رغم أنّ بعض المراقبين يشترطون لذلك تعافي أسواق الأسهم الأميركية لئلا تؤثّر سلباً على «البتكوين».
د. فادي خلف.