طرح وزير الخارجية مايك بومبيو، تقييماً قاسياً لمدى التردي الذي بلغته العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. وأشار إلى وجود اختلافات ضخمة حول سرقة الملكية الفكرية، وادعاءات بكين بأحقيتها في السيطرة على كامل بحر الصين الجنوبي، والتنافس في مجال شبكات الجيل الخامس، بجانب الغزوات المعادية على صعيدي الفضاء السيبراني والتجارة، وكذلك الانتهاكات الجمركية وحملة الإجراءات القاسية في هونغ كونغ والضغوط التي تجري ممارستها على تايوان. في الواقع، تبدو قائمة الخلافات دونما نهاية.
والآن، أغلقت كل دولة منهما قنصلية مهمة على أرض الأخرى، في وقت تدخل سفن وطائرات البلدين في مناورات خطيرة في غرب المحيط الهادي، حتى اتفاق «المرحلة الأولى» التجاري الذي جرى الترويج له منذ شهور قلائل باعتباره إنجازاً كبيراً، يبدو أمام مخاطرة كبيرة اليوم. والواضح أن إدارة ترمب قررت أن الصين ستكون محور اهتمامها منذ الآن حتى الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني).
من جانبي، تشكلت وجهات نظري بخصوص الصين على امتداد عقود عملي في المحيط الهادي، التي تضمنت كثيراً من الزيارات الرسمية ورحلات العمل والمؤتمرات منذ تركي العمل في الأسطول، إضافة إلى دراستي الوثيقة للصين باعتباري عميد كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية التابعة لجامعة تافتس.
منذ عدة سنوات ماضية، منحنا جائزة أفضل خريجي العام من كلية فليتشر إلى ليو تشياومنغ، الذي يعمل حالياً سفيراً للصين لدى المملكة المتحدة. كنت أنا وهو زميلَيْ دراسة داخل مدرسة فليتشر، ونلنا شهادتنا عام 1983. وعلى مدار العقد الماضي، أثنى تشياومنغ في بعض الأحيان على الولايات المتحدة، ودعا إلى تعزيز العلاقات بينها وبين الصين، وإن كانت الأحداث الأخيرة قد دفعته هو الآخر نحو اتخاذ مواقف أكثر تشدداً.
من جهتها، يتعين على واشنطن ثني قوس العلاقة بين أهم قوتين جيو – استراتيجيتين في القرن الحادي والعشرين نحو اتجاه مغاير لما عليه الحال الآن، لكن يتعين عليها توخي الحذر في ذلك كي لا تحطمه. في الواقع، ثمة مخاطرة كبيرة في هذا الأمر، خاصة خلال عام انتخابات داخل الولايات المتحدة التي تعاني حالة من الاستقطاب الشديد. وتكمن النقطة الأساسية هنا في أن الولايات المتحدة يجب عليها الدخول في مواجهة مع الصين بخصوص القضايا الحيوية التي تفرض عليها ذلك ـ بيد أنه يتعين عليها في الوقت ذاته السعي وراء التعاون معها أينما أمكن لها ذلك.
الحقيقة أن واحداً من مجالات التعاون الممكنة قد يبدو غريباً، ومع ذلك فإنه يحمل في طياته فرصة حقيقية للعمل معاً… القطب الشمالي. اللافت أن الصين رغم افتقارها إلى سواحل فعلية لها هناك، أبدت اهتمامها بما يطلق عليه البحارة الشمال الأعلى. ونالت بكين وضع مراقب داخل «المجلس القطبي» المؤلف من 8 أعضاء، وكانت فاعلة في العمليات البحرية، التي جاءت في الجزء الأكبر منها بالتنسيق مع روسيا. كما تتعاون الصين مع غرينلاند وأنشأت محطة قمر صناعي أرضية ومنشأة بحثية كبيرة. علاوة على ذلك، تعكف الصين على بناء كاسحة جليد ضخمة تعمل بالطاقة النووية، تبلغ زنتها 30.000 طن، ما يضاهي كبرى السفن الروسية.
ويتركز الاهتمام الأكبر للصينيين في استغلال المعادن والنفط والغاز وطرق الشحن التجارية. إلا أنه ربما تكون هناك مساحة للتعاون بين الولايات المتحدة والصين في المنطقة. ومن بين الإجراءات الأولية لبناء الثقة التي يمكن للولايات المتحدة اتخاذها فيما يخص منطقة القطب الشمالي، تنفيذ تدريبات بحث وإنقاذ مشتركة وأبحاث علمية وبروتوكولات لمدى الاقتراب المسموح به بين السفن والطائرات، «والتي يمكن في وقت لاحق تطبيقها على بحر الصين الجنوبي إذا أثبتت نجاحها في القطب الشمالي».
ويتمثل مجال آخر ممكن للتعاون بين البلدين في السيطرة على كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، خاصة أنه لا مصلحة لأي من البلدين في السماح لكيم بتوسيع نطاق ترسانته النووية (خاصة الولايات المتحدة، بالنظر إلى حلفائها الموجودين في شرق آسيا).
فيما يخص الصين، سيكون اشتعال حرب بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بمثابة كارثة، فالمؤكد أن كيم يخرج من الحرب خاسراً، بينما سينهمر سيل اللاجئين عبر الحدود بين الصين وكوريا الشمالية.
ومن خلال العمل معاً، يمكن للولايات المتحدة والصين خلق ضغوط اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية هائلة تتعذر مقاومتها على كوريا الشمالية كي تتوقف عن أفعالها الاستفزازية والسيطرة على ترسانتها النووية التي رغم صغر حجمها تبقى مهمة.
في الواقع، لم يفلح أي توجه حتى الآن مع كوريا الشمالية. ولم تنجح أي من «الدبلوماسية الشخصية» التي انتهجها ترمب و«الصبر الاستراتيجي» الذي اتبعه الرئيس باراك أوباما وتوجه «العصا والجزرة» الذي التزمه الرئيس جورج دبليو بوش، في إبطاء نمو ترسانة الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية التي تملكها كوريا الشمالية. وعلى ما يبدو، فإنه في نهاية الأمر تمر كل الطرق إلى بيونغ يانغ عبر بكين. من بين مجالات التعاون المحتمل الأخرى، البيئة. المؤكد أنه لدى الولايات المتحدة والصين، باعتبارهما أكبر اقتصادين بالعالم، مصلحة أصيلة، وتتحملان مسؤولية كبيرة إزاء تحسين الأوضاع على صعيد قضية التغييرات المناخية الآخذة في التردي. وقد نجح البلدان بالفعل في إيجاد سبل للعمل معاً عندما كان أوباما رئيساً.
وتتمثل الخطوة الأولى نحو بناء مساحة للتعاون بين الجانبين هنا، في دخول الولايات المتحدة من جديد في اتفاقيات باريس للمناخ، الأمر الذي أبدت إدارة ترمب رفضها الشديد له. إلا أنه لحسن الحظ، تعهد جو بايدن من جهته بإعادة انضمام الولايات المتحدة للاتفاقيات حال فوزه في الانتخابات الرئاسية.
ويرتبط مجال آخر ممكن للتعاون بين واشنطن وبكين في أزمة وباء فيروس «كورونا» الراهنة. ورغم وجود مشاعر سخط هائلة داخل الولايات المتحدة في الوقت الراهن إزاء الصين باعتبارها مصدر الفيروس، فإنه يبقى من مصلحة البلدين العمل على تقليص تداعيات هذا الوباء على الساحة العالمية، خاصة ما يخص الاقتصادات الناشئة الكبرى مثل الهند وباكستان ونيجيريا وجنوب أفريقيا والبرازيل. ويمكن للولايات المتحدة والصين التعاون في مجالات نشر معدات الحماية الشخصية وإرسال الخبرات الطبية والمعاونة في توزيع اللقاح عندما يصبح متوافراً والمساعدة في تخفيف حدة التداعيات الاقتصادية للجائحة.
والمؤكد أن هناك مجالات أخرى يمكن للصين والولايات المتحدة العمل معاً فيها، مثل السيطرة على الأسلحة وإقرار نظام عالمي للأمن السيبراني، «ربما على غرار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار» وعمليات الإغاثة من الكوارث، «خاصة أن البلدين يمتلكان مستشفيات بالغة التطور على متن سفن، على سبيل المثال».
ورغم أن أياً مما سبق يبدو محتملاً ما بين الآن والانتخابات الرئاسية، تظل الحقيقة أنه بمجرد تجاوزنا فترة التوتر الشديد الراهنة، سيكون من مصلحة البلدين بدرجة كبيرة على الأقل استكشاف بعض أفكار التعاون، على غرار ما سبق طرحه. وفي النهاية، فإن بومبيو ربما يكون محقاً في حديثه عن سلوك الصين الرديء، لكنه يبدو غير مدرك لمسألة أن إقرار مزيد من التعاون يشكل عاملاً جوهرياً لتغيير الأوضاع الحالية. أما البديل، فهو السقوط في هوة «حرب باردة» جديدة.
أرشيف التصنيف: المقالات العامة
أميركا وإنقاذ الاقتصاد سريعاً
يستمر تفشي المرض في الولايات المتحدة مع ظهور عشرات الآلاف من الحالات الجديدة وحوالي ألف حالة وفاة يومياً، وهو ما يجلب معاناة اقتصادية بسبب بقاء الناس في منازلهم خوفا من الفيروس. لكن بحلول الخريف القادم ستتاح للولايات المتحدة فرصة أخرى. فبفضل تقنية الاختبار الجديدة، قد تكون فرصة التغلب على فيروس «كوفيد 19» المسبب للمرض وبدء الانتعاش الاقتصادي أفضل هذه المرة حال نجحت الدولة في حشد الإرادة السياسية اللازمة والكفاءة الحكومية.
الخطوة الأولى للتغلب على الوباء هي فرض استخدام الأقنعة في الأماكن العامة، حيث ثبت علمياً وعملياً أن ارتداء الأقنعة وسيلة فعالة لإبطاء انتشار فيروس «كورونا»، لكن بعض الأميركيين ما زالوا يرفضون القيام بواجبهم بارتداء الأقنعة في الأماكن العامة. ويحظى التكليف الوطني بإلزام المواطنين بارتداء الأقنعة بشعبية كبيرة، إذ يدعمه أكثر من 8 من كل 10 أميركيين.
ثانياً، يجب أن تنخرط الدولة بأكملها في برنامج إغلاق مُستهدف بدقة يشمل حظر المطاعم والحفلات، حتى المنزلية منها، والفعاليات الأخرى التي تخلق اتصالاً داخلياً طويلاً. ويجب إنقاذ الشركات التي تعاني جراء استمرار الحظر طوال فترة الوباء.
على الكليات أيضاً إبقاء طلابها بعيداً عن الحرم الجامعي في فصل الخريف. فالمشكلة أن العديد من الكليات التي تحرص على عدم خسارة عائداتها دعت الطلاب إلى العودة إلى إسكانهم الجامعي واستئناف فصولهم الدراسية رغم كل المخاطر المعروفة، وهو ما دعا مسؤول في جامعة «ييل» إلى تحذير الطلاب من «انتشار العدوى وربما ترقب الوفيات».
إلى جانب كل هذه الإجراءات، تحتاج الولايات المتحدة بشدة إلى تحسين قدرتها على اختبار فيروس «كورونا». ففي بداية الوباء، أخطأت «إدارة الغذاء والدواء» ومراكز الحد من الأمراض في بدء الاختبارات على نطاق واسع. وفي النهاية، بدا أن الوضع يتحسن، حيث قفز عدد الاختبارات إلى حوالي 800 ألف اختبار يومياً في يوليو (تموز).
لكن هذه الأرقام المثيرة للإعجاب لم تروِ القصة كاملة، حيث يجري التعامل مع معظم الاختبارات في الولايات المتحدة بواسطة مختبرات خاصة تقوم بإرسال العينات إلى معامل المعالجة المركزية، وهو ما يستغرق وقتاً طويلاً، مما يعني الانتظار لأسبوع أو أكثر للحصول على النتائج. ومن أسباب التأخير أيضا النقص الحاد في مستلزمات الكشف الكيميائية والمواد الأخرى اللازمة للاختبار.
يمكن القول إن الاختبارات البطيئة لا تساعد في احتواء الفيروس من خلال تتبع جهات الاتصال، حيث يعتمد نهج الاختبار والتتبع على القدرة على الاتصال بسرعة بالأشخاص الذين تعرضوا لفرد مصاب ومطالبتهم بعزل أنفسهم.
لحسن الحظ، قد تكون الحلول التكنولوجية لمشكلة الاختبار البطيء متاحة الآن. وأحد الخيارات هو اختبار «المستضدات» والذي تظهر نتيجته في غضون ساعة أو نحو ذلك بدلاً من أسبوع، وهناك طريقة أخرى هي اختبارات اللعاب التي تتطلب ببساطة من شخص ما أن يبصق على قطعة من الورق. واختبارات اللعاب أرخص بكثير ويمكن أن تظهر نتيجتها بسرعة أكبر بكثير من اختبار مسحة الأنف المعتاد. وقد جرت الموافقة على اختبارات المستضدات للمرة الأولى من قبل «إدارة الغذاء والدواء» الأميركية في مايو (أيار)، فيما جرى السماح بإجراء اختبارات اللعاب مؤخراً.
القلق بشأن هذه الاختبارات هو مدى دقتها، إذ إن كلا النوعين من الاختبارات السريعة أقل دقة من اختبارات مسحة الأنف البطيئة، مما يعني أنه إذا كانت نتيجة الاختبار سلبية، فهناك فرصة صغيرة ولكنها حقيقية لإمكانية إصابتك بالعدوى. وتنجح اختبارات اللعاب، على سبيل المثال، في تحديد الإصابة في 90 في المائة من الحالات. ولذلك فإن الأشخاص الذين جاءت نتائج عيناتهم سلبية في اختباري المستضدات المضاد واللعاب سيحتاجون إلى تأكيد التشخيص باختبار تقليدي أبطأ.
لكن اختبارات المستضد واللعاب يمكن أن تكون فعالة للغاية في تتبع الاتصال، وحتى نسبة دقة في المائة تكفي لتحديد غالبية الأشخاص الذين تم الكشف عنهم من خلال الاتصال الشخصي.
كما أن التكلفة المنخفضة جداً لاختبارات اللعاب يمكن أن تجعل الاختبارات الجماعية ممكنة، ويمكن اختبار العمال الأساسيين والفئات الضعيفة مثل كبار السن يومياً، مما يقلل من الحاجة إلى تتبع الاتصال ويسمح باحتواء تفشي الفيروس بسرعة كبيرة.
كذلك ستسهل الاختبارات السريعة من إجراء التجارب السريرية لعلاجات «كوفيد 19» المسبب للمرض. وتعتبر علاجات مثل الأجسام المضادة «وحيدة النسيلة» واعدة كعلاجات محتملة لفيروس «كورونا»، ومن المحتمل أن تكون متاحة في وقت ما قبل التوصل إلى لقاح. لكن تجارب هذه العلاجات تعطلت بسبب بطء الاختبارات الأميركية، إذ يتعين على الأشخاص المصابين تناول الدواء في غضون أيام قليلة من الإصابة، ولذلك إذا لم يجر اختبارهم في الوقت المناسب، فلن يجدي الاختبار نفعا. يمكن أن تحل الاختبارات السريعة هذه المشكلة حال سمحت الهيئات التنظيمية بذلك.
إذا كان السلوك السابق يمثل دليلاً، فمن غير المرجح أن تبذل إدارة ترمب جهداً وطنياً لنشر الاختبار السريع. ولكن الآن بعد أن سمحت «إدارة الغذاء والدواء» الأميركية بإجراء مثل هذه الاختبارات، فسيكون بإمكان حكومات الولايات والمنظمات الخيرية بذل قصارى جهدها لجعلها متاحة لجميع الأميركيين. وليس هناك أمل أفضل لوقف الفيروس الخريف القادم بغير ذلك.
نوح سميث
تحديات الاقتصاد الدائري
للاقتصاد الدائري مفاهيم متعددة، تختلف باختلاف وجهات النظر، وأحد تعريفاته أنه النموذج الاقتصادي الذي يهدف إلى زيادة فاعلية الموارد من خلال تقليل النفايات بأنواعها والاحتفاظ بالقيمة على المدى الطويل وتقليل استخدام المواد الأولية، وذلك لتعظيم الفائدة على النطاقات البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
وبسبب اتساع هذا المفهوم، فللاقتصاد الدائري استراتيجيات متعددة، منها الابتعاد عن المنتجات الممكن استبدالها بواسطة أخرى أكثر استدامة، كما يحدث الآن في كثير من الدول باستبدال المواد البلاستيكية بواسطة أخرى أقل ضرر منها. وزيادة فاعلية المنتجات الموجودة بالاستفادة منها بأكثر من طريقة، وذلك لتقليل استهلاك الموارد الطبيعية. وإعادة استخدام المنتجات القابلة للاستخدام بدلا من التخلص منها. وإصلاح المنتجات المتعطلة بدلا من رميها واستبدالها من خلال أخرى جديدة، وإعادة تدوير المنتجات التالفة إن لم يكن لها أي استخدامات أخرى.
وبالاطلاع على هذه الاستراتيجيات، يتضح أن مفهوم الاقتصاد الدائري هو مفهوم شامل، يبدأ من بداية دورة حياة المنتج، وحتى نهايته، ويحاول ربط هذه البداية بالنهاية من خلال إعادة الاستخدام لتوفير المواد الأولية قدر الإمكان، والحفاظ على البيئة من استهلاك مواردها بشكل مكثف.
ويختلف هذا المفهوم بشكل كبير عن النماذج الاقتصادية الحالية، وخاصة التصنيعية منها، والتي تعتمد بشكل كبير على استخراج المواد الأولية، واستعمالها للأغراض التصنيعية، ومن ثم التخلص منها في حال تلفها وتصنيع بديل لها. وبينما يركز مفهوم الاقتصاد الدائري على تقليل التالف والنفايات قدر الإمكان، تلتفت النماذج الاقتصادية الحالية إلى تعظيم الأرباح المالية قدر الإمكان، دون النظر بشكل رئيس إلى العواقب البيئية، خاصة إن لم تكن هناك عقوبات حكومية على الإضرار بالبيئة. ويقدر الحجم العالمي للنفايات في الوقت الحالي بملياري طن سنويا، ويتوقع أن يصل هذا الرقم إلى3.4 مليار طن بحلول عام 2050.
وبالنظر إلى استراتيجيات الاقتصاد الدائري، ومقارنتها بالممارسات الحالية لكثير من الأنشطة الاقتصادية، تتضح صعوبة تطبيق بعض هذه الاستراتيجيات دون تدخل حكومي صارم. فعلى سبيل المثال، قد يبدو منطقيا للكثير من الشركات التخلص من آلات التصنيع القديمة البالية، واستبدالها بواسطة أخرى جديدة، في حال كانت الجديدة أعلى إنتاجية، ولا تلتفت هذه الشركات لمصير الآلات القديمة، بل تبحث عن أقل الطرق تكلفة للتخلص منها، دون النظر إلى إمكانية استخدام هذه الآلات لأغراض أخرى سواء كخردة أو غيرها. ويبدو هذا التصرف منطقيا من الناحية الاقتصادية، فالشركات تبحث أولا عن الربح. وكذلك هو الأمر للأفراد، فعلى سبيل المثال وفي أحوال كثيرة، يكون التخلص من السيارة المتعرضة لحادث مروري، أقل تكلفة من إصلاحها، ولا لوم على الأفراد في ذلك، إلا أن المتضرر الأول من هذه التصرفات هو البيئة.
ولذلك فإن التدخل الحكومي يكون مطلوبا في كثير من الحالات، وهذا التدخل يأتي على نوعين، النوع الأول في حال كانت إعادة التدوير ذات جدوى اقتصادية، وفي هذه الحالة يمكن للحكومة إقرار أنظمة تشجع الشركات والأفراد على الاستفادة من إعادة التدوير ورفع مستوى الوعي لديها. أما في حال عدم وجود جدوى اقتصادية، فللحكومات حينها اتخاذ القرار إما بفرض عقوبات على المخالفين، أو بإقرار محفزات تشجعهم على إعادة التدوير وتقليل استهلاك الموارد الطبيعية.
وقد يزيد مستوى التعقيد لهذه التحديات، فعلى سبيل المثال، وفي وقت يُطالب فيه الأفراد بإصلاح الأجهزة القديمة بدلا من رميها، يتذمر هؤلاء الأفراد من سياسات الشركات التي تتعمد وضع عمر محدد لمنتجاتها تتلف من بعده فيما يعرف بـ«التقادم المدبّر» وذلك لزيادة مبيعات منتجاتها المستقبلية. فكيف يطالب الأفراد بإعادة استخدام المنتجات التي صممت لاستخدام محدد الأجل، وبقطع غيار منقطعة عن الإنتاج. على الجانب الآخر، فإن الشركات تتبع هذا الأسلوب للحفاظ على مستقبلها، فحصصها السوقية تعتمد على هذه استبدال المنتجات القديمة بواسطة الجديدة. إن الاقتصاد الدائري مفهوم يهدف إلى المحافظة على الموارد الطبيعية الحالية، وعدم إفساد البيئة بالنفايات، والخاسر من عدم تطبيقه هم الأجيال القادمة. ومسؤوليته تقع بشكل رئيس على الحكومات التي يفترض أن تكون لها هذه النظرة بعيدة المدى وهذا المستوى من المسؤولية الاجتماعية. أما الشركات فهي تعمل ضمن نطاقها الذي يجعل أرباحها همها الأول. وعلى الحكومات أن تراعي الحفاظ على التوازن الاقتصادي والبيئي سويا، فلا تركز على الحفاظ على البيئة بشكل متسارع ضاربة بالاقتصاد عرض الحائط، وبالتأكيد ليس العكس من ذلك.
د. عبدالله الردادي.
ذهب وبورصات وأفيال في الحجرات
يعكس ارتفاع سعر الذهب عبر التاريخ، توقعات عموم الناس بشأن التضخم وزيادة الأسعار، أما إذا كان الارتفاع شديداً، كما رأينا مؤخراً، فهذا يشير إلى أمر آخر أكثر خطورة، ألا وهو تردي الثقة بالعملات الدولية السائدة. إذ يلجأ الناس إلى الذهب، كما فعلوا من قبل في أزمنة الحروب، وتزايد مظاهر اللايقين والقلق من المستقبل وغموض احتمالاته. فالذهب ليس استثماراً جيداً في الظروف العادية التي تتوفر فيها بدائل الاستثمار في أصول وأوعية مالية وأنشطة اقتصادية مختلفة. فهو لا يمنح حامله عائداً كالسهم أو سعر فائدة كالوديعة أو السند. ولكنه يحقق لحامليه قيمة مكتنزة، إذا كان سعره غداً لن يقل عن سعره اليوم، ليحتفظ بقيمة المال في وقت التقلبات والأزمات.
ووفقاً لمجلس الذهب العالمي، فنصف الطلب المستمر على الذهب يأتي من استخداماته في صنع الحلي والمجوهرات، وتمثل الصين والهند نصف السوق العالمية. والرافد الثاني للطلب يقوده المستثمرون الذين زاد طلبهم على الذهب بمقدار 235 في المائة، خلال العقود الثلاثة الماضية. أما الرافد الثالث للطلب على الذهب، فقادته البنوك المركزية، خصوصاً المنتمية للأسواق الناشئة والاقتصادات النامية؛ حيث اشترت هذه البنوك 550 طناً في المتوسط سنوياً بعد الأزمة المالية العالمية. أما الرافد الرابع المتنامي منذ فترة هو استخدام الذهب في الصناعات الإلكترونية، ثم فتحت تكنولوجيا النانو آفاقاً لاستخدامات أوسع في الصناعات الهندسية المتقدمة ولاحتياجات الطب والطاقة المتجددة. لكن المحددات الأهم لسعر الذهب وتغيراته يدفعها الطلب عليه لأغراض المضاربة على سعره، في ظل عرض مقيد بحدود إمكانات استخراجه والتحكم في المعروض منه. أما التغيرات الحادة في سعره كالتي نشهدها اليوم، فتدفعها ظروف عدم الثقة واللايقين.
في الماضي القريب، تعرض سعر الذهب لموجات ارتفاع حادة إبان انخفاض التوقعات في قيمة الدولار، بسبب التضخم المدفوع بأسعار البترول في أواخر السبعينيات بعد الثورة على حكم الشاه في إيران، بما هدَّد استقرار الدولار كعملة دولية. وجاءت الموجة الثانية الكبيرة في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وما صاحبها من تبعات سياسية واقتصادية التي وصلت ذروتها في عام 2011، بالخلاف في الكونغرس حول مستقبل الدين العام وسقفه، متزامناً ذلك مع الأزمة في نطاق اليورو التي هدَّدت استمرار الاتحاد الأوروبي. وفي هذه الأثناء ثارت تساؤلات حول مستقبل العملتين، الدولار واليورو، كعملتين دوليتين تشكلان حوالي 60 في المائة و20 في المائة تقريباً من الاحتياطي النقدي الدولي على الترتيب.
كان اللجوء للذهب مدفوعاً بأغراض التحوط والمضاربة، ففي الفترة التي شهدت فيها البورصات انخفاضاً بحوالي 57 في المائة من أكتوبر (تشرين الأول) 2007 حتى مارس (آذار) 2009، ارتفع سعره بحوالي 26 في المائة، وواصل ارتفاعه بعد تقلب في أسعاره حتى تجاوز سعره 1920 دولاراً، ثم بدأ في التراجع حتى وصل سعره إلى 1200 دولار، مع إعلان الفيدرالي الأميركي في عام 2013 نهاية سياسات التيسير النقدي.
وفي مطلع هذا العام، كان سعر أوقية الذهب 1520 دولاراً تقريباً، وبعد أزمة «كورونا» وتداعياتها تجاوز سعره 2000 دولار للأوقية الواحدة. حدث ذلك مع ما شهده الدولار من تراجع أمام العملات الرئيسية بسبب انكماش الاقتصاد الأميركي، والإخفاقات في التصدي لجائحة «كورونا»، واستمرار تصاعد التوترات الجيوسياسية، وشدة الاختلافات المحلية حول السياسات العامة، قبل أسابيع معدودة من الانتخابات الرئاسية.
وتتصاعد التساؤلات مجدداً حول مدى قيام الدولار بدوره كعملة دولية، ومستقبله كعملة احتياطي للبنوك المركزية حول العالم. وتُبرز تعليقات الدوريات المالية والاقتصادية تزايد تخلي بعض الدول في صادراتها عن الدولار في تسوية معاملاتها. فروسيا الاتحادية، على سبيل المثال، زادت نسبة متحصلاتها باليورو عن صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي من 38 في المائة إلى 43 في المائة، خلال الستة أشهر الماضية، كما لجأت دول آسيوية لتسوية تجارتها البينية بعملاتها المحلية، مع تزايد استخدام اليوان الصيني في المعاملات الدولية، حيث أصبح خامس عملة في التداول، سابقاً الفرنك السويسري، وإن كانت نسبته لم تتجاوز بعد 2 في المائة من إجمالي التداول الدولي؛ ولكنها في تقديري مسألة وقت، كما اعتدنا في العقود الأخيرة بشأن نمط تطور الأداء الاقتصاد الصيني ومنافسته عالمياً.
ورغم ارتفاع سعر الذهب، فإنه لم يستطع الاحتفاظ بسعر 2000 دولار، كما تأرجح سعره بفعل المضاربة ودخول مستثمري التجزئة، وكثير من المغامرين، فبعد ارتفاع إلى 2080 انخفاض بمقدار 200 دولار، حتى وصل إلى 1880 دولاراً بين 6 أغسطس (آب) حتى 11 أغسطس، ووصل سعره اليوم وأنا أكتب هذا المقال إلى 1940 دولاراً بنسبة زيادة بلغت 28 في المائة منذ بداية العام، لعلك تقارنها بسعر فائدة يقترب من الصفر على الودائع الدولارية، ولكن الأمر لن يخلو مستقبلاً من موجات تصحيح في أسواق الذهب والبورصات أيضاً.
فبعد ارتفاع قياسي العام الماضي في البورصات العالمية بلغ 29 في المائة، تعرضت البورصات لانخفاض شديد، وتقلب في أسعارها، بعد اندلاع أزمة «كورونا» استمر لأسابيع، ثم اتخذت اتجاهاً صعودياً عوضت به خسائرها. تتكاثر التبريرات حول صعود البورصات، رغم الأزمات الصحية والاقتصادية الراهنة. كذكرهم أن المتعاملين في البورصات يتطلعون للمستقبل على مدى 12 إلى 18 شهراً، وليس الأوضاع الراهنة التعيسة للاقتصاد؛ وأن البورصات مدفوعة بشركات التكنولوجيا الكبيرة، «أمازون» و«أبل» و«مايكروسوفت» التي ارتفعت أسهمها بنسب 80 في المائة و60 في المائة و35 في المائة على الترتيب؛ وأن هناك من يراهن على وجود عقار ناجع لـ«كورونا» في وقت قريب؛ وأن الأموال السائلة التي ضختها البنوك المركزية لم تجد لها وعاءً أفضل من الأسهم؛ وأن مزيداً من هذه الأموال السائلة في الطريق بما يزيد من الطلب على الأسهم. فبمثل هذه التفسيرات يبرر البعض ازدهار البورصة، رغم ركود في الاقتصاد يقترب به من حافة الكساد!
وفي هذا الصدد يطرأ بإلحاح ذكر تعبير يعبر عن حالة يكون الناس فيها مدركين لوجود مشكلات كبرى، ولكنهم ينزعون إلى تجاهلها عمداً، فيما يعرف مجازاً «بالفيل في الحجرة». وهو تعبير جاء على لسان الشاعر الروسي إيفان كريلوف في القرن التاسع عشر، الذي وصف به زائراً لمتحف لاحظ وعاين كل مقتنياته الصغيرة، وتاه عنه ذكر الفيل الكبير الذي يتصدر أروقته. ولا يمكن بحال، الادعاء بعدم رؤية أفيال من التداعيات الكبرى للأزمات الراهنة، وتأثيرها على حياة الناس، ومعيشتهم، مع ارتفاع أرقام البطالة والفقر والديون.
يبدو أن الأزمات المتزامنة التي حلت بالعالم أربكت أولويات التعامل معها، وقد تكون باعثة على الضجر من إجراءات التصدي لها. ومع الاعتياد على وجودها تنتشر مظاهر للتهاون في احتوائها، ويتزايد الركون إلى الظنون والتخرصات على الاحتكام إلى الحقائق والاستعانة بالعلم. فمع تفشي وباء كورونا، واقتراب عدد ضحاياه من مليون إنسان من إجمالي يتجه نحو رقم 25 مليون مصاب في 188 دولة حول العالم، لا يمكن تجاهل أولوية الرعاية الصحية الأولوية، وتدبير وسائل الحصول على العقار المضاد لـ«كورونا» في الإنفاق العام، لكي يصل لكل شخص من دون استثناء. ومع عدم وجود للقاح معتمد دولياً ضد الفيروس، سيظل الأثر الاقتصادي السلبي مرتفعاً بتكلفة يتحملها اليوم أكثر من 400 مليون متعطل، وفقاً لمنظمة العمل الدولية، واقتراب رقم من يعانون من الفقر المدقع من مليار إنسان. وفي هذه الأثناء ترتفع المديونات العامة مع احتمالات لتزايد حالات التعثر للدول والإفلاس للشركات.
هذه التحديات الكبرى لن يحتويها زيادة الذهب لمعاناً وسعراً، أو ارتفاع سعر صرف عملة مقابل أخرى، أو أن تحطم البورصات المالية أرقاماً غير مسبوقة؛ بل يسهم في التصدي لها سياسات محكمة الأولويات، تتصدى للأزمات الطارئة من دون إهدار لقواعد التعافي المستدام فتحقق نمواً في الاقتصاد يخفض من البطالة والفقر، ويتجه بها إلى تمويل التنمية، حيث يجب أن يكون مستثمراً في قطاعات الصحة والتعليم والمرافق الأساسية، بما في ذلك ممكنات التحول الرقمي والتنافسية في عالم شديد التغير.
د. محمود محيي الدين
توقعات بتوازن أسواق النفط
توالت توقعات كبرى مؤسسات الطاقة العالمية خلال الأسبوع الماضي حول إمكانية استقرار أسواق النفط، بعد الانتكاسة في الصناعة إثر جائحة (كوفيد – 19) وقد استهل وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان هذه التوقعات، في كلمته للجنة المراقبة الوزارية المشتركة لمجموعة «أوبك بلس» في اجتماعها عبر «الفيديو كونفرنس» الأسبوع الماضي، بقوله إن «الأشهر الثلاثة الأخيرة الماضية شهدت تحسنا كبيرا في أساسيات أسواق النفط العالمية، مما يؤكد أننا على الطريق الصحيح». وتابع: «استنادا إلى توقعات المؤسسات المختلفة، بما في ذلك منظمة أوبك ووكالة الطاقة الدولية، فإن التقديرات تشير إلى أن العالم سيصل إلى نحو 97 في المائة من الطلب على النفط من مستويات الطلب ما قبل انتشار الوباء خلال الربع الرابع من العام الحالي».
كما أشار الأمير عبد العزيز بن سلمان إلى علامات أخرى إيجابية، مثل استمرار هبوط معدلات التخزين ومستوى مخزون النفط الخام البري أو العائم في الناقلات، وصولا إلى التعافي السريع في الطلب على المنتجات البترولية مثل البنزين والديزل في عدد كبير من دول العالم.
من جانبها، عزت وكالة الطاقة الدولية احتمال توازن الأسواق إلى استقرار تسجيل حالات «كوفيد – 19» المؤكدة حول العالم بمعدل 280 ألف حالة يوميا. وتضيف الوكالة أنه رغم أن هذا المعدل العالي من الحالات المؤكدة يفوق ما تم تسجيله في بداية تفشي الوباء، فإن استقرار هذا المعدل قد شجع العودة في كثير من دول العالم إلى الحياة الاعتيادية والانخراط في الأعمال اليومية، مع اتخاذ التدابير الوقائية الاحتياطية بقدر الإمكان من استعمال كمامات الوجه والتباعد الاجتماعي والفحوص الطبية اللازمة. كما أشارت الوكالة إلى الانخفاض الحاصل في الإمدادات، حيث سجل الإنتاج الأميركي في شهر مايو (أيار) الماضي نحو 10 ملايين برميل يوميا، مما يدل على انخفاض بنحو 3 ملايين برميل يوميا عنه في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.
وأشارت إدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأميركية في الأسبوع الماضي إلى أن المخزون النفطي التجاري الأميركي قد انخفض قبل أسبوعين حوالي 1.63 مليون برميل ليسجل 512.45 مليون برميل، ليصبح فائض المخزون الأميركي 15 بالمائة أكثر من معدله للسنوات الخمس الماضية. وأشارت المعلومات الصادرة عن الشركات النفطية اليابانية، إلى أن اليابان قد استعادت 71.8 في المائة من طلب البلاد على النفط في منتصف شهر أغسطس (آب)، وأن هذا هو أعلى معدل للطلب الياباني منذ 16 أسبوعا.
وتدل معلومات دائرة أبحاث بنك ستاندرد تشارترد على أن «سوق النفط العالمية قريبة جدا من توازن العرض والطلب»، وأن الطلب في شهر أغسطس، ولأول مرة منذ 11 شهرا، قد فاق العرض بنحو 355 ألف برميل يوميا.
من الواضح مع عودة الأسواق إلى توازنها في هذه الفترة المبكرة، حيث لا تزال جائحة «كورونا» متفشية، أن هذا التطور لم يحدث بالصدفة. فهناك عوامل ثلاثة لعبت دورا أساسيا في سرعة التوصل إلى استقرار الأسواق. أولا: اتفاق منظمة أوبك مع دول مصدرة أخرى لتأسيس مجموعة «أوبك بلس»، حيث توسعت رقعة الدول المخفضة للإنتاج إلى 24 دولة بدلا من أقطار أوبك فقط. ثانيا: الالتزام الواسع بتعهدات التخفيض من قبل هذه الدول. ومحادثات رئيس منظمة أوبك مع الدول التي أنتجت أكثر من حصتها في بادئ الأمر، العراق ونيجيريا، والتوصل إلى حلول وسطى بأن تخفض هاتين الدولتين إنتاجهما في أشهر لاحقة لتعويض زيادتهما للإنتاج. ومن اللافت للنظر أن وسائل الإعلام التي تراقب جهود الدول المصدرة حول محاولات تخفيض الإنتاج لم تشكك بالأرقام الصادرة عن مجموعة «أوبك بلس»، الأمر الذي وفر مصداقية غير مسبوقة لمنظمة أوبك وحلفائها في «أوبك بلس». أخيرا: شكل تعاون السعودية وروسيا الوثيق، في الوصول إلى اتفاق تخفيض إنتاج مجموعة «أوبك بلس»، الدعامة الأساسية لنجاح الدول المصدرة. ومن المعروف أن هاتين الدولتين هما في نادي كبار المنتجين، لذا فإن تأثيرهما على الأسواق الدولية وعلى بقية المصدرين كبير ومهم لنجاح الاتفاق.
ورغم جميع هذا النجاح الذي تحقق حتى الآن، تبقى هناك تحديات مهمة خلال الأشهر المقبلة. والتحدي الأول: ما مدى انتشار (كوفيد – 19) والحاجة للانكفاء المنزلي ثانية؟ وما هو تأثير العودة إلى المدارس والجامعات خلال الشهرين المقبلين؟ وما هي سرعة إعادة آبار النفط الصخري الأميركي للإنتاج ثانية؟ وهل ستعود إلى طاقتها القصوى في القريب العاجل؟ ستلعب الأجوبة عن هذه الأسئلة دورا مهما في التأثير على الأسوأ. كما يجب توقع تغييرات في معدلات الأسعار لأسباب أخرى، جيوسياسية أو اقتصادية – صناعية، مما قد يؤدي إلى تباطؤ ارتفاع الأسعار أو حتى تراجعها عن مستواها الحالي الذي يتراوح ما بين 40 إلى 45 دولارا لبرميل نفط برنت.
وليد خدوري
اسهم مقترحة للمتابعة والتداول في الجلسة الاميركية
غاز شرق المتوسط: العوامل الجيوسياسية والبترولية
تضرب بشرق المتوسط عواصف عدة. أحدثها انفجار مرفأ بيروت، والكارثة التي حلت ببيروت البهية والعريقة على شاطئ شرق المتوسط. لماذا هذا الانفجار؟ هناك أسئلة عدة بحاجة إلى الإجابة الشفافة وذات المصداقية، هل هو الإهمال فقط؟ أو جزء من سلسلة سيطرة «حزب الله» على المنافذ الحدودية للبلاد؟ وكيف حدث الانفجار؟ هل عن طريق الخطأ؟ أم قُصف العنبر من قبل طائرات عسكرية؟
وقد أدلى شهود عيان، كانوا في مناطق قريبة من المرفأ في حينه، لوسائل الإعلام المحلية، بأنهم سمعوا أصوات طائرات تحلق في المنطقة، هذا في الوقت الذي نفت فيه مصادر رسمية تحليق طائرات إسرائيلية في المنطقة في ذلك الوقت. والسؤال المهم الذي ينتظر جواباً شفافاً وصريحاً: لماذا تكديس هذه المتفجرات الخطرة في مرفأ تجاري؟ ولماذا المحافظة عليها لسنوات عدة؟ من ثم: هل الانفجار قضاء وقدر أم محاولة أخرى لتدمير بيروت، كما صرح سعد الحريري؟ فإذا هي محاولة لتدمير بيروت، فلماذا؟ ومن المسؤول؟ هذه جميعها أسئلة بحاجة إلى أجوبة صريحة. فالذي حدث هو جريمة ضد الإنسانية. المهم أن يصدر عن اللجنة المسؤولة عن التحقيق الإعلان عن بيان لا لبس أو مداورة فيه، حول تدمير عاصمة عربية ثانية.
في النهاية، ومهما كانت فحوى نتيجة التحقيق، ستؤدي هذه النكبة التي حلت ببيروت إلى أزمة داخلية، ليس أقلها ردود فعل أهالي آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين والمتضررين، أو إلى تصعيد النزاعات الإقليمية.
وما انفجار بيروت المدمر إلا صفحة أخرى لنزاعات الشرق الأوسط في ظل الميليشيات وغياب دول مسؤولة عن مواطنيها، الناتج عنها مسلسل القتل والدمار في كل من العراق واليمن وسوريا، والآن ليبيا. وطبعا، قبل كل هذا وذاك، هناك النكبة الأولى في فلسطين. والمأساة الكبرى اليوم أن المواطن يتوقع نكبات جديدة في الشرق الأوسط. والجديد فيها الآن هو الصراع الجيوسياسي والبترولي في شرق المتوسط.
تركزت التوقعات عند اكتشاف الغاز في شرق المتوسط في بداية هذا القرن، أن تبدأ صفحة جديدة من النزاعات بين إسرائيل والدول العربية المجاورة، نظراً لتاريخ إسرائيل التوسعي للسيطرة على الموارد المائية للمناطق المحاذية لها. وهذا ما حدث فعلاً عند اكتشاف الغاز. إذ منعت إسرائيل السلطة الفلسطينية من تطوير حقل «غزة مارين» وبدء الإنتاج منه. كما وضعت إسرائيل يدها على مساحة واسعة من بلوكات 8 و9 و10 في جنوب لبنان، وتعتبر هذه المنطقة موعودة. وبالفعل فقد اكتشفت إسرائيل حقلاً غازياً بالقرب منها.
توسعت نزاعات شرق المتوسط البترولية مؤخراً مع تصاعد طموحات تركيا في عهد الرئيس رجب طيب إردوغان. فقد تحدى أولاً الاكتشافات القبرصية؛ لكنه أخفق في ثني جمهورية قبرص عن إيقاف نشاطها البترولي. وساندت دول السوق الأوروبية قبرص (الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي). ثم تنازع إردوغان مع مصر حول حدودها البحرية مع قبرص. وردت الحكومة المصرية ببيان شديد اللهجة تحذر تركيا من التدخل في شؤونها السيادية. كما بادرت القاهرة بدعوة مجموعة من الدول المصدرة والعابرة والمستهلكة لغاز شرق المتوسط للاجتماع في القاهرة، وتأسيس منتدى لغاز شرق المتوسط، وشاركت في الاجتماع التأسيسي مصر، وقبرص، وإسرائيل، واليونان، وإيطاليا، والأردن. وقد دُعي لبنان لحضور الاجتماع؛ لكن بيروت اعتذرت لمشاركة إسرائيل في تأسيس المنتدى. بادرت تركيا منذ حينه بالتوجه نحو ليبيا، وعقد اتفاقات أمنية واستراتيجية مع بعض أطراف النزاع هناك، واتجهت مؤخراً نحو حوض سرت النفطي العملاق في شرق ليبيا، مما صعَّد من احتمالات المواجهات العسكرية الجديدة (محلياً وإقليمياً ودولياً) في شرق المتوسط.
ما هي الأهداف التركية المبتغاة من تصعيد مطامعها في شرق المتوسط؟
حققت تركيا نجاحاً اقتصادياً باهراً خلال السنوات الأخيرة؛ لكن أنقرة واجهت مشكلة، وهي افتقادها حقول النفط والغاز. ورغم السواحل طويلة المدى لتركيا على كل من البحر المتوسط والأسود، لم يتم العثور على حقول بترولية؛ لكن تركيا استغلت تشييد السدود المائية الضخمة لتوليد الطاقة الكهربائية، مما ساعدها على تلبية بعض حاجاتها من الطاقة؛ لكن ليس بشكل كاف.
ومن اللافت للنظر أن تركيا التي تعتبر واحدة من دول العبور المهمة للنفط والغاز من الشرق (روسيا، وأذربيجان، وكازخستان، وإيران والعراق) إلى الغرب (دول السوق الأوروبية المشتركة)، استغلت هذه المشروعات للعب دور الترانزيت؛ لكن لم تحاول استقطاع حصة وافية لها للاستهلاك المحلي من النفط والغاز الذي يصدَّر إلى الأسواق العالمية من خلال موانئها.
رغم المشكلات العديدة التي تواجه الاقتصاد التركي، فهناك إمكانيات لتوسعه؛ إذ إن هناك محاولات بين أنقرة وواشنطن لإحلال تركيا بدلاً من الصين، لتزود البضائع الاستهلاكية للأسواق العالمية. بمعنى آخر بدء «طريق الحرير» من تركيا بدلاً من الصين؛ لكن هذه الاتصالات تواجه صعوبتين خلال هذه المرحلة: التفشي الواسع لـ«كوفيد- 19» في تركيا، والصراع التركي – الروسي في سوريا وليبيا.
وكانت علاقات أنقرة مع واشنطن قد واجهت صعوبات سابقاً أيضاً؛ نظراً لشراء تركيا نظام الدفاع الجوي الروسي «إس – 400» ضد رغبة الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه تواجه تركيا انهياراً كبيراً في قيمة عملتها المحلية بالنسبة للدولار. وهناك أيضاً تصاعد التحديات الداخلية لنفوذ إردوغان، وخسارة حزبه في انتخابات بلدية إسطنبول المهمة في مارس (آذار) 2019، كما أن هناك أزمة هوية تركية؛ فهل هي أوروبية رغم رفض الدول الأوروبية انضمامها للاتحاد الأوروبي؟ أم إنها شرقية – إسلامية؟ وما هو دورها ومركزها في هذا المجال في ظل نظامها العلماني الذي أسسه كمال أتاتورك، وتحالف الرئيس إردوغان مع جماعة «الإخوان المسلمين» التي تعتبر منظمة إرهابية في عدد من الدول؟
تحاول تركيا في عهد الرئيس إردوغان لعب دور «عثماني – إسلامي». فالرئيس إردوغان يتكلم عن علاقات بلاده التاريخية مع ليبيا، رغم أن البحر الأبيض يفصل ما بين البلدين. لقد أصبح من الواضح أن أولوياته في ليبيا جيوسياسية وبترولية. فهو يطمح للاستثمار في صناعة البترول الليبية من خلال الحصول على امتيازات استثنائية، كما قد أصبح من الواضح أن حزبه بالتعاون مع جماعة «الإخوان المسلمين» يحاول انتهاز الفرص لتوسيع نفوذهما في شمال أفريقيا، في الوقت نفسه الذي تحاول فيه إيران بسط نفوذها في دول المشرق.
الغريب في الأمر، أنه في الوقت نفسه الذي يدعو فيه حزب إردوغان لتبني نظام إسلامي، نجد أن نحو 500 ألف برميل يومياً من نفط إقليم كردستان العراق يُهرَّب إلى إسرائيل عبر ميناء جيهان التركي إلى ميناء أشكلون (عسقلان) وبأسعار مخفضة. طبعاً تحصِّل تركيا ضريبة على كل برميل من النفط العراقي المهرَّب، رغم معارضة بغداد المستمرة لهذا التهريب الذي تقوم به الحكومة الإقليمية في أربيل. وتوفر هذه النفوط المهربة نحو ربع حاجة إسرائيل من النفط الخام.
من الواضح أن انطلاق صناعة غاز شرق المتوسط ستواجه طرقاً صعبة في بادئ الأمر، حتى تتم تسوية الصراعات الجيوسياسية، إما عن طريق الحروب، كما هو محتمل في ليبيا، وإما عن طريق نجاح وساطات دول كبرى لحل النزاعات، كما هو الأمر ما بين إسرائيل ولبنان. ففي لبنان – مثلاً – بادرت الولايات المتحدة بالوساطة بين بيروت وتل أبيب، لحل مشكلة النزاع الحدودي البحري، وتشير التصريحات الأخيرة للمسؤولين المعنيين إلى إمكانية الوصول إلى حل مشترك. هذا، مع الأخذ بنظر الاعتبار، أن موعد عمليات الحفر في الجنوب اللبناني من قبل شركة «توتال» الفرنسية هو الربع الأخير من عام 2020. أما بالنسبة لمحاولات تركيا في ليبيا، فالأمر لا يزال خطراً، ويتصاعد يومياً من صراع مسلح داخلي إلى إقليمي إلى دولي.
في خضم هذه التطورات الجيوسياسية، أعلنت شركة «نوبل إنرجي» الأميركية في شهر يوليو (تموز)، وهي المستثمر الأكبر في صناعة الغاز الإسرائيلية، عن إفلاسها، نظراً لتدهور أسعار النفط. وقد اشترت شركة «شيفرون» الأميركية العملاقة شركة «نوبل إنرجي» بعد إعلان إفلاسها. وهذه خطوة مهمة. إذ قد حاولت إسرائيل لسنوات عدة جذب شركات عملاقة إلى أراضيها دون أي جدوى. و«شيفرون» هي الشركة النفطية العملاقة الأولى التي تعمل في إسرائيل. هذا يعني توفر أموال أكبر للاستثمار في صناعة الغاز الإسرائيلية، واستعمال أحدث التقنيات في الحفر في المياه العميقة.
وليد خدوري
الحرب بين الصين وأميركا لن تحدث بالصدفة
تتدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين يوماً تلو آخر، والخبر السيئ هو أن القتال قد لا يتوقف قبل العقد المقبل، والخبر السار هو أن مثل هذه الحرب لن تبدأ بالصدفة.
ثمة جدل معتبر مفاده أن الدول يمكن أن تتعثر في صراع كبير لا ترغب فيه في الحقيقة جرى إحياؤه مع تصاعد التوترات بين القوتين العظميين. ومع ذلك، يُظهر التاريخ أن الحروب الكبرى لا تحدث عن غير قصد.
كان رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق كيفن رود هو من طرح فكرة الحرب. وفي إشارة إلى نقاط الاشتعال العديدة التي تتعارض فيها المصالح الأميركية والصينية، أفاد بأن هناك خطراً متزايداً من «حدوث الصراع». قد يؤدي الاصطدام العرضي بين السفن أو الطائرات في بحر الصين الجنوبي، أو حدوث عدة سيناريوهات أخرى معقولة، إلى أزمة وتصعيد وحرب. فمثلما سارعت القوى العظمى في أوائل القرن العشرين إلى الانخراط في الحرب العالمية الأولى، يمكن للصين وأميركا أن تضلا الطريق اليوم لتصلا إلى كارثة.
غالباً ما تُعتبر الحرب العالمية الأولى المثال الكلاسيكي لحرب غير مرغوب فيها: فصراع مدمر لم يكن ليختاره أي من المشاركين لو علموا بما سيحدث. فخلال الحرب الباردة، كان صانعو السياسة الأميركيون قلقين من أن الأزمات بشأن برلين أو كوبا يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة. وهناك مجموعة من مؤلفات العلوم السياسية مكرسة لفهم كيفية حدوث حرب عرضية.
ومع ذلك، هناك مشكلة واحدة كبيرة هي أنه من الصعب تحديد أي حروب كبرى نشأت على الرغم من أن أحداً لا يريدها. فقد تبين أن المشكلة في يوليو (تموز) وأغسطس (آب) من عام 1914 لم تكن أن جداول التعبئة غير المرنة والخطط العسكرية قد دفعت بالقادة السياسيين إلى حافة الصراع. كان ذلك أن العديد من القوى، وعلى الأخص ليس فقط النمسا والمجر وإمبراطورية ألمانيا، أصرت على اتباع سياسات عدوانية كانوا يدركون أنها تخاطر بنشوب حرب محلية في أحسن الأحوال وحرب قارية في أسوأ الأحوال. علاوة على ذلك، اعتقد جميعهم تقريباً أنه إذا كان لا بد من نشوب حرب، فمن الأفضل أن تأتي عاجلاً وليس آجلاً.
بعد جيل من ذلك الحال، ربما لم يكن فرانكلين روزفلت قد توقع أن فرض حظر نفطي على اليابان سيؤدي إلى هجوم جوي على «بيرل هاربور». لكنه أدرك بالتأكيد أن الحرب كانت احتمالاً واضحاً بمجرد أن بدأت الولايات المتحدة في خنق اقتصاد بلد كان ينهب آسيا بالفعل.
وبالمثل، فإن حرب الأيام الستة عام 1967 يجري التعامل معها أحياناً على أنها صراع غير مقصود. لكن مرة أخرى، لم يتجاهل القادة المصريون خطر الحرب عندما حشدوا القوات في شبه جزيرة سيناء، وحاصروا ميناء إسرائيل على البحر الأحمر واتخذوا خطوات عدائية أخرى.
الحقيقة، بحسب المؤرخ مارك تراختنبرغ، هي أن الدول تميل إلى تجنب الحرب عندما لا ترغب فيها حقاً. نعم يخطئ القادة أحياناً في تقدير الكيفية التي ستنتهي بها الحروب ومدى تدميرها، لكن يمكن أن تتصاعد التوترات تدريجياً بطريقة تزيد من صعوبة خفض التصعيد تدريجياً.
ومع ذلك، ما من قرار أكبر من بدء صراع كبير، لذلك عندما تريد البلدان حقاً تجنب المواجهة، فإنها تكون على استعداد عموماً للتراجع، حتى إن شاب ذلك قدر من الحرج.
خلال الحرب الباردة، كان هناك كثير من سياسة حافة الهاوية بين القوتين العظميين، وبعض الحوادث المثيرة التي تورطت فيها القوات العسكرية الأميركية والسوفياتية. كان هناك العديد من حالات الفشل الوشيكة في أزمة الصواريخ الكوبية وحدها. لكن في هذه الحالة وفي كل الحالات الأخرى، تم نزع فتيل الأزمة وتراجعت القوتان العظميان، على وجه التحديد لأنهما لم تصدقا أن المخاطر تستحق حمام دم نووياً.
يبدو أن الحرب العرضية غير مرجحة اليوم، هناك كثير من الظروف التي يمكن أن تجد فيها الولايات المتحدة والصين نفسيهما في أزمة، مثلما جرى في «حادثة جزيرة هينان» عام 2001 عندما أدى تصادم في الجو إلى حدوث مواجهة دبلوماسية إثر مشاحنات بين القوات الجوية الصينية واليابانية في بحر الصين الشرقي الذي تحول بشكل غير متوقع إلى اشتباك مميت. لكن صانعي السياسة في الولايات المتحدة والصين يعرفون أن الحرب يمكن أن تصبح قضية خطيرة للغاية. فإذا سعى الطرفان حقاً إلى تجنب أحدهما، فمن المحتمل أن يجدا طريقة لتنفيذ ذلك.
هذا ليس الأمر نفسه كالقول إن حرباً صينية – أميركية لن تحدث، إذ يميل الصراع إلى النشوب عندما يقرر أحد الأطراف أن الحرب، أو الإجراءات التي تنطوي على مخاطر الحرب، هي الأفضل للعيش في ظل الوضع الراهن، أو التراجع عن إحداث أزمة. فكل تلك الاحتمالات يمكن أن تحدث بسهولة بالغة.
إذا استنتجت الصين أن تايوان تنأى بنفسها بعيداً عن البر الرئيسي سياسياً، حيث يتغير ميزان القوى لصالح بكين عسكرياً، فقد تقرر أن الحرب أفضل من ترك حلم إعادة التوحيد يفلت من أيدينا. إذا كان القادة الصينيون قلقين من انزلاق شرعيتهم المحلية، فقد يتصرفون بشكل أكثر عدوانية في الأزمات، خوفاً من أن تكون الحرب أقل خطراً من الإذلال.
قد تقامر بكين حتى بأن الولايات المتحدة ستبقى خارج حرب قصيرة وحادة مع اليابان على جزر «سينكاكو» أو الفلبين على جزر «سكاربورو شول»، وقد لا تؤتي هذه المقامرة ثمارها.
لكن في أي من هذه الحالات، قد تتخذ بكين خياراً متعمداً للبحث عن أهداف رئيسية من خلال استخدام الإكراه أو القوة، مع العلم أن نشوب صراع أكبر هو احتمال حقيقي. إذا نتجت حرب بين الولايات المتحدة والصين عن مثل هذا الخيار، فلا يمكن وصفها بأنها حادثة.
ما السبب الذي يجعل ذلك مهماً؟ لأنه يحمل أفضل طريقة لتجنب الحرب في المحيط الهادي. فمن المفيد صياغة مذكرات تفاهم بشأن كيفية تصرف القوات العسكرية العاملة على مقربة شديدة، وإنشاء آليات للتواصل في أزمة ما واتخاذ خطوات أخرى لتشجيع خفض التصعيد.
ومع ذلك، فإن الأمر المهم هو الحفاظ على توازن القوى العسكري وتصور التزام الولايات المتحدة، ما يجعل من غير المرجح أن يتخيل القادة الصينيون حرباً في المنطقة تسير في طريقهم.
تلك مهمة ضخمة وعاجلة، إذ لا يقتصر الأمر على إنفاق الأموال فحسب، بل يشمل أيضاً ابتكار مفاهيم تشغيلية وقدرات جديدة مثل الأنظمة المستقلة والذكاء الصناعي، التي تجعل من الصعب للغاية على الصين استعراض قوتها، وهو ما يتطلب ذلك تعزيز التحالفات الأميركية التي انهارت أو تضررت خلال إدارة الرئيس دونالد ترمب.
قد تبدو هذه الأجندة شاقة بالنظر إلى مدى تدهور الوضع في غرب المحيط الهادي. ومع ذلك، لا ينبغي أن يخدع الأميركيون أنفسهم بالاعتقاد بأن مجرد إدارة الأزمات والتخفيف من سوء الفهم – على الرغم من أهمية تلك الأهداف – يوفر طريقة أقل كلفة للحفاظ على السلام.
هال برندز
إلى متى ستصبر الصين؟
سبعة أشهر مرت منذ أن وقعت الولايات المتحدة والصين اتفاقية تعد المرحلة الأولى في إنهاء الحرب الاقتصادية فيما بينهما، سبعة أشهر انغمس فيها العالم بأسره في مكافحة جائحة فيروس «كورونا» حتى باتت الحرب الاقتصادية أمرا ثانويا تكاد لا تذكره وسائل الإعلام. لم يفتأ الرئيس الأميركي خلال هذه الفترة من التعريض بالصين في كل فرصة متاحة بإلقاء اللوم عليها بتفشي فيروس «كورونا»، إلا أنه لم يتخذ قرارا رسميا تجاه الصين بهذا الخصوص. والآن وبعد أن بدأ العالم يتعايش مع الفيروس إلى حد ما، استأنفت الولايات المتحدة حربها الاقتصادية ضد الصين، هذه المرة باستخدام أدوات جديدة وبقرارات رسمية.
ويبدو أن الرئيس الأميركي لم يعد يستهدف الشركات الصينية المستثمرة في الولايات المتحدة فقط كما كان بالسابق، فقد أعلن في السادس من هذا الشهر عن إمهال شركة (بايت دانس) الصينية المالكة للتطبيق الشهير (تيك توك) 45 يوما لبيع حقوق التطبيق في الولايات المتحدة لشركة أميركية. وصرح بعدها بأيام أن أمام الشركة 90 يوما فقط لإنهاء عملياتها في الولايات المتحدة في محاولة بيّنة للضغط على الشركة. وحتى هذا الوقت لا توجد شركة مؤهلة لشراء حقوق التطبيق إلا (مايكروسوفت) والتي سبق لها التفاوض مع (بايت دانس) في مايو (أيار) الماضي. وانتقاء تطبيق (تيك توك) لم يكن وليد اللحظة، فالهيئة الأميركية للاستثمارات الأجنبية بدأت تحقيقات بشأن التطبيق قبل عام تقريبا بعد استحواذ الشركة الأم على تطبيق (ميوزكلي) ودمجه مع (تيك توك) لتزيد بعد ذلك شعبية الأخير. وليست هذه هي الشركة الوحيدة التي استهدفتها الإدارة الأميركية، فقط استهدفت شركة (تينسنت) وهي ثاني أكبر شركة تقنية في الصين والمالكة للتطبيق الصيني الشهير (وي تشات) ذي المليار ومائتي مليون مستخدم وأمهلت الشركات الأميركية مدة 45 يوما فقط لإنهاء تعاملاتها مع الشركة الصينية.
والأمن الوطني هو العذر الأميركي، كما كان لكثير من الإجراءات السابقة، فالولايات المتحدة ترى أن امتلاك شركة صينية لبيانات مستخدمين أميركيين أمر يهدد أمنها الوطني. وقد يكون هذا التهديد صحيحا بالنظر إلى الأنظمة الصينية التي تعطي الحق للحكومة بالاطلاع على بيانات أي شركة صينية. ولذلك فإن الحكومة الصينية بإمكانها الاطلاع على جميع بيانات المستخدمين لهذه البرامج، ومع كون (وي تشات) أحد أكثر البرامج شيوعا بين الصينيين باستخداماته المتعددة مثل المحادثات النصية والصوتية والمرئية وتحويل الأموال، فإن الحكومة الصينية يمكنها الاطلاع على تفاصيل دقيقة لما يحدث لرعاياها، لا سيما أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة، وهو ما يقلق الولايات المتحدة تحديدا. وسواء كان هذا التهديد حقيقيا أم لا، إلا أن ما يتضح أن الرئيس الأميركي ماضٍ في حربه ضد الصين، وجعبته مليئة بالأدوات التي لا يتورع عن استخدامها، حتى أنه منع الشركات الأميركية من بيع منتجاتها لشركة (هواوي) دون الحصول على تصريح، وهو الذي سمح لها بذلك من قبل.
والسؤال المطروح هنا، إلى أي مدى ستستمر الولايات المتحدة باختبار صبر الصين؟ فالقرارات الأخيرة لم تكن عارضة، بل هي ضمن سلسلة مستمرة من ملف مواجهة أميركا للصين ومحاولاتها المستمرة لوقف تمدد الصين التقني ولكن هذه المرة عبر التطبيقات بدلا من الشركات. والمتأمل يرى أن الصين لديها مفاصل الكثير من الشركات الأميركية، فلو أرادت الصين تصعيد هذه المواجهة إلى حد (عليّ وعلى أعدائي)، لعطلت أعمال شركة (أبل) لديها وذلك قد يسبب خسائر لا يمكن حتى استيعابها للشركة الأميركية التي تملك مصانع ضخمة في الصين. و(أبل) نفسها متضررة حتى في الوضع الحالي، فإيقاف الولايات المتحدة تعامل الشركات الأميركية مع برنامج (وي تشات) يعني أن تحذف (أبل) هذا التطبيق من متجرها، وهو ما سيقلل شعبية (الآيفون) في الصين والذي تشكل مبيعاته هنالك أكثر من ثلاثة ملايين جهاز شهريا.
إن ردة فعل الصين لا تصل حتى هذه اللحظة إلى مستوى حدة وجرأة القرارات الأميركية، ويبدو أن السبب في ذلك هو عدم تعجل الصينيين لتحقيق مكاسب من وراء هذه الحرب، بينما تضغط الانتخابات الرئاسية على الإدارة الأميركية في تحقيق مكاسب قبل بدء الانتخابات. هذه النقطة تحديدا قد تبرر عدم اتخاذ الصين أي قرارات تصعيدية وانتقامية حادة حتى هذه اللحظة، ففي حال عدم ترشح الرئيس (ترمب) لولاية قادمة قد تنخفض حدة هذه الحرب وتعود المياه لمجاريها، ولكن لو بقي (ترمب) على كرسي الرئاسة لأربع سنوات إضافية، فقد يختلف سلوك الصينيين الذين قد لا يمكنهم الصبر لهذه الفترة بنفس ضغوطات السنوات الثلاث الماضية.
عبدالله الردادي
هل ينبعث الإقتصاد من وراء دخان بيروت؟
ثلاثة أشياء ستجعل العالم أفضل في أعقاب زوال وباء «كورونا»
أدى الحجم الكبير لكارثة وباء «كورونا المستجد» فضلاً عن حالات الإغلاق الاقتصادي العامة الناجمة عنها، إلى ظهور سلسلة من النقاشات والعديد من التساؤلات بشأن الصورة التي سوف يكون عليها العالم فور تخفيف تدابير الإغلاق الصارمة على المجتمع: هل ستنخفض معدلات السفر والرحلات؟ وهل ستتغير المعايير المعهودة سلفاً في المدارس وفي الفعاليات والمناسبات العامة ذات النطاق الأوسع على مدى السنوات المقبلة؟
ومن الأمور الأقل إثارة للانتباه، وإنْ كانت على نفس القدر من الأهمية أيضاً، هي احتمالات أن يتحول وباء «كورونا المستجد» إلى أحد العوامل المحفزة على إجراء الإصلاحات الأوسع نطاقاً في النظام الاقتصادي العالمي. ولقد بدأ النقاش بشأن مَواطن إخفاق الاقتصاد العالمي بالفعل قبيل انتشار الوباء الأخير، والذي تمخض عن إحساس مفاده بأن الاتجاهات الرأسمالية والشركات العديدة قد أصبحت من الطفيليات التي تتغذى على حياة هذا الكوكب.
وينبغي على البلدان الثرية حول العالم، في أعقاب زوال الوباء الراهن، أن تبذل المزيد من الجهود الواجبة وبأكثر من مجرد انتظار الشركات الرأسمالية أن تتخذ خطوات معتبرة على طريق التغيير. كما يتعين على البلدان الثرية أيضاً أن تعمل على إصلاح السياسات النقدية لديها، وتفرض التغييرات على أنماط الاستثمار الخاصة التي تشرع في تحفيزها بين الحين والآخر، فضلاً عن اتخاذ المواقف الواضحة – وربما الصارمة – في تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار على الصعيد الوطني.
وحتى الآونة الراهنة، تواصل السياسات النقدية المعتمدة لدى البلدان الثرية منح المكافآت الخاصة لأصحاب الأصول المالية الكبيرة على حساب أولئك الذين يملكون مخزوناً معتبراً من الأصول الحقيقية المتمثلة في الأراضي، أو المصانع، أو العمالة. ومرجع ذلك إلى البنوك المركزية القوية حول العالم والتي منحت الأولوية القصوى في السيطرة على التضخم الاقتصادي على حساب توسيع الإمكانات والقدرات الصناعية والتوظيف فيما بات يُعرف باسم «الاقتصاد الحقيقي».
ولقد أسفرت حالة الوضع الراهن في البنوك المركزية القوية، تلك الحالة التي ظلت تخيّم على مجريات الأحداث طيلة العقود الأربعة الماضية، عن تشجيع الشركات، لا سيما الشركات الكبرى ذات الأسهم المتداولة في مختلف البورصات العالمية، في التركيز على المكاسب المالية ذات الأجل القصير، وعلى أسعار الأسهم، وكل ذلك على حساب الاهتمام بمتابعة الاستثمارات المهمة ذات الأجل الطويل والتي تؤدي إلى جني المزيد من الثمار والعوائد المشتركة على نطاق أوسع بكثير. ولقد أدت مضاعفة المكاسب لدى أولئك الذين يملكون في الواقع الكثير من رؤوس الأموال إلى شيوع حالة من عدم المساواة في الدخول المتأصلة مع ركود واضح في الأجور أسفر عن معاناة كبيرة يتكبدها المواطنون في عشرات البلدان الأخرى على مستوى العالم.
وفي الولايات المتحدة وحدها، من المتوقع لبنك الاحتياطي الفيدرالي أن يواصل العمل بموجب التفويض ذي الشقين الذي يرمي إلى تعزيز «الحد الأقصى من العمالة» مع العمل على استقرار الأسعار في الأسواق الأميركية (عن طريق الحد من التضخم في الاقتصاد). ومع ذلك، وفي حين أن البنوك المركزية الكبرى – من شاكلة بنك الاحتياطي الفيدرالي – لديها أهداف شديدة الوضوح فيما يتعلق بالتضخم الاقتصادي، فإنها تهدف في الأحوال المعتادة إلى الحفاظ على معدل التضخم العام عند نقطتين مئويتين فقط، غير أنها لا تملك أهدافاً على نفس القدر من الصراحة والوضوح فيما يخص معدلات البطالة العامة في البلاد.
ومن شأن بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة أن يفرض سياسات جديدة تماماً تهدف إلى تخفيض معدلات البطالة في البلاد – أو بصورة أكثر صرامة، معدل البطالة الناقصة – لأن يكون هو الدافع المحفز الجديد فيما إذا كان البنك المركزي الأميركي سوف يقرر دفع أو كبح جماح المحفزات المالية في الاقتصاد الوطني. ومن شأن هذا التحول أيضاً أن يؤدي إلى تفادي مخاطر انخفاض الأجور، وأن يكون مفيداً بالنسبة إلى مجموعات قوة العمل التي تتعرض للتمييز المستمر ضدها أو غالباً ما تكون ضحية شعار «أول المفصولين هو آخر المعيّنين». والأهم من ذلك، أن ذلك التحول سوف يمنح المكافآت للشركات على الاستثمارات ذات الأجل الطويل التي تعمل على تعزيز مجريات النمو الاقتصادي الحقيقي.
ما الوسائل الأخرى التي يمكن الاستعانة بها في تحفيز وتشجيع الأسواق المالية حول العالم على منح الأولوية للاستثمارات الحقيقية البناءة؟ من شأن الحكومات البدء في فرض حِزم الضرائب المرتفعة على دفعات توزيع الأرباح على كبار المساهمين في الشركات الكبرى ذات الأسهم المتداولة علناً مع إقران ذلك بتخفيض حزم الضرائب على الاستثمارات ذات الأجل الطويل.
وليس من المستغرب أن المستثمرين – الذين كانوا خلال السنوات الماضية ينظرون إلى مشهد عام من النمو الاقتصادي البطيء إلى المعتدل على مستوى العالم – كانوا في الوقت نفسه يبحثون على العوائد المالية السريعة بدلاً من الاهتمام بالاستثمارات البناءة ذات الأجل الطويل – وربما المحفوفة بقدر معتبر من المخاطر – في بعض الأحيان. واستناداً إلى طلبات المساهمين، كانت الشركات والأعمال خلال السنوات العشر الماضية تركز جهودها على الوصول إلى العوائد بوتيرة سريعة ومتوقعة من قِبل المستثمرين بدلاً من الاستثمار في مشاريع البنية التحتية ذات الأفق الكبير – مثل الجهود البحثية، وبناء المصانع، وصناعة الآلات – والتي من شأنها أن تسفر في خاتمة المطاف عن المزيد من الابتكار ثم مزيد من تحفيز النمو الاقتصادي بصورة أوسع نطاقاً.
ووفقاً لتقرير صادر في عام 2019 الماضي تحت إشراف السيناتور الجمهوري ماركو روبيو عن ولاية فلوريدا، جاء بعنوان «الاستثمارات الأميركية في القرن الحادي والعشرين»، فإن صافي الاستثمارات المحلية الخاصة في محافظ الأصول الثابتة من شاكلة المعدات، والآلات، والممتلكات، قد تقلص إلى مقدار النصف منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي.
ومن شأن حزم الضرائب المرتفعة على دفعات توزيع الأرباح الكبيرة وعلى الإعانات الحكومية الفيدرالية في الاستثمارات ذات الأجل الطويل، أن تساعد الولايات المتحدة على عكس المسار الاقتصادي.
كما أننا في حاجة ماسة إلى التعامل مع مواطن تركيز الشركات الكبرى. فمن أجل العمل على إصلاح البنية الاقتصادية العالمية السائدة راهناً، من شأن الحكومات الرائدة حول العالم أن تتعامل مع حقيقة مفادها بأن العديد من قطاعات الاقتصاد – مثل قطاع الطيران، والمصارف، والتكنولوجيا – قد وقعت تحت رحمة التكتلات الاحتكارية التي يهيمن عليها عدد قليل من الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات. ومن المعروف أن الأسواق في «عصر التكتلات الاقتصادية» تقل فيها المنافسات مع ارتفاع التركيز على قوة التسعير لدى الشركات الكبرى ذات الاتصالات الوثيقة.
ولقد ثارت عدة دعوات من قبل إلى تقسيم كبريات شركات التكنولوجيا أو العمل على الإقلال من أحجامها الهائلة أو الحد من توجهاتها الاحتكارية الواضحة. ومع ذلك، فإن العديد من الجهات الرقابية والتنظيمية على الصعيد الوطني تتخذ موقف الند بالند من الشركات العالمية الكبرى التي تتمكن بكل سهولة من استخدام قواعد أعمالها المتعددة في المراوغة أو التهرب الصريح من إنفاذ القواعد الرقابية غير الملائمة لها ولأعمالها. لذلك، سوف تكون هناك حاجة أكيدة إلى قيام التعاون الرقابي والتنظيمي الدولي من أجل كبح جماح القوة المطلقة من دون القيود التي تحظى بها تلك الشركات العملاقة ذات الجنسيات المتعددة.
وفي الآونة التي يبدو فيها العديد من الحكومات حول العالم مدفوعة بالنزعات القومية، فإنه يصعب كثيراً تصور قيام حالة من التعاون الفعال عبر الحدود بين البلدان. ومع ذلك، فإن المآثر الواضحة على التعاون العالمي من الماضي القريب – على شاكلة إنشاء نظام بريتون وودز (الاسم الشائع لمؤتمر النقد الدولي الذي انعقد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية) – تقدم أبرز الأمثلة على القادة والزعماء الذين يتمكنون من الالتقاء في لحظة ما في خضمّ التحديات العالمية الهائلة من حولهم.
وعليه، فإن أزمة الوباء الراهنة لا توفر لنا الفرصة السانحة من حيث إعادة النظر والتفكير في أفضل سبل العيش والعمل فحسب، بل إنها توفر الفرصة أيضاً لإعادة النظر والتفكير ملياً في الطريقة المثلى التي تعمل بها هياكل الاقتصاد العالمي.
* خبيرة اقتصادية
دامبيسا باميو
الحوافز الاقتصادية لتقويم السلوك العام
تعد الحوافز الاقتصادية إحدى أكبر الأدوات التي تمتلكها الحكومات لتوجيه بلدانها، وسواء كان ذلك لحل مشكلة موجودة أو لمنع حدوث أخرى، فقد أثبتت هذه الأداة فعالية كبيرة في تقويم السلوك العام على مستوى العالم. والأمثلة على هذه الحوافز كثيرة مثل المخالفات المرورية والغرامات التجارية بأنواعها والضرائب المنتقاة على السلع الضارة صحيا. ورغم كون هذا الأسلوب متبعا عالميا، إلا أن نتائج هذه الحوافز تتفاوت، فمنها ما قد لا يغير شيئا أبدا، ومنها ما يأتي بنتائج إيجابية، ومنها أيضا ما قد يأتي بنتائج عكسية تماما.
ولعل المثال الأشهر على النتائج العكسية للحوافز الاقتصادية، ما يعرف بحالة مدارس الأطفال، حيث أقرت إحدى المدارس غرامة على الآباء الذين يتأخرون عن أخذ أبنائهم من المدارس بعد انتهاء وقت المدرسة، وذلك لحث الآباء على عدم التأخر الذي عادة ما يضر بالمدرسين. ولكن نتائج هذه الغرامة كانت عكسية تماما، فبعد 12 أسبوعا من تطبيق هذه الغرامة، اتضح أن تأخير الآباء تضاعف. فقبل تطبيق الغرامة، كان دافع الإحساس بالذنب تجاه المدرسين هو ما يجعل الآباء يسرعون في أخذ أبنائهم، أما بعدها، فقد أحس الكثير من الآباء أن هذا التأخير مدفوع الثمن، ولا داعي للإحساس بالذنب تجاه أمر يدفعون ثمنه نقدا.
في المقابل، من الأمثلة على نجاح الحوافز الاقتصادية (أو الغرامات) في تقويم السلوك العام، ما حدث في إيرلندا عام 2002. حيث أقرت الحكومة الإيرلندية ضريبة على استخدام الأكياس البلاستيكية في التسوق وذلك حماية للبيئة من الآثار السلبية لهذه الأكياس التي قد يستغرق تحللها عشرات الأعوام. وكانت النتيجة أن انخفضت نسبة استخدام الأكياس بنسبة 94 في المائة خلال أسبوعين فقط.
هذا الفارق الشاسع بين الحالتين اللتين يفترض أنهما تستخدمان ذات الأسلوب لتغيير السلوك العام حفز الكثير من الباحثين على التعرف على العوامل المؤثرة على نجاح الحوافز الاقتصادية في تغيير السلوك العام. ويتضح أن الهدف من الحالة الإيرلندية كان هدفا أخلاقيا بحتا، فالحكومة الإيرلندية أرادت التخلص من الأكياس البلاستيكية لأثرها السلبي على البيئة، وتمكنت من خلال مداولات عامة وحملات دعائية من إيصال هذه الرسالة إلى الشعب الإيرلندي الذي يبدو أنه اقتنع أن هذه الضريبة كانت للصالح العام، ولم يكن الهدف من ورائها جني الأموال لصالح الحكومة. أما في حالة مدرسة الأطفال، فالرسالة التي وصلت للآباء هي «بإمكانكم التأخر عن أبنائكم طالما دفعتم الغرامة»، ولذلك فلم يمانع الكثير من الآباء في دفع الغرامة التي يبدو أنها ناسبت ظروفهم. في الحالة الإيرلندية استطاعت الضريبة أن تقوم السلوك السلبي، أما في حالة المدارس فقد أراحت الغرامة ضمير الآباء المتأخرين عن أبنائهم.
والشبه كبير بين هاتين الحالتين وما يحدث اليوم، فالكثير من الغرامات ورغم ارتفاعها وتطبيقها منذ فترات طويلة، إلا أنها لم تتمكن من إنهاء السلوك السلبي، بل تعايش الناس مع هذه الغرامات والضرائب على أنها أمر واقع ومن ضمن التكاليف الدورية. والأمثلة على هذه الغرامات كثيرة، امتدادا من المخالفات المرورية للأفراد إلى الغرامات التجارية على المنشآت المخالفة للشروط الأمنية أو الصحية أو حتى القوانين التجارية البسيطة. وفي بعض الحالات لا يبدو أن أيا من الأطراف منزعج بشكل كبير من هذا الحال، فالجهة المحصلة لا تمانع في تحصيل هذه الغرامة دون النظر في جدوى وجود هذه الغرامة في تخفيف السلوك السلبي، والجهة التي تدفع الغرامة لا ترى تقصيرا في الجانب الأخلاقي لارتكابها السلوك السلبي طالما دفعت الغرامة المترتبة عليها.
إن الهدف الأساسي من وجود الغرامات والحوافز الاقتصادية هو تقويم السلوك العام، واستخدام هذه الغرامات كحافز إضافي للحافز الأخلاقي، وفي حال عدم الالتفات لنتائج الإحصائيات الموضحة للتغير في السلوك سلبية كانت أم إيجابية، فإن وجود
الغرامات لا يتعدى كونه نظاما يطبق ولا يعطي أي نتائج سوى المبالغ المدفوعة. هذه الغرامات لا تحتاج إلى خبراء اقتصاديين فقط لتقييم جدواها ومعرفة الأثر الاقتصادي منها، بل تحتاج بشكل أكبر إلى خبراء نفسيين يدركون تأثير فرض هذه الغرامات ومدى تقبل الناس لها، كما أنها تحتاج وبشكل أكثر إلى توضيح المغزى من ورائها وإيصال رسالتها بشكل واضح لعموم الناس، ماذا وإلا فإن النظرة العامة لها ستكون نظرة سلبية بحتة، ولن تضيف هذه الغرامات إلا أرقاما توضح عدد مرتكبي المخالفات.
د. عبدالله الردادي
صندوق التعافي الأوروبي ولعبة الأمم وعملاتها
كلما مر عام على اليورو كعملة للاتحاد الأوروبي، منذ مولده في عام 1999، تذكرنا بأنه مشروع سياسي في الأساس يأتي التزاماً في إطار للوحدة الأوروبية التي صممت ترياقاً لمائة سنة من الحروب المدمرة بين دولها تخللها فترات سلام متهافت. صدر اليورو مفتقداً للمقومات الاقتصادية والمؤسسية لاستقراره واستدامته؛ فالوحدة النقدية يلزمها وحدة في الرقابة المالية، وليس مجرد تنسيق بين أجهزتها، كما تتطلب نظاماً موحداً لحماية الودائع، وفي المقام الأول فهي تستوجب وحدة في السياسات المالية العامة وليس فقط تشاوراً غير ملزم لوزرائها ومعدي الموازنات الوطنية. وهذه المستلزمات الأولية للوحدة النقدية تحتاج إلى متابعة ورقابة سياسية، بمعنى سلطات أعلى للبرلمان الأوروبي على حساب البرلمانات الوطنية، وهنا تبرز اعتبارات السيادة الوطنية مقابل الاتحاد الإقليمي.
وتأتي الأزمات فتختبر مدى صمود اليورو لأنوائها مثلما فعلت به من قبل الأزمة المالية العالمية في عام 2008، فوجدته عارياً من غطاء المالية العامة لضبط التحويلات بين دوله وتحديد أولويات الأنفاق. ولم يكن لموازنة الاتحاد الهزيلة أن تحصل إيرادات ضريبية أو تصدر سندات. فأخذ البنك المركزي الأوروبي على عاتقه مهمة الدفاع عن اليورو وفقاً لسياسة لخصها ماريو دراجي، رئيس البنك السابق، في كلمات «القيام بكل ما يلزم» للتصدي للأزمة، وهو ما تم بتكاليف باهظة.
واليوم تتحدى الوحدة الأوروبية ذاتها، وليس وحدتها النقدية فقط، عاصفة «كورونا» الكاملة ذات الأزمات المركبة المصاحبة لانتشارها بأبعادها الإنسانية والاقتصادية والمالية، بما في ذلك تفاقم مشكلات المديونية. وللتصدي لهذه الأزمة قادت ألمانيا وفرنسا تنفيذ فكرة تأسيس صندوق للتعافي قوامه 750 مليار يورو بما يعادل 5 في المائة من الناتج المحلي الأوروبي يقوم على فكرة التضامن بالاقتراض الجماعي لأول مرة باسم الاتحاد، والإنفاق من موارده من خلال قروض ميسرة مقدارها 360 مليار يورو، ومِنح لا ترد مقدارها 390 مليار يورو. وسيعطي هذا الصندوق إمكانية للموازنة الموحدة للإنفاق بنحو 1.8 تريليون دولار على مدار سبع سنوات لمواجهة تبعات الوباء والكساد المصاحب له، بما اعتبر خطوة في طريق طويل نحو وحدة المالية العامة. وبعد مفاوضات مضنية تمت الموافقة على الصندوق وآليات عمله في اجتماع لقادة الاتحاد وُصف عن حق بالتاريخي في الحادي والعشرين من يوليو (تموز)؛ وإن كان ذلك كله ما زال في انتظار الموافقات البرلمانية للدول الأعضاء، وهو أمر يصعب التكهن بنتيجته في ظل حالات الاستقطاب والتنافر السياسي.
وقد بدأت التكهنات والمضاربات على مستقبل سعر الصرف بين الدولار واليورو وإعادة تقييمهما وفقاً للمعطيات الجديدة في الأجل القصير. وفي الأجل الأطول هناك الأهم، ألا وهو مستقبل اليورو مقابل الدولار كعملة احتياطي، خاصة مع بزوغ مقترحات وترتيبات جديدة لتسوية المدفوعات الدولية، منها ما يستند إلى دور متصاعد لليوان الصيني، وأخرى تدعو للارتكاز على سلة عملات أو وحدات حقوق السحب الخاصة التي يصدرها صندوق النقد الدولي، فضلاً عن المناداة بزيادة مكون الذهب في الاحتياطي للنقد الأجنبي، وهو اتجاه متصاعد منذ سنوات.
والعودة للجذور التاريخية للوضع الحالي للنظام النقدي الدولي تعين على فهم الواقع واستشراف احتمالات المستقبل. فقد بدأ الدولار في تمتعه بمصداقية كعملة دولية في العشرينات من القرن الماضي، ذلك عندما عجز الجنيه الإسترليني عن الوفاء بالتسوية الفورية للمدفوعات الدولية في فترة ما بين الحربين واضطراب النظام النقدي لبريطانيا. ثم تحققت للدولار الهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ كان الاقتصاد الأميركي في حالة أفضل بعد الحرب من الاقتصادات المنافسة. ثم جاءت اتفاقية بريتون وودز بترتيبات أعطت للدولار امتيازاً بجعله عملة احتياطي دولي قابل للتحويل بمقدار 35 دولاراً للأوقية من الذهب (السعر الآن 1940 دولاراً!).
كان الاقتصادي فون ميزيس، رائد المدرسة النمساوية، من معارضي ترتيبات بريتون وودز فيما يتعلق بامتياز الدولار، لاحتمالات سوء استغلاله بالتوسع في الإصدار النقدي للدولار. وظهرت مؤشرات أولية لعدم إمكانية استمرار هذا الامتياز مع نهاية الخمسينات. وقد كان من تلاميذ فون ميزيس الاقتصادي جاك روف، مستشار الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول الذي عارض استمرار هذا الامتياز وعبّر عن ذلك في مؤتمر صحافي في عام 1965، واصفاً نظام الصرف الذي رتبته اتفاقية بريتون وودز بـ«المستغل والخطير»، ناصحاً بالعودة لنظام نقدي يعتمد على الذهب. وفي عام 1970 صدر تقرير فيرنر نسبة لرئيس حكومة لوكسمبورغ، بناءً على توصية بإعداده من القمة الأوروبية. وشرح التقرير خطة من ثلاث مراحل لإيجاد عملة موحدة لأوروبا في خلال عشر سنوات، ولكن لم ترَ هذه الخطة النور بضغوط أميركية.
ومع ارتفاع معدلات التضخم الأميركية، بزيادة المعروض النقدي في بداية السبعينات، اهتزت الثقة في نظام التحويل التلقائي للدولار إلى الذهب، وتوالى خروج الدول من نظام صرف بريتون وودز، وكان منها ألمانيا (الغربية وقتها) ثم سويسرا وغيرهما مطالبين بتحويل ما تحوزه من دولار إلى ذهب كما يقضي الاتفاق. وفي عام 1971 قررت إدارة الرئيس الأميركي نيكسون، التي كانت تعاني بلاده من ركود مصاحب بتضخم وتراجع في التنافسية الدولية لمنتجاتها لصالح المنتجات اليابانية والأوروبية، بتعليق التحويل التلقائي للدولار إلى ذهب. وتم إغلاق «نافذة التحويل التلقائي» من الدولار إلى الذهب. وبرر نيكسون في خطاب متلفز لشعبه القرارات التي اتخذها، بعد استشارة خمسة عشر من كبار مساعديه، بأنها للحفاظ على عملتهم. وقرر زيادة التعريفة الجمركية على الواردات بمقدار 10 في المائة لحماية المنتجات أميركية الصنع، مهدئاً من روع مشاهديه بأن هذه الإجراءات سترفع سعر الواردات، لكنها ستحمي المنتج المحلي وتحافظ على سعره.
أما الامتياز الفياض فهو التعبير الذي استخدمه جيسكار ديستان، الذي رأس فرنسا في الفترة من 1974 حتى 1981، في وصف المزايا التي يتمتع بها الاقتصاد الأميركي بفضل تسوية النسبة الأكبر من المعاملات الدولية بالدولار. وجعل هذا الاقتصاد الأميركي قادراً على تمويل عجز الموازنة العامة والحساب الجاري لميزان المدفوعات بتدفق مستمر لرؤوس الأموال إليه. ويزيد ريع الإصدار للعملة الأميركية بتزايد نمو الطلب الدولي عليها؛ فكل حامل للدولار الأميركي مقرض لاقتصادها.
وقد عاد مشروع العملة الموحدة في عام 1989 بتقرير السياسي الفرنسي جاك ديلور أثناء رئاسته للمفوضية الأوروبية، كتتويج للسوق الأوروبية الموحدة وحرياتها الأربع المتضمنة حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال والخدمات والعمالة. ودعم هذا التوجه الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا ميتران والمستشار الألماني السابق هيلموت كول بالدفع بأن هذه الإجراءات مجتمعة من شأنها الوصول بأوروبا إلى اتحاد فيدرالي لا يختلف عن المعمول به في الولايات المتحدة؛ كان هذا هو الطموح الأوروبي وقتها.
بدأ العمل الفعلي بالعملة الموحدة في عام 2002، واعتمدتها 12 دولة من الأعضاء في الاتحاد، وتبعتها 7 دول أخرى لتشكل فيما بينها دول نطاق اليورو. ويتعامل به 340 مليوناً من المقيمين في هذا النطاق الجغرافي، بالإضافة إلى ست من غير الدول الأعضاء. ورغم أن اليورو هو ثاني أكبر عملة في العالم من حيث الحجم والتجارة في العالم، فإنه يحتل المرتبة الأولى من حيث التداول عالمياً لأوراقه النقدية وعملاته المعدنية التي يصدرها البنك المركزي الأوروبي.
وإذا كان بقاء عملة اليورو متمتعة بالقبول هو المقياس الأعلى للنجاح، فإن هذه التجربة الكبرى للوحدة النقدية قد نجحت، حتى الآن، وذلك وفقاً لوصف الاقتصادي المخضرم باري أيكنغرين، الأستاذ في جامعة بيركلي الأميركية. ونتذكر معه أيضاً بأنه في عالم الاقتصاد والاستثمار والتمويل لا تضمن مؤشرات الماضي نتائج المستقبل، وإلا استمرت عملات أخرى كانت معتمدة دولياً، ثم انحسرت واختفت بعد تراجع القوى الاقتصادية والسياسية المساندة لها. واليوم، لن تجد لعملات أصدرتها إمبراطوريات وقوى كانت عظمى، أي أثر دال عليها وعلى ما كانت عليه من شأن إلا في بعض المتاحف وكتب التاريخ.
د. محمود محيي الدين