أرشيف التصنيف: المقالات العامة

الجانب الإيجابي من الحرب الباردة الجديدة مع الصين

اعتقد الآباء المؤسسون للولايات المتحدة أن المنافسات والصراعات الخارجية الطويلة الأمد قد تسفر في خاتمة المطاف عن تقويض وتدهور الديمقراطية في داخل البلاد. وصار العديد من أقوى التحذيرات الصادرة اليوم في الولايات المتحدة تتخذ منهجاً مماثلاً في الترهيب من اندلاع حرب باردة جديدة مع الصين.
وانطلقت صحف مرموقة من شاكلة «نيويورك تايمز» و«الإيكونوميست»، فضلاً عن بعض الكتّاب والنقاد السياسيين البارزين يحذرون من انطلاق «الرعب الشيوعي الأحمر الجديد». وتنطوي تلك التحذيرات في مجملها على أن المخاطر الجيوسياسية الجديدة من شأنها أن تسفر عن تضييق على حرية التعبير السياسي، والملاحقات المحمومة عن الأعداء في الداخل، مع تآكل لازم في الحريات الفردية والمدنية التي من المفترض أن السياسات الخارجية الأميركية تناصرها وتدافع عنها لدى مختلف المحافل الدولية.
ويتسم هذا الخوف بقدر معتبر من المعقولية: إذ برهنت الحرب الباردة السابقة على أن البلدان الديمقراطية الكبرى ليست منيعة تماماً ضد إلحاق الأذى بالنفس تحت أسماء حفظ الأمن. غير أن تاريخ هذا الصراع بالتحديد يعلمنا درساً أكثر أملاً وتفاؤلاً، وهو أن المنافسة والصراع يمكن أن يخلقا قدراً من الضغوط «الفاضلة» للأمة الأميركية كي تخرج بنسخة أفضل كثيراً مما كانت عليه.
تضرب الفرضية القائلة إن المنافسات الاستراتيجية تقوض أركان الديمقراطية بجذورها العميقة في التاريخ. ففي أثناء حرب البيلوبونيز الإغريقية القديمة، أسفر الإجهاد الكبير الناشئ عن طول أمد الصراع ضد إسبرطة عن تقويض أسس السياسات الليبرالية في أثينا القديمة بصورة نسبية. وعند تأسيس الجمهورية الأميركية الحديثة، حذر ألكسندر هاميلتون من أن «حالة الخطر المستمرة قد تقنع المواطنين الأميركيين بالإقدام على مجازفة العزوف عن الحريات الفردية العادية».
وتؤدي الحرب والمنافسة، كما يقول المفكرون، إلى اتخاذ إجراءات منعدمة الليبرالية بطبيعة الحال. ويهيئ الخوف الأجواء للغوغاء والدهماء وأنصار الفوضى الذين يروق لهم تحويل حالة انعدام الأمن إلى مكاسب سياسية آنية.
وكما ظهر من الحرب الباردة السابقة، فإن هذه المخاطر ليست متوهمة، حيث صار الطعم الشيوعي الأحمر من الاستراتيجيات الانتخابية الناجعة. ويستغل أنصار الانتهازية السياسية شعارات معاداة الشيوعية بصورة جد ساخرة كسلاح ماض في المناقشات والجدالات الداخلية بشأن حقوق العمل وغيرها من القضايا المهمة الأخرى. ونجحت النزعة الماكارثية في تضفير كل تلك الخيوط معا كي تميط اللثام عن أسوأ ما تمخضت عنه سياسات الحرب الباردة.
وتركزت هذه الظاهرة حول شخصية سياسية رعناء برزت من خلف الكواليس إلى بقعة الضوء من خلال المزاعم الفاضحة حول الخيانة الوطنية والتخريب الداخلي. ولكنها ما حازت الزخم الكبير الذي عايشته إلا لأنها استغلت الحركة الشعبية الموازية لها أيما استغلال. وكانت تلك الحركة قد استجابت راغمة للمخاوف الحقيقية من انتشار جواسيس الشيوعية، وتداعيات ذلك من ملاحقات الحملة العقابية التي وأدت الحياة، وعصفت بالحريات المدنية، ودفعت العديد من حلفاء الولايات المتحدة آنذاك إلى التساؤل عما إذا كانت واشنطن تؤمن حقاً بالقيم والمبادئ التي تزعم الدفاع عنها ومناصرتها.
ومن حسن الحظ، أن هذا الخط لا يمثل سوى جزء يسير من مجمل تاريخ الولايات المتحدة إبان حقبة الحرب الباردة. وكانت حمى المكارثية قد نشطت في البلاد بحلول منتصف خمسينات القرن الماضي، وبرهنت المؤسسات الوطنية الأميركية على رسوخها وثبات أركانها وأنها كانت أقوى من التحديات التي فرضتها عليها تلك الحركة. وإجمالاً للقول، كان صراع القوى العظمى وقتذاك بمثابة القوة الدافعة من أجل التغيير البنّاء في الداخل الوطني الأميركي.
وعلى نحو محدد، ونظراً لأن الحرب الباردة كانت تعكس المنافسات الآيديولوجية الشرسة بشأن شكل ونوع النظام الذي يمكن أن يلبي تطلعات الجنس البشري على وجهها الأفضل، خلق ذلك الصراع المحتدم حتمية ضرورية للولايات المتحدة لأن ترقى إلى مستوى تلك الصورة الراقية التي صورها لها العالم. كذلك، ولأن المنافسة الشديدة كانت تستلزم من الولايات المتحدة التعبئة والاحتشاد على جميع المستويات من أجل مواكبة الصراع طويل الأمد، فلقد دفعت البلاد دفعا إلى الاستثمار في تحسين وتطوير الذات.
وبإمعان النظر في حركة الحقوق المدنية الأميركية، شكلت بعض النجاحات الكبرى ضد التمييز الذي ترعاه الدولة، وحالات الإقصاء السياسية، ومظاهر العنف العنصري، قدراً من أهم المنجزات المحلية في الولايات المتحدة لا سيما في فترة ما بعد حقبة تلك الحرب الباردة، وكانت ذات ارتباط وصلة وثيقة بهذه الحرب.
أجل، استغل أنصار الفصل العنصري ومكتب التحقيقات الفيدرالية ثيمة معاداة الشيوعية في شن الهجمات الضارية على مارتن لوثر كينغ الابن وعلى غيره من دعاة وزعماء الحقوق والحريات المدنية. لكن وبصفة عامة، كانت الحرب الباردة تمثل قوة من قوى المساواة نظراً لواقع العلاقات العرقية داخل المجتمع الأميركي وغير المتوافقة مع جهود الحكومة الأميركية في كسب تأييد ومناصرة القلوب والعقول في بلدان العالم الثالث.
وصرح الرئيس الأسبق هاري ترومان في عام 1947 قائلا: «لا بد من كسب مناصرة وتأييد شعوب البلدان البائسة التي مزقتها الحروب من أجل أسلوب الحياة الحرة. ولم يعد بإمكاننا تحمل رفاهية شن الهجمات الفارغة ضد التحيز والتمييز العنصري».
وأقرت وزارة العدل الأميركية، في عهد الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور في عام 1954 أن التمييز العنصري يغذي نهم الدعاية الشيوعية في البلاد. وصرح وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك جون فوستر دالاس في عام 1957 قائلا بلهجة واضحة وقاسية: «إن التمييز العنصري المؤسسي في البلاد يهدد سياساتنا الخارجية تهديدا شديدا».
ومن واقع قرار الرئيس ترومان بإلغاء الفصل العنصري داخل القوات المسلحة الأميركية، إلى التدخل الفيدرالي لوقف الفصل العنصري في المدارس منذ خمسينات القرن الماضي، وحتى تمرير قوانين الحقوق المدنية التاريخية، والتشريعات التي تضمن حقوق الناخبين في الستينات، كانت ضرورة الدفاع عن النظام الأميركي العام في الخارج تشكل قوة دفع قوية للعمل على تحسين هذا النظام ومجرياته في الداخل الأميركي.
ولنطرح على أنفسنا سؤالاً مهماً: لماذا تملك الولايات المتحدة أفضل وأحسن نظم التعليم العالي على مستوى العالم؟ لقد أسفرت تداعيات الحرب الباردة السابقة عن توفير دعم غير مسبوق للجامعات الأميركية في وقت السلم، ولا سيما في أعقاب مفاجأة الاتحاد السوفياتي للعالم بإطلاقه للقمر الصناعي «سبوتنيك» في عام 1957، الأمر الذي دفع الحكومة الفيدرالية الأميركية إلى ضخ المزيد من الأموال فيما نطلق عليه اليوم اسم تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والتي كانت ذات ضرورة كبيرة في المنافسات العلمية في عصر صواريخ الفضاء.
ومن بين الأمور التي كانت أقل معرفة وإنما أكثر حيوية وحسما كانت رعاية الحكومة الفيدرالية لبرامج التدريب اللغوي وبرامج الدراسات المتخصصة، والعلوم الاجتماعية، وسواها من التخصصات التي تعد ضرورية في بسط التأثير والنفوذ على الصعيد العالمي. وبحلول عام 1961 كان 77 قسماً من أصل 90 قسماً أكاديمياً في جامعة ويسكونسن منخرطة ضمن برامج مسددة التكاليف من جانب الحكومة الفيدرالية. وصارت جامعة هارفارد المرموقة، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وبعض المؤسسات الأكاديمية الخاصة الأخرى، من بين أفضل المؤسسات التعليمية والجامعية على مستوى العالم. وكانت حقبة الحرب الباردة بمثابة العصر الذهبي للجامعات الأميركية، نظرا لأنها نجحت في إقناع قادة البلاد بحتمية أن تظل البلاد قوة عظمى على الصعيد الفكري والعلمي والتعليمي حتى تبقى قوة عظمى كذلك على الصعيدين العسكري والاقتصادي.
وباتت العديد من الجوانب الأخرى للازدهار في الولايات المتحدة تدين بالفضل الواضح والكبير لحقبة الحرب الباردة. فلقد أقيمت مشاريع كثيرة للبنية التحتية في البلاد، فضلا عن نظم الطرق السريعة بين الولايات الأميركية، كانت لها أسبابها وتداعياتها الجيوسياسية الواضحة. كما ضمنت النفقات الفيدرالية السخية على جهود البحث والتطوير في ظهور أشباه الموصلات، وشبكة الإنترنت، والتقانات الأخرى الكثيرة التي نجحت في نقل الولايات المتحدة إلى عصر المعلومات. ومن دون الحرب الباردة لم نكن لنعرف معنى «وادي السليكون» في ولاية كاليفورنيا.
وعلى نطاق أكبر، وفر الإنفاق العسكري الهائل إبان حقبة الحرب الباردة محفزات شبه دائمة فضلا عن ملايين الوظائف الجيدة للأفراد في مختلف أفرع القوات المسلحة وقطاع الصناعات الدفاعية في البلاد. وفي خاتمة المطاف، انتصرت الولايات المتحدة في الحرب الباردة؛ نظراً لأن نظامها المعتمد برهن على أنه أكثر ثباتاً وجاذبية من نظام الاتحاد السوفياتي. ومن بين أبرز أسباب جاذبية النظام الأميركي أن الحرب الباردة استمرت في دفع الولايات المتحدة لمواصلة الاستثمار في ديناميات حياتها ونظامها الخاص.

هال برندز.

الخوف من الوباء والركود

عملت حكومات العالم خلال الفترة الماضية وما زالت تعمل، على إخفاء الأضرار الاقتصادية التي أحدثها الوباء من خلال الدعم الحكومي الضخم. لكن كل ذلك على وشك التغيير الآن وستكشف الأشهر القليلة القادمة عن التأثير الاقتصادي الكامن لفيروس «كورونا» في جميع أنحاء العالم بشكل أكثر وضوحاً مما رأيناه حتى الآن. ورهاني أنه بمجرد أن تشرع الحكومات في سحب دعمها المالي، فإن الصورة الاقتصادية ستبدو أسوأ مما هو متوقع تماماً.
يتطلب تكوين فكرة عما سيحدث قريباً أن نكون واضحين بشأن كيفية وسبب تأثير الوباء على الاقتصاد: هل لأن الحكومات طلبت من الناس البقاء في منازلهم، أم بسبب الفيروس نفسه؟ يُظهر بحث جديد أن الخسائر الاقتصادية جاءت بشكل رئيسي من الخوف، وليس من الإغلاق الحكومي. لذلك فإن إنهاء حالة الإغلاق دون التخلص من الخوف لن يؤدي إلا إلى القليل من التحسن.
يستند أحد التحليلات التي قام بها الباحثان أوستان جولسبي وتشاد سيفرسون من جامعة شيكاغو، إلى سجلات الهاتف الخلوي لزيارات العملاء لأكثر من مليوني شركة. فقد نظر الباحثون في التفاصيل لتقييم كيفية تأثير قواعد الإغلاق على النشاط مثلاً من خلال البحث في المقاطعات في منطقة تنقّل محددة ذات قوانين مختلفة. ووجدوا أن حركة المستهلكين انخفضت بنسبة 60% من بداية مارس (آذار) إلى منتصف أبريل (نيسان)، وأن أوامر الإغلاق الحكومية تسببت في نسبة لم تتخطَّ 7% فقط من هذا الانخفاض، وخلصوا إلى أن الدافع الرئيسي كان الخوف. أحد العوامل المتسقة مع هذه الفرضية هو أن الانخفاض في عدد زيارات العملاء يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدد الوفيات الناجم عن فيروس «كورونا» في المنطقة ذاتها.
قامت مجموعة ثانية من الباحثين بقيادة راج شيتي الأستاذ بجامعة هارفارد، بجمع بيانات تفصيلية من الشركات الخاصة، ووجدوا أن الأثر الاقتصادي في مارس جاء بشكل غير متناسب من الأسر ذات الدخل المرتفع التي خفضت إنفاقها بشكل حاد. وأشار الباحثون إلى أن «هذا الانخفاض في الإنفاق قلل إلى حد كبير من عائدات الشركات التي تلبّي احتياجات الأسر ذات الدخل المرتفع، لا سيما الشركات الصغيرة ذات الرموز البريدية التي توحي بالثراء. قامت هذه الشركات بتسريح معظم موظفيها من ذوي الدخل المنخفض، مما أدى إلى زيادة مطالبات البطالة في المناطق الثرية». وشأن شركات مثل «غوسبي» و«سيفرسون»، فقد خلص إلباث راج تشيتي إلى أن إلغاء أوامر الإغلاق الحكومية لن يكون له سوى تأثير ضئيل على العمالة المحلية.
لا شك أن بعض المراقبين سيتمسكون بإصرارهم على أن تعليمات الحكومة كانت هي المشكلة. لكنّ أولئك الذين يتبنون هذا الرأي ينطبق عليهم إلى حد كبير المقارنة الشهيرة لخبير الاقتصاد البريطاني جون كينيز، التي تقول إن «المقاييس الإقليدية (نسبة إلى إقليدس) في عالم غير إقليدي، هي أن تكتشف بالخبرة أن الخطوط المستقيمة المتوازية لا تلتقي، وأن التوازي هو الطريقة الوحيدة التي تمنع التلاقي أو الاصطدام».
بالنظر إلى أن مشكلة الصحة العامة الكامنة هي المحرك الرئيسي لانخفاض النشاط الاقتصادي وأن مجرد إزالة متطلبات التباعد الاجتماعي لن يعيد النشاط الاقتصادي، فإن تساؤلاً يطرح نفسه بقوة: هل يمكن أن يتبدد الخوف؟ هل يمكن أن يزول الخوف من تلقاء نفسه، هل سنحصل على علاج أو لقاح فعال يكفي للقضاء عليه؟
وفي ظل عدم وجود مثل هذا التغيير للأفضل في الأفق، فإن الأشهر الثلاثة المقبلة ستكشف عن الألم الاقتصادي الأساسي بشكل أكثر وضوحاً من الأشهر الثلاثة الماضية لأن المساعدة المالية الضخمة التي قدمتها الحكومات عندما ضرب الوباء لأول مرة ستختفي قريباً.
جاءت البرامج الحكومية متفاوتة في مدى فاعليتها، حيث يشير أحد التحليلات التي أجراها «معهد بيترسون للاقتصاد الدولي»، على سبيل المثال، إلى أن النهج المالي للحكومة الفرنسية كان أكثر فاعلية من حيث التكلفة بشكل كبير مقارنةً بالنهج الأميركي (أنا عضو بمجلس إدارة معهد بيترسون). لكن في جميع البلدان تقريباً، تصرفت الحكومات بقوة، إذ يقدر صندوق النقد الدولي أن الحكومات في المجمل خصصت 11 تريليون دولار للمعالجة المالية للوباء. وقد خففت هذه التريليونات من وقع الضربة الاقتصادية إلى حد كبير حتى الآن.
لكن في العديد من البلدان يجري سحب الدعم المالي بالفعل أو أن ذلك على وشك الحدوث. في الولايات المتحدة، يناقش الساسة وصانعو القرارات كيفية تمديد إعانات البطالة الموسعة التي تنتهي في نهاية يوليو (تموز)، وكذلك تقديم مساعدة إضافية لحكومات الولايات والحكومات الفيدرالية، لكن النتيجة المحتملة أن تقدم الحكومة تعويضات بدرجة أقل من السابق. وقد أعلنت حكومة المملكة المتحدة من جانبها عن خطة جديدة لإنعاش الاقتصاد تبلغ قيمتها نحو 40 مليار دولار.

بيتراورساج.

السعودية قائداً للتجارة العالمية

قدمت الدول مرشحيها لرئاسة منظمة التجارة العالمية، بدلاً عن الرئيس الحالي المنتهية رئاسته بنهاية شهر أغسطس (آب) المقبل، ورشحت كل من السعودية ومصر وكينيا وبريطانيا ومولدوفا ونيجيريا وكوريا الجنوبية والمكسيك. وتبدو المنظمة في الآونة الأخيرة في حالة يرثى لها، فالاختلاف مستمر بين كبريات الاقتصادات العالمية، والمفاوضات المطولة أصبحت هاجساً اقتصادياً؛ كل ذلك وسط تشكيكات مستمرة في كون المنظمة قادرة على التعامل مع القضايا الاقتصادية الحالية بالأنظمة نفسها التي لم يتغير بعضها لأكثر من عشرين سنة.
والدور الملقى على منظمة التجارة العالمية في هذا الوقت تحديداً يعد دوراً حرجاً لعدة أسباب؛ أولها أن المنظمة لاقت انتقادات كثيرة من كثير دول العالم في الفترة الماضية، فالاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة لاموا لوائح المنظمة كثيراً فيما سموه تجاوزات الصين التجارية، بل إنهم قدموا مقترحاً بداية هذا العام لتغيير لوائح المنظمة لهذا السبب، والواقع أن الصين من الناحية القانونية لم تخالف لوائح المنظمة، فالصين -في نظر المنظمة- ما تزال دولة نامية، وذلك بسبب نظام طالما انتقدته الدول الغربية، يعطي كل دولة أحقية تصنيف نفسها بصفتها دولة نامية (وهو نظام لم يمس منذ أن انضمت الصين للمنظمة عام 2001).
والنزاعات التجارية الدولية كذلك أصبحت أكثر تأثيراً خلال العامين الماضيين، فكثير من المفاوضات توقفت على أثر هذه النزاعات، وبدأت كل دولة تجنح إلى الاعتماد على نفسها، في خطوة أشبه ما تكون بالعزلة الاقتصادية للدول، إذ بدأت كل دولة بزيادة الرسوم الجمركية على المنتجات المستوردة لدعم منتجاتها المحلية، دون أن يكون للمنظمة دور فعال لمجابهة هذه الإجراءات. وبدا أن العالم يفضل الانغلاق الاقتصادي على التجارة الحرة، ولم يكن هذا التأييد من دول منغلقة غير مستفيدة من الانفتاح التجاري، بل من دول كالولايات المتحدة!
والمنظمة حالياً تشهد تحدياً حقيقياً بعد أزمة كورونا، وهو تحدٍ إضافي زادها أعباء على أعباء، حيث يشهد الاقتصاد العالمي تغييرات جذرية فرضتها الجائحة، سواء على مستويات الأنظمة وسلاسل التوريد. هذه التغييرات، وبناء على الأحداث الحاصلة في أثناء الجائحة، أيدت أن تستغني كل دولة بمنتجاتها عن غيرها، وهو ما قد يهدم كثيراً من الجهود السابقة التي قامت بها المنظمة التي لا تبدو حالياً في وضع صحي يسمح لها بمواجهة هذه الموجة. ولم يكن للمنظمة دور فعال في الحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، ولا في مفاوضات «نافتا» بين دول الأميركيتين، وحتى معدل الاستثمار الأجنبي بدأ في التباطؤ في السنوات الأخيرة على ضوء التوجه للانغلاق الاقتصادي.
وفيما قدمت 8 دول مرشحين لقيادة المنظمة، تبرز قوة السعودية بصفتها مرشحة لقيادة المنظمة من عدة أوجه؛ أولها أن المملكة إحدى القوى الاقتصادية في العالم، وهي عضو في مجموعة العشرين التي تشكل دولها 85 في المائة من الناتج القومي لدول العالم. كما أن المملكة ليست متحيزة لقوة اقتصادية ضد أخرى، فهي على وفاق مستمر مع الصين، وهي حليف استراتيجي للولايات المتحدة، وعلاقتها بروسيا كذلك في «أوبك بلس» كانت عاملاً جوهرياً في استقرار أسواق النفط، وهي شريك اقتصادي مهم للاتحاد الأوروبي، بتبادل تجاري عادل ما يزيد على 50 مليار دولار سنوياً، وبعجز بسيط لا يزيد على 350 مليون دولار. هذه الحقائق توضح أن المملكة شريك اقتصادي حالي لكبريات الاقتصادات العالمية. ومن ثم، فإن تولي المملكة رئاسة منظمة التجارة العالمية يبدو منطقياً في هذا الوقت تحديداً، بما تملكه المملكة من مميزات لا يمتلكها مجتمعة أي من الدول المتقدمة بمرشحين. فالمملكة على اطلاع بالقضايا الاقتصادية الحالية بدورها كأحد أكبر منتجي النفط في العالم، وهي عضو في مجموعة العشرين، ورئيس لها في الدورة الحالية، وهي شريك رئيس لكبريات الاقتصادات، ومصلحتها تصب بشكل كبير في ازدهار الاقتصاد العالمي والتكامل بين أطرافه. كما أن مرشحها محمد التويجري وزير اقتصاد سابق للمملكة، وملف ترشيحه يوضح اطلاعه على المشكلات الحالية للمنظمة، وحاجتها الماسة إلى إعادة هيكلة تعيد لها ثقتها بين دول العالم، لا سيما مع إعلان بعض الدول نية انسحابها من المنظمة؛ هذا الدور الذي يبدو أنه يناسب المملكة أكثر من أي دولة أخرى، وأكثر من أي وقت سبق.

د. عبدالله الردادي.

خطة النهوض بأوروبا.. دروس للعالم ولبنان

لا بد من الاطلاع على محاضر اجتماعات القادة الأوروبيين، طوال 90 ساعة من المفاوضات، وعلى مدى أربعة ليالٍ حتى فجر يوم الثلاثاء 21 تموز/يوليو 2020. لماذا؟ لسببين رئيسين.

أولاً، لاستخلاص دروس جديدة في فن التفاوض. للتعلّم كيف يثابر صناع القرار، الشركاء، على المحادثات والتبادل مع الإصرار على تجاوز الخلافات للتوصل إلى اتفاق. كيف يوفّقون بين مصالح يكاد يستحيل التوفيق في ما بينها. كيف يصنعون الحلول معاً. كيف يقدمون التنازلات من أجل تسهيل إبرام تسوية مرضية للجميع. كتلك التسوية التي أبصرت النور أخيراً، وبعد طول انتظار، والمتمثلة في توافق الدول الـ27 الأعضاء على خطة “تاريخية” لدعم النهوض الاقتصادي بعد أزمة “كورونا”، بقيمة تصل إلى 750 مليار يورو.

نحج الأوروبيون إذاً في اختبار الوحدة. وأكدوا أنه يمكن للمصيبة أن تجمع بدلاً من أن تفرّق. ومن دون إنكار واقع أن أزمة كورونا كشفت عن ثغرات ونواقص في البناء الأوروبي، لجهة عدم استباق أزمة صحية بحجم جائحة “كوفيد ـ 19” وعدم الجهوزية لمواجهتها بأقل الخسائر، فضلوا تحمّل مسؤولية الفشل أو الإخفاق أو التقاعس معاً. وقرروا تغليب المصلحة المشتركة على المصالح الذاتية، إدراكاً منهم بأن غرق المركب الأوروبي يعني غرقاً وإضعافاً للجميع في عالم مضطرب. بمعنى آخر، أثبت الأوروبيون مقولة أنهم لا يتوافقون ابداً لكنهم ما زالوا سوياً، بحسب ما يردد الباحث الفرنسي في علم الاتصال والإعلام، مؤسس ومدير مجلة “Hermès La Revue” العلمية، دومينيك فولتون، الذي صودف صدور كتابه الأخير “Vive l’incommunication – La victoire de l’Europe”، في ربيع 2020، أي في أوج أزمة “كورنا”، والذي يحلل فيه أهمية المشروع الأوروبي على الرغم من الاختلافات بين الأوروبيين.

ثانياً، للاتعاظ من تجربتهم في التضامن. فبعدما أعطت الدول الأوروبية إشارات سلبية أثناء إدارتها لأزمة “كورونا” بكثير من الأنانية، عادت وسارعت إلى طي صفحة هذا السلوك المنافي لفكرة الاتحاد الأوروبي القائمة على التعاون والتضامن، وذلك بواسطة خطة النهوض الاقتصادي التي تضع أسساً متينة للتضامن الأوروبي في إدارة عواقب ما بعد أزمة “كوفيد ـ 19”. تنص الخطة على تخصيص مبلغ 360 مليار يورو، ستوزع كقروض، على أن تتولى كل دولة مستفيدة من قرض محدد هنا، تسديد الديون بنفسها. كذلك، تقضي الخطة توفير مبلغ قدره 390 مليار يورو، عبارة عن منح ومساعدات للدول الأكثر تاثراً بتداعيات الأزمة الصحية، لكنها مصنفة كديون مشتركة تتكفل الدول الأعضاء الـ27 بتسديدها بشكل جماعي، وهنا يكمن مغزى التضامن.

خطة النهوض الاقتصادي هذه، في السنوات القليلة المقبلة، لا تخفف من رمزية الإنجاز وأبعاده التضامنية. يتعلق الأمر بخطوة يمكن البناء عليها من أجل شق الطريق نحو خطوة اتحادية واندماجية أكبر، تتمثل في تشكيل حكومة أوروبية، أو على الأقل حكومة اقتصادية أوروبية، كما يطمح البعض

صحيح أن فرنسا وألمانيا ودولاً أخرى كانت تتطلع إلى أن تصل قيمة هذه المنح إلى حوالي 500 مليار يورو بدلاً من 390، لكن دواعي التسوية مع الدول الأوروبية، مثل هولندا والدنمارك…، التي تصنف باعتبارها “مقتصدة” في نفقاتها و”بخيلة”، والتي تتذمر من وضع النفقات العامة في دول مثل إيطاليا وإسبانيا وتحملها مسؤولية عدم ترشيد نفقاتها، اقتضت تقديم تنازل. وهذا التنازل لا يقلل من قيمة الإنجاز الذي حققه الأوروبيون بتحفيزهم لمبدأ التضامن. حتى أن كل الشروط المرافقة لتطبيق خطة النهوض الاقتصادي هذه، في السنوات القليلة المقبلة، لا تخفف من رمزية الإنجاز وأبعاده التضامنية. يتعلق الأمر بخطوة يمكن البناء عليها من أجل شق الطريق نحو خطوة اتحادية واندماجية أكبر، تتمثل في تشكيل حكومة أوروبية، أو على الأقل حكومة اقتصادية أوروبية، كما يطمح البعض.

من خلال حفاظهم على وحدتهم وتعزيزهم لمبدأ التضامن في ما بينهم، وجّه الأوروبيون أيضاً رسالتين، أولى سياسية موجهة إلى الشعبويين والمعادين للاتحاد الأوروبي، ومفادها أنه لا يمكن لدولة بمفردها مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين والأزمات المتوقعة وغير المتوقعة. من هنا، ضرورة الحفاظ على الاتحاد الأوروبي كأداة لتعاون بنّاء، على الرغم من أية ثغرات ونواقص يمكن ملاحظتها هنا وهناك. وكضمانة لسلام دائم في القارة التي شهدت حربين عالميتين في النصف الأول من القرن العشرين. وثانية دبلوماسية إلى الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين، ومفادها أن رهانات القادة الحاليين لهذه الدول العظمى على تفسخ وانهيار الاتحاد الأوروبي ستبقى رهانات خاسرة!

ثمة رسالة جانبية ضمنية وجهها الأوروبيون إلى دول الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، ومن ضمنها لبنان، من خلال ذلك الاتفاق التاريخي، عنوانها العريض أنه لا يمكن لحكومات فاسدة، عاجزة عن تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والسياسية، وممتنعة عمداً عن وقف الهدر في نفقاتها العامة وعن وضع حد لنهب المال العام من قبل السياسيين والأوليغارشيين، أن تستفيد من التعاون مع الاتحاد الأوروبي. بكل ما يحمله هذا التعاون من فرص ونقاط قوة وجاذبية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنمائية والبيئية والتربوية والثقافية. سياق الرسالة نفسها، يشي بأن تعلّموا كيف تتحاورون بين بعضكم البعض وكيف تفاوضون الخارج لأجل مصلحة بلدكم ووحدة أرضه وشعبه ومؤسساته، بدل أن تناشدكم فرنسا وغيرها بأن ساعدوا أنفسكم حتى نساعدكم.

لا بد من الاطلاع على محاضر اجتماعات القادة الأوروبيين، طوال 90 ساعة من المفاوضات، وعلى مدى أربعة ليالٍ حتى فجر يوم الثلاثاء 21 تموز/يوليو 2020. لماذا؟ لسببين رئيسين.

أولاً، لاستخلاص دروس جديدة في فن التفاوض. للتعلّم كيف يثابر صناع القرار، الشركاء، على المحادثات والتبادل مع الإصرار على تجاوز الخلافات للتوصل إلى اتفاق. كيف يوفّقون بين مصالح يكاد يستحيل التوفيق في ما بينها. كيف يصنعون الحلول معاً. كيف يقدمون التنازلات من أجل تسهيل إبرام تسوية مرضية للجميع. كتلك التسوية التي أبصرت النور أخيراً، وبعد طول انتظار، والمتمثلة في توافق الدول الـ27 الأعضاء على خطة “تاريخية” لدعم النهوض الاقتصادي بعد أزمة “كورونا”، بقيمة تصل إلى 750 مليار يورو.

نحج الأوروبيون إذاً في اختبار الوحدة. وأكدوا أنه يمكن للمصيبة أن تجمع بدلاً من أن تفرّق. ومن دون إنكار واقع أن أزمة كورونا كشفت عن ثغرات ونواقص في البناء الأوروبي، لجهة عدم استباق أزمة صحية بحجم جائحة “كوفيد ـ 19” وعدم الجهوزية لمواجهتها بأقل الخسائر، فضلوا تحمّل مسؤولية الفشل أو الإخفاق أو التقاعس معاً. وقرروا تغليب المصلحة المشتركة على المصالح الذاتية، إدراكاً منهم بأن غرق المركب الأوروبي يعني غرقاً وإضعافاً للجميع في عالم مضطرب. بمعنى آخر، أثبت الأوروبيون مقولة أنهم لا يتوافقون ابداً لكنهم ما زالوا سوياً، بحسب ما يردد الباحث الفرنسي في علم الاتصال والإعلام، مؤسس ومدير مجلة “Hermès La Revue” العلمية، دومينيك فولتون، الذي صودف صدور كتابه الأخير “Vive l’incommunication – La victoire de l’Europe”، في ربيع 2020، أي في أوج أزمة “كورنا”، والذي يحلل فيه أهمية المشروع الأوروبي على الرغم من الاختلافات بين الأوروبيين.

ثانياً، للاتعاظ من تجربتهم في التضامن. فبعدما أعطت الدول الأوروبية إشارات سلبية أثناء إدارتها لأزمة “كورونا” بكثير من الأنانية، عادت وسارعت إلى طي صفحة هذا السلوك المنافي لفكرة الاتحاد الأوروبي القائمة على التعاون والتضامن، وذلك بواسطة خطة النهوض الاقتصادي التي تضع أسساً متينة للتضامن الأوروبي في إدارة عواقب ما بعد أزمة “كوفيد ـ 19”. تنص الخطة على تخصيص مبلغ 360 مليار يورو، ستوزع كقروض، على أن تتولى كل دولة مستفيدة من قرض محدد هنا، تسديد الديون بنفسها. كذلك، تقضي الخطة توفير مبلغ قدره 390 مليار يورو، عبارة عن منح ومساعدات للدول الأكثر تاثراً بتداعيات الأزمة الصحية، لكنها مصنفة كديون مشتركة تتكفل الدول الأعضاء الـ27 بتسديدها بشكل جماعي، وهنا يكمن مغزى التضامن.

خطة النهوض الاقتصادي هذه، في السنوات القليلة المقبلة، لا تخفف من رمزية الإنجاز وأبعاده التضامنية. يتعلق الأمر بخطوة يمكن البناء عليها من أجل شق الطريق نحو خطوة اتحادية واندماجية أكبر، تتمثل في تشكيل حكومة أوروبية، أو على الأقل حكومة اقتصادية أوروبية، كما يطمح البعض

صحيح أن فرنسا وألمانيا ودولاً أخرى كانت تتطلع إلى أن تصل قيمة هذه المنح إلى حوالي 500 مليار يورو بدلاً من 390، لكن دواعي التسوية مع الدول الأوروبية، مثل هولندا والدنمارك…، التي تصنف باعتبارها “مقتصدة” في نفقاتها و”بخيلة”، والتي تتذمر من وضع النفقات العامة في دول مثل إيطاليا وإسبانيا وتحملها مسؤولية عدم ترشيد نفقاتها، اقتضت تقديم تنازل. وهذا التنازل لا يقلل من قيمة الإنجاز الذي حققه الأوروبيون بتحفيزهم لمبدأ التضامن. حتى أن كل الشروط المرافقة لتطبيق خطة النهوض الاقتصادي هذه، في السنوات القليلة المقبلة، لا تخفف من رمزية الإنجاز وأبعاده التضامنية. يتعلق الأمر بخطوة يمكن البناء عليها من أجل شق الطريق نحو خطوة اتحادية واندماجية أكبر، تتمثل في تشكيل حكومة أوروبية، أو على الأقل حكومة اقتصادية أوروبية، كما يطمح البعض.

من خلال حفاظهم على وحدتهم وتعزيزهم لمبدأ التضامن في ما بينهم، وجّه الأوروبيون أيضاً رسالتين، أولى سياسية موجهة إلى الشعبويين والمعادين للاتحاد الأوروبي، ومفادها أنه لا يمكن لدولة بمفردها مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين والأزمات المتوقعة وغير المتوقعة. من هنا، ضرورة الحفاظ على الاتحاد الأوروبي كأداة لتعاون بنّاء، على الرغم من أية ثغرات ونواقص يمكن ملاحظتها هنا وهناك. وكضمانة لسلام دائم في القارة التي شهدت حربين عالميتين في النصف الأول من القرن العشرين. وثانية دبلوماسية إلى الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين، ومفادها أن رهانات القادة الحاليين لهذه الدول العظمى على تفسخ وانهيار الاتحاد الأوروبي ستبقى رهانات خاسرة!

ثمة رسالة جانبية ضمنية وجهها الأوروبيون إلى دول الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، ومن ضمنها لبنان، من خلال ذلك الاتفاق التاريخي، عنوانها العريض أنه لا يمكن لحكومات فاسدة، عاجزة عن تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والسياسية، وممتنعة عمداً عن وقف الهدر في نفقاتها العامة وعن وضع حد لنهب المال العام من قبل السياسيين والأوليغارشيين، أن تستفيد من التعاون مع الاتحاد الأوروبي. بكل ما يحمله هذا التعاون من فرص ونقاط قوة وجاذبية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنمائية والبيئية والتربوية والثقافية. سياق الرسالة نفسها، يشي بأن تعلّموا كيف تتحاورون بين بعضكم البعض وكيف تفاوضون الخارج لأجل مصلحة بلدكم ووحدة أرضه وشعبه ومؤسساته، بدل أن تناشدكم فرنسا وغيرها بأن ساعدوا أنفسكم حتى نساعدكم.

نبيل الخوري.

أميركا وتداعيات الوباء على الأسواق

في الوقت الحالي، يبدو أن الولايات المتحدة تقف في الجانب المهزوم في حربها ضد فيروس «كوفيد – 19».
لم ينتهِ منتصف العام بعد، والمؤكد أن تاريخ فيروس «كوفيد – 19»، والسبيل المثلى لمحاربته، لن تجري كتابتهما قبل وقت طويل من الآن. وحتى هذه اللحظة، شهد عام 2020 بالفعل ظهور تكهنات حول أن الوباء سيكتب سطور النهاية للنظام الشيوعي في الصين، وأن نظام الرعاية الصحية الذي يتسم بطابع اشتراكي أو وطني أثبت فشله المؤكد أثناء الكارثة التي ضربت شمال إيطاليا في الشتاء.
وأنا هنا أقول هذا كمقدمة للتحول نحو الحديث عن أزمة فيروس «كورونا» المستجد. في حقيقة الأمر، أنه في هذه النقطة من مسيرة الوباء، يبدو أن الولايات المتحدة ونموذجيها الاقتصادي والسياسي، هم من أخفقوا. والتساؤل الآن: هل هذا صحيح؟ وما التداعيات الاقتصادية والمالية لذلك؟
جدير بالذكر هنا أنه في مارس (آذار)، بالغ الرئيس دونالد ترمب كثيراً في الحديث عن حكمة قراره بمنع دخول الأفراد القادمين من الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة، وذلك على أساس السجل الرديء للاتحاد الأوروبي في التعامل مع أزمة فيروس «كورونا» المستجد. وحتى هذه اللحظة، لا يزال الحظر سارياً. إلا أنه بدءاً من الشهر المقبل، ربما يحين الوقت المناسب لاجتياح موجة من مشاعر الشماتة أرجاء العواصم الأوروبية، مع احتمالات أن ينقلب الموقف والحظر إلى العكس تماماً.
وفي تلك الأثناء، بدأت تداعيات الإخفاق الأميركي في التصدي للفيروس في الظهور على النشاطات الاقتصادية الجارية. والآن، تميل قدرة الأوروبيين على التنقل إلى الاقتراب من معدلاتها الطبيعية على نحو يفوق بكثير الحال مع الأميركيين.
والتساؤل الآن: هل يمكن أن يؤثر ذلك على الأسواق؟ بالتأكيد هذا أمر محتمل. جدير بالذكر أن أسواق الأسهم الأميركية لطالما فاقت وبفارق واضح في أدائها نظيراتها داخل الاتحاد الأوروبي على مدار أكثر من عقد. وبالنظر إلى نجاح الولايات المتحدة في إنتاج الشركات التي توفر حالياً المنصات المهيمنة بشبكة الإنترنت، وقدرتها على تعزيز نظامها المصرفي بكفاءة تفوق بكثير قدرة الاتحاد الأوروبي، لا يبدو هذا الوضع مثاراً للدهشة.
وينبغي هنا أن نوضح أنه ما من صلة مباشرة بين الوباء وأداء أسواق الأسهم، من الناحيتين النسبية والمطلقة. كما أن هناك كثيراً من العوامل المختلفة الأخرى المؤثرة على هذا الصعيد.
ومع هذا، ثمة مؤشرات توحي بأن مشاعر القلق حيال تفشي الوباء عبر ما يعرف بـ«حزام الشمس الأميركي» تخلق ضغوطاً على الأسهم الأميركية. وإذا نظرنا إلى كيفية أداء شركات الطيران والفنادق وشركات الرحلات البحرية – القطاعات الأكثر تضرراً من الوباء – مقارنة بباقي قطاعات السوق، سنجد أن هناك مشاعر قلق واضحة بدأت في التراكم إزاء فكرة أن إجراءات إعادة فتح الاقتصاد لا تجري وفق خطة واضحة المعالم. وتأتي مشاعر القلق هذه بعد فترة وجيزة في البداية ساد خلالها التفاؤل منذ ثلاثة أسابيع.
من ناحية أخرى، أبدت السوق بوجه عام تردداً إزاء الاستجابة للارتفاع الواضح في أعداد الحالات، الأمر الذي يحمل وراءه مبررات؛ منها أن أحد الأسباب وراء هذه الزيادة يكمن في إجراء الاختبارات على نطاق أوسع، وتراجع معدلات الوفيات بدرجة بالغة عما كانت عليه من قبل.
وبغض النظر عما يحدث من الناحية المطلقة، فإن من الصعب اليوم توقع كيف يمكن أن تحافظ السوق على أداء أفضل بكثير عن نظيرتها الأوروبية، في وقت أظهرت فيه أوروبا قدرتها على إنجاز ما تعجز الولايات المتحدة عن فعله، ونجحت في السيطرة على الفيروس.
ولننتقل الآن إلى مسألة أخرى: كيف سيؤثر هذا الوضع على الانتخابات الأميركية التي تقف اليوم على بعد أشهر قليلة؟ يكشف تحليل وضعه «معهد التمويل الدولي» أن أكثر الولايات المتضررة اقتصادياً هي تلك الواقعة تحت النفوذ السياسي للحزب الديمقراطي. وأوضح المعهد أن هذا التأثير كان كافياً للقضاء على حالة عدم توازن تاريخية استمرت لفترة طويلة بين الولايات الخاضعة لنفوذ الحزب الجمهوري والأخرى التي تميل سياسياً إلى الحزب الديمقراطي. في الواقع، عادة ما كانت معدلات التوظيف تميل لأن تكون أعلى داخل الولايات الداعمة للديمقراطيين، حتى ضرب وباء «كوفيد – 19» البلاد.
إلا أن هذا الوضع بدأ في التغير الآن. وكشف تحليل صدر حديثاً عن «دويتش بانك» أن الولايات الداعمة للجمهوريين أبدت قدرة أسرع على العودة إلى المعدلات الطبيعية لإمكانية التنقل، لكن هذا المسار بدأ في التحول في الاتجاه المعاكس الآن.
في الواقع، يبدو الواقع الاقتصادي قبيحاً في الوقت الراهن داخل عدد من الولايات الأكبر من «حزام الشمس»، في الوقت الذي تبدو فيه الأوضاع أشد سوءاً داخل بعض الولايات الجنوبية الأصغر، حيث تتعرض مجتمعات الأميركيين من أصول أفريقية لأضرار أكبر عمن سواها.
وينبغي هنا توضيح أن هذا الوضع لا يمكن إيعازه فقط إلى مسألة إجراء مزيد من الاختبارات. في الواقع، داخل أريزونا تبدو نسبة الاختبارات الإيجابية للإصابة بفيروس «كوفيد – 19» مخيفة، وتوحي أن ثمة موجة تفشي للوباء أخطر بكثير في الطريق.
والآن لم يعد من الممكن الشك في أننا نواجه مشكلة مثيرة للقلق. ومع انحسار معدلات الوفيات، وظهور حالات أكثر الآن بين فئات عمرية أصغر أقل احتمالاً لأن تتضرر بشدة من فيروس «كورونا»، فإن النبأ السار هنا أنه لا يزال من الممكن تجنب حدوث تكرار كامل للمشاهد التي سبقت لنا معاينتها داخل ووهان وميلانو ومدينة نيويورك. ومع ذلك، فإن إخفاق السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة وفشل قيادتها يبدو أنه قد أصبح نهائياً داخل أريزونا، التي كانت ذات يوم واحدة من معاقل تأييد الحزب الجمهوري، وطرحت مرشحين رئاسيين جمهوريين؛ هما باري غولدووتر وجون ماكين.
بجانب ذلك، تشهد أريزونا كذلك انتخابات لنيل عضوية مجلس الشيوخ هذا العام، حيث ستسعى السيناتورة الجمهورية مارثا مكسالي للدفاع عن مقعدها. ويرى موقع «بريديكتلت» المعني بالتوقعات أنها في حكم المهزومة بالفعل من الآن.
وفيما يخص معركة الرئاسة، يرى الموقع ذاته أن فرص إحراز الديمقراطيين للفوز أصبحت الآن قرابة من اثنين إلى ثلاثة، ما يعتبر أقوى معدل على الإطلاق. وبالنظر إلى حجم التغييرات التي طرأت على الساحة على مدار الشهور الأربعة الماضية، يبدو من المحتمل للغاية أن نشهد قدراً مكافئاً من التغييرات خلال الشهور الأربعة المقبلة. وفي تلك الأثناء، يبدو الرئيس في مأزق حقيقي.
والآن، كيف يمكن أن يؤثر هذا الوضع على الأسواق؟ بالتأكيد التأثير سيكون سلبياً. تجدر الإشارة هنا إلى أن الأسهم في الوقت الراهن تقدم مستوى أداء أسوأ بعض الشيء عما تحققه عادة خلال السنوات التي تشهد هزيمة الرئيس الموجود بالبيت الأبيض. ويوحي الأداء الرديء لسوق الأسهم بأن الرئيس سيجابه صعوبة أكبر في الترويج لحزبه خلال الانتخابات. وفي الوقت ذاته، فإن وجود مشكلات سياسية أمام الرئيس القائم يعني خلق مزيد من الشكوك، الأمر الذي لا يروق للأسواق بطبيعة الحال.

جون أوثرز.

العقارات ملاذ آمن للبنانيين

شهد قطاع العقارات في لبنان نشاطا مفاجئا منذ بداية العام الجاري بعد سنوات من الركود، رغم حالة الفوضى الاقتصادية غير المسبوقة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من تسعة أشهر.

وأكدت أوساط القطاع أن عددا كبيرا من المودعين في المصارف اتجهوا إلى تحويل أموالهم لسوق العقارات، وسط مخاوف من احتمال اقتطاع أو تجميد الودائع في ظل الأزمة المالية.

وفي ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي يواجهها لبنان، تجري الحكومة جلسات مفاوضات مع صندوق النقد الدولي على أمل الحصول على مساعدة مشروطة بتنفيذ إصلاحات ضرورية مختلفة.

وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال مؤتمر صحافي عقده الأربعاء إن “صندوق النقد سيوفر التمويل اللازم للحكومة اللبنانية إذا قدمت برنامجا إصلاحيا”.

وتعمل الحكومة على تنفيذ الإصلاحات للحصول على المساعدة من الصندوق أو تلك التي كانت أقرتها الدول والصناديق المانحة في مؤتمر (سيدر) الذي استضافته فرنسا في 2018 لتمويل مشروعات البنتية التحتية.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة محرم وعيتاني للتطوير العقاري مازن محرم في تصريحات لوكالة شينخوا الصينية، إنه “تم تحويل ما لا يقل عن ملياري دولار من المصارف إلى قطاع العقارات منذ بداية هذا العام”.

وأوضح محرم أن الناس يسحبون ودائع مصارفهم من خلال شيكات مصرفية لشراء شقق سكنية لضمان بقاء مدخراتهم طويلة الأجل آمنة في حالة لجوء السلطات اللبنانية إلى اقتطاع أو تجميد بسبب الأزمة المالية للبلاد.

ويمر لبنان بأزمة مالية فرضت خلالها المصارف قيودا على سحب النقد بالليرة والدولار، بينما توقفت عن تحويل العملة اللبنانية إلى الدولار.

وأثار ذلك الذعر بين المودعين الذين لجأوا إلى سحب بعض أموالهم وتخزينها في منازلهم أو استثمار أموالهم في قطاع العقارات.

وأشار محرم إلى أن مواقع الإنترنت التي تروج لمشاريع عقارية مثل أو.أل.أكس، وهي شبكة أسواق رائدة موجودة في أكثر من 30 دولة، شهدت عددا قياسيا من عمليات العقارات في لبنان منذ يناير الماضي.

وتفاقمت متاعب القطاع في السنوات الأخيرة لتنحدر إلى حالة من الركود في ظل استمرار الاضطرابات السياسية الداخلية التي أرخت بتداعياتها على الاقتصاد المحلي بشكل كبير، وزادت من منسوب المخاوف من انفجار فقاعة عقارية محتملة مستقبلا.

وتضاعفت الأسعار أكثر من 10 مرات منذ 2007، حيث تشير التقديرات إلى أن قيمة بعض العقارات قفزت من 100 ألف دولار إلى مليون دولار، خلال الطفرة التي شهدها السوق.

ويقول خبراء في قطاع العقارات أن تلك الذروة التي بلغتها أسعار العقارات، فرضت حدوث عملية تصحيح وأن موجة الهبوط كانت حتمية.

وأضافوا أن كبار المستثمرين الخليجيين في قطاع العقارات في لبنان وصلوا إلى قناعة بأن الاستثمار لم يعد مجديا، ولذلك تحولوا إلى بيع عقاراتهم بشكل ملحوظ، ابتداء من عام 2011.

وكان اندلاع الحرب في سوريا في ذلك العام، الشرارة التي أطلقت عملية التصحيح، التي نتجت عنها بداية هبوط متسارع لأسعار العقارات في لبنان، بسبب ما رافقها من تهديدات أمنية للرعايا الخليجيين.

ولكن مالك شركة رامكو للتطوير العقاري رجا مكارم، يؤكد أن الطلب زاد على العقارات بشكل كبير منذ يناير الماضي، وقد استفاد المطورون الذين كانوا مدينين للمصارف.

وأوضح أن العاملين في القطاع الذين كانوا مدينين للمصارف تمكنوا من تسوية مستحقاتهم عبر قبولهم شيكات المشترين وتقديمها للمصارف مقابل قروضهم.

وأشار مكارم إلى أن الشركات العقارية التي سددت جميع مستحقات المصارف، توقفت عن بيع العقارات والوحدات السكنية مقابل الشيكات المصرفية خوفا من فقدان أموالهم في المصارف.

ووضع معظم اللبنانيين في السنوات السابقة أموالهم في النظام المصرفي للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة على ودائعهم بدلا من شراء العقارات أو الاستثمار في المشاريع.

ولا يتوقع العاملون في القطاع أن تنطلق مشاريع جديدة في البلاد في وقت قريب بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة في وقت يضطر فيه المقاولون إلى دفع ثمن مواد البناء بالعملة الأجنبية وسط قيود على التحويلات.

وأكد متعاملون أن العملة المحلية ارتفعت في السوق غير الرسمية، لتصل إلى 7300 ليرة للدولار الواحد بعد أن اقترب من 10 آلاف ليرة الأسبوعين الماضيين، لأسباب منها الزائرون الذين يجلبون معهم الدولارات الشحيحة منذ إعادة فتح المطار.

وقال محرم “لن نرى أي مشروعات جديدة قريبا بسبب الشح في الدولار وارتفاع سعره مما زاد بنسبة ثلاثة أضعاف أسعار المواد المستوردة المستخدمة في البناء”.

وأوضح أن مقاولي البناء الذين لديهم مشاريع غير منتهية يعانون حاليا لأنهم لا يستطيعون مواصلة البناء بسبب ارتفاع أسعار المواد إلى حد كبير. وقال إن “لبنان لن يشهد أي مشروعات جديدة قريبا حتى يتم حل أزمة الدولار على الأقل”.

وكان استهلاك الأسمنت الذي يعتبر مؤشرا على حركة البناء قد انخفض وفق آخر تقرير لبنك عودة بنسبة 55.7 في المئة في الربع الأول من العام الجاري بمقارنة سنوية.

ويعاني لبنان من تدهور معيشي متصاعد وشح في السيولة وقيود مصرفية على تسييل الودائع نقدا، ما دفع الحكومة إلى التوقف عن سداد الدين الخارجي في إطار إعادة هيكلة شاملة للدين، الذي تجاوز 92 مليار دولار.

وتفاقمت الأزمة المالية بفعل تداعيات فايروس كورونا وتزايد البطالة وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 80 في المئة.

الخوف من العدوى يضرّ بالاقتصاد أكثر من الإغلاق

حتى وقت قريب، بدا أن الجدل الساخن بشأن عمليات الإغلاق قد انتهى. فبنهاية مايو (أيار)، كانت العديد من الولايات تتحدى تحذيرات خبراء الصحة العامة بإعادة فتح المطاعم ومحال التجزئة والأماكن العامة.
وقد عززت الاحتجاجات الضخمة ضد وحشية الشرطة والعنصرية فكرة أن إبقاء الأميركيين محصورين في منازلهم قضية خاسرة. والآن، حتى سان فرانسيسكو التي تعد من أولى المدن التي أصدرت أمراً بالبقاء في المنزل، تمضي الآن تجاه فتح الأعمال والأماكن العامة تدريجياً.
لكن إعادة فتح الأعمال كانت تأتي دائماً بعلامة استفهام. فمع استمرار وجود فيروس كورونا، هل سترتفع الحالات حال تم رفع أوامر البقاء في المنزل؟ وإذا حدث ذلك، فهل يجب أن تعود عمليات الإغلاق من جديد؟
في حين أن شمال شرقي البلاد قد تضرر بشدة من عمليات السيطرة على انتشار الفيروس، فإن نصف الولايات تقريباً، تحديداً جنوب وجنوب غربي البلاد، تشهد ارتفاعاً في أعداد الحالات الجديدة. وفي ولايات مثل تكساس وساوث كارولينا ونورث كارولينا وفلوريدا وأريزونا، ترتفع نسب الاختبار الإيجابية، مما يشير إلى أن موجة من الإصابات الجديدة وراء الزيادة، وليست زيادة الاختبارات. وقد أثار بعض الخبراء السؤال عن الولايات التي ستكون أول من يعيد فرض الإغلاق، وبالفعل تدرس ولاية «هيوستن» بالفعل طلباً جديداً للإقامة في المنزل.
إن الجدل المثار بشأن عمليات الإغلاق المحلية الجديدة قوي، فالمرض هو نفسه الذي كان عليه في مارس (آذار)؛ لذلك إذا كان الإغلاق منطقياً فلماذا لا يطبق الآن؟ فقد أظهرت الأدلة الوبائية أن أوامر البقاء في المنزل كانت فعالة في كبح المرض في الولايات المتحدة، مما أدى إلى خفض معدل الوفيات في المقاطعة بنحو 60 في المائة بعد ثلاثة أسابيع.
إن أسهل طريقة لمعرفة الفرق هي ببساطة عقد مقارنة بين السويد، التي رفضت الحظر، وجيرانها في الشمال الذين اتخذوا جميعاً قراراً معاكساً. فعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في عدد الوفيات، لم تصل السويد إلى مناعة القطيع، مما يعني المزيد من الإصابات وفقدان الأرواح في الطريق. لذلك اعترف مؤخرا عالم الأوبئة الذي وضع استراتيجية الدولة بخطئه وأسف على اختياره.
ولكن ماذا عن الضرر الاقتصادي؟ من المتوقع أن يعاني الاقتصاد السويدي من انكماش حاد، لكن بدرجة أقل من معظم البلدان الأوروبية الأخرى. فمع تفكير الحكومة الفيدرالية فيما إذا كانت ستحد من تدفق أموال الإغاثة بعد نهاية يوليو (تموز)، فإن الولايات والمدن التي يتم إغلاقها مرة أخرى قد تخاطر بالدمار الاقتصادي.
ومع ذلك، هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن معظم الأضرار الاقتصادية الناجمة عن عمليات الإغلاق لم تكن بسبب أوامر البقاء في المنزل، بل بسبب الخوف العام من الفيروس. على سبيل المثال، بدأ الناس في تجنب المطاعم قبل بدء عمليات الإغلاق في أواخر مارس. وقد أكدت تلك النتيجة بعض الأدلة الأكثر صرامة، حيث أظهر بحث حديث، أعده خبراء الاقتصاد ليزا كان، وفابيان لانج، وديفيد ويزر استعانوا ببيانات من موقع إلكتروني للوظائف الشاغرة، وشكاوى البطالة لقياس التوقيت الدقيق للخسائر الاقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا، أن عمليات الإغلاق لا علاقة لها بما جرى.
في التوقيت نفسه، انهارت سوق العمل في الولايات المتحدة بغض النظر عن السياسات المفروضة على مستوى الدولة. وهناك القليل من الأدلة على أنَّ أسواق العمل في الولايات التي فرضت أوامر البقاء في المنزل في وقت سابق، قد تأثرت بصورة تختلف عن غيرها من الولايات التي لم تفرض أوامر البقاء في المنزل.
كما أن عمليات إغلاق الدولة لم تؤثر كثيراً على استخدام بطاقات الائتمان، حتى في الدول الإسكندنافية، يرى خبراء الاقتصاد أن عمليات الإغلاق لم تمثل سوى جزء متواضع من ضعف الأداء الاقتصادي في الدنمارك مقارنة بالسويد.
قد يبدو من الغريب أن عمليات الإغلاق يمكن أن تكون فعالة في حماية الناس من فيروس كورونا، لكن تأثيرها على الاقتصاد يظل محدوداً. فهناك أدلة علمية متزايدة على أن فيروس «كوفيد – 19» المسبب للمرض ينتشر بشكل أساسي من خلال الاتصال الشخصي الداخلي الطويل. فمن خلال إجبار الناس على العمل من المنزل والتعامل فقط عبر الإنترنت، بدلاً من المكاتب المزدحمة والتجمعات الاجتماعية، فإن عمليات الإغلاق يمكن أن تحمي الصحة العامة من دون إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد.
يشير هذا إلى أن عمليات الإغلاق الجديدة يجب ألا تبقي مقيدة مثل تلك التي عشناها في مارس لحماية الناس. وبدلاً من إلزام الجميع البقاء في المنزل، يمكن ببساطة حظر التجمعات الاجتماعية الداخلية الكبيرة ومنع الجلوس في المطاعم والحانات، وتلتزم الشركات بمواصلة سياسات العمل من المنزل. ويمكن السماح بكل شيء آخر مثل محال التجزئة والتجمع في الهواء الطلق والتفاعل الاجتماعي الداخلي المحدود، مع فرض المتطلبات الإضافية التي يمكن ارتداؤها في المتاجر وفي المناسبات التي تقام خارج البيت.
قد يحقق هذا النوع من الإغلاق أفضل المتاح للولايات والمدن التي تعاني من طفرات في فيروس كورونا، لكنها تحتاج أيضاً إلى أن تقترن باختبارات قوية وتتبع الاتصال وعزل المصابين. لا تزال معظم الولايات إما لم توظف ما يكفي من متتبعي الاتصال لتتبع الإصابات الجديدة، أو لا تجري ما يكفي من الاختبارات، وربما الاثنان.
لذلك يمكن لتلك الحزمة من الإجراءات – الأقنعة والاختبار والتتبع والإغلاق – التحكم في الفيروس إلى حين الوصول إلى علاج أو لقاح، مع تقليل خسائر الاقتصاد إلى الحد الأدنى.

نوح سميث.

أميركا والصين تدخلان الغابة المظلمة

«نقف على أعتاب حرب باردة» – كانت تلك كلمات هنري كيسنجر عندما أجريت معه مقابلة خلال فعاليات «منتدى بلومبرغ للاقتصاد الجديد» في بكين، نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
ولم يكن هذا التعليق الذي أدلى به صادماً تماماً في حد ذاته، ذلك أنه بدا لي شخصياً منذ مطلع العام الماضي أن ثمة حرباً باردة جديدة قد بدأت، لكن هذه المرة بين الولايات المتحدة والصين. ولم يكن هذا الاعتقاد وليد مجرد مقابلات أجريتها مع رجال دولة كبار. في واقع الأمر، ورغم ما قد يبدو عليه ذلك من غرابة، تولدت هذه الفكرة لدي بعد قراءة بعض من أدب الخيال العلمي الصيني.
ودعونا نبدأ بلمحة تاريخية. الملاحظ أن ما قد بدأ مطلع عام 2018 كحرب تجارية حول التعريفات وسرقة حقوق الملكية الفكرية، تحول نهاية العام إلى حرب تكنولوجية حول الهيمنة العالمية لشركة «هواوي تكنولوجيز»، الصينية بمجال شبكات الجيل الخامس للاتصالات عن بعد، ومواجهة آيديولوجية حول معاملة بكين لأقلية الإيغور داخل إقليم شينغيانغ والمتظاهرين الداعمين للديمقراطية في هونغ كونغ، وتصعيد الانقسامات القديمة حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.
ومع هذا، فإن إقدام كيسنجر على وجه التحديد على الاعتراف بأننا في مرحلة أولى من «حرب باردة ثانية» جاء مثيراً للدهشة.
منذ زيارته الأولى لبكين عام 1971. عمل كيسنجر بمثابة المهندس وراء سياسة التعاون بين الولايات المتحدة والصين، والتي شكلت على امتداد 45 عاماً عنصراً أساسيا في السياسة الخارجية الأميركية. وكان من شأن هذه السياسة إحداث تغيير جوهري في توازن القوى في منتصف «الحرب الباردة» على نحو أضر بمصالح الاتحاد السوفياتي. وخلقت هذه السياسة ظروفاً جيوسياسية مواتية أمام الثورة الصناعية في الصين، تعتبر الأضخم والأسرع في التاريخ.
التساؤل الأبرز هنا: كيف تردت العلاقات بين بكين وواشنطن بهذه السرعة الكبيرة، لدرجة دفعت حتى كيسنجر للحديث عن حرب باردة؟
تتمثل الإجابة التقليدية هنا في أن الرئيس دونالد ترمب ضرب كالإعصار «النظام الدولي الليبرالي»، وأن «الحرب العالمية الثانية» ليست سوى واحدة من التداعيات السلبية لاستراتيجية «أميركا أولاً» التي رفع لواءها ترمب.
بيد أنه في واقع الأمر تولي هذه الرؤية أهمية مبالغاً فيها للتغييرات التي طرأت على السياسة الخارجية الأميركية منذ عام 2016. بينما لا تولي اهتماماً كافياً للتغييرات التي طرأت على السياسة الخارجية الصينية قبل ذلك بأربع سنوات، عندما تولى شي جينبينغ منصب الأمين العام للحزب الشيوعي. وأعتقد أن المؤرخين مستقبلاً سيدركون أن تراجع وانهيار العلاقات الأميركية – الصينية بدأ في أعقاب الأزمة المالية العالمية، عندما خلص زعيم صيني جديد إلى نتيجة مفادها أنه لم تعد ثمة حاجة لإخفاء الطموحات الصينية.
وعندما صوتت أميركا لصالح ترمب منذ أربعة أعوام، فإن ذلك قد جاء كرد فعل قوي للمزايا غير المتكافئة التي أثمرت عنها سياسة التعاون والعولمة. حصدت الصين قدراً غير متكافئ من المزايا الاقتصادية من وراء التعاون مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تحمل أبناء الطبقة العاملة داخل الولايات المتحدة ثمناً غير متكافئ نتيجة إقرار هذه السياسة. الأدهى من ذلك، أن نفس هؤلاء الأميركيين اليوم يرون أن قادتهم المنتخبين اضطلعوا بدور أقرب إلى القابلة في ميلاد قوة عظمى استراتيجية جديدة تنافس الولايات المتحدة على الهيمنة العالمية، على نحو أقوى حتى من الاتحاد السوفياتي، بفضل القوة الاقتصادية الأكبر التي تنعم بها الصين.
في الواقع، ليس كيسنجر فقط من يقر بتردي العلاقات مع الصين، وإنما كذلك أورفيل شيل، الذي يعتبر هو الآخر من معسكر المفكرين الذين لطالما آمنوا بجدوى سياسة التعاون. وقد أقر في وقت قريب أن سياسة التعاون مع بكين انهارت بسبب «مخاوف عميقة تساور الحزب الشيوعي الحاكم، من أن التعاون الحقيقي المجدي مع الولايات المتحدة ربما يؤدي إلى مطالب بإقرار مزيد من الإصلاحات والتغييرات وانهياره نهاية الأمر».
في تلك الأثناء، يبدو النقاد المحافظون حريصين على الرقص على قبورهم، مع إصرارهم على ضرورة فرض «حجر» اقتصادي على جمهورية الصين الشعبية، والعمل على تقليص دورها في سلاسل الإمداد العالمية على نحو هائل. وثمة نشاط واضح في تحركات العناصر المناهضة للصين داخل إدارة ترمب، خاصة وزير الخارجية مايك بومبيو ونائب مستشار الأمن الوطني مات بوتنغر، ومستشار الشؤون التجارية بيتر نافارو.
وعلى امتداد الثلاثة أعوام ونصف العام الماضية، شددت هذه المجموعة من المسؤولين على أن أهم عنصر في رئاسة ترمب يتمثل في أنه بدل مسار السياسة الأميركية تجاه الصين، وأحدث تحولاً من التعاون نحو المنافسة، حسبما ورد في استراتيجية الأمن الوطني الصادرة عام 2017. ويبدو أن أحداث عام 2020 أثبتت صحة وجهة نظرهم.
الحقيقة أن وباء «كوفيد-19» تسبب في أكثر من مجرد تصعيد لـ«الحرب الباردة الثانية»، وإنما كشف كذلك النقاب عن هذه الحرب بوضوح أمام أعين من شككوا في وجودها منذ عام فقط. من جهته، يتحمل الحزب الشيوعي الصيني المسؤولية عن هذه الكارثة – أولاً من خلال تعتيمه على الخطورة الحقيقية لفيروس «كوفيد-19»، ثم من خلال تأخير الإجراءات التي ربما كانت لتحول دون تفشيه عالمياً.
ومع ذلك، ترغب الصين اليوم في نيل الإشادة عن إنقاذها العالم من الكارثة التي سببتها في المقام الأول. ومن خلال الانهماك في تصدير أجهزة تنفس، واختبار وأقنعة حماية رخيصة وغير فاعلة تماماً، سعت الحكومة الصينية لاقتناص نصر من فك هزيمة هي المتسبب فيها.
من ناحيته، تمادى نائب مدير قسم المعلومات داخل وزارة الخارجية الصينية لدرجة إقرار نظرية مؤامرة تفيد بأن فيروس «كورونا» ينتمي في الأصل إلى الولايات المتحدة، وأعاد عبر موقع «تويتر» نشر مقال يزعم أن فريقاً أميركياً نقل الفيروس معه لدى مشاركته في دورة الألعاب العسكرية العالمية في ووهان، أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وعلى ذات القدر من انعدام المنطقية جاءت ادعاءات الصين، بأن الولايات المتحدة تقف خلف موجات المظاهرات الحالية الداعمة للديمقراطية في هونغ كونغ. ويأتي ذلك رغم أن المواجهة المشتعلة حالياً حول وضع المستعمرة البريطانية السابقة تحمل من دون أدنى شك شعار «صنع في الصين». ومثلما قال بومبيو، فإن قانون الأمن الوطني الجديد الذي فرضته بكين على هونغ كونغ، «يدمر» فعلياً وضع شبه الحكم الذاتي الذي تنعم به هونغ كونغ، ويقضي على الإعلان الصيني – البريطاني المشترك الصادر عام 1984. والذي نص على احتفاظ هونغ كونغ بنظامها القانوني الخاص بها لمدة 50 عاماً من تسليمها إلى الجمهورية الشعبية عام 1997.
وفي هذا الإطار، لا يبدو من المثير للدهشة أن تصبح مشاعر الرأي العام الأميركية، إزاء الصين أكثر صقورية بوضوح منذ عام 2017. خاصة بين الناخبين الأكبر سناً. في الحقيقة، تبرز الصين اليوم باعتبارها واحدة من القضايا القليلة التي يوجد حولها إجماع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ومن الدلائل اللافتة هنا تعمد حملة المرشح الرئاسي الديمقراطي جو بايدن في وقت مبكر التأكيد على رسم صورة لمرشحهم، باعتباره أكثر صقورية إزاء بكين عن ترمب.
من جانبي، كثيراً ما أكدت اعتقادي بأن هذه الحرب الباردة الجديدة حتمية ومرغوبة في الوقت ذاته، لأنها جاءت بمثابة صفعة قوية أجبرت الولايات المتحدة على الخروج من حالة الرضا والتراخي، التي سيطرت عليها ودفعتها نحو العمل بهمة، لضمان ألا تتفوق عليها الصين بمجالات الذكاء الصناعي والمجالات التكنولوجية الحيوية الأخرى.

نيال فرغسون

الآثار الاقتصادية المترتبة على انهيار أسواق النفط في 2020

يواجه قطاع الإنتاج في صناعة النفط والغاز في الولايات المتحدة مخاطر عدة، منها خسارة نحو 200 ألف وظيفة خلال فترة الستة إلى الاثني عشر شهراً المقبلة. كما يتضح أن الصناعة ستواجه مرحلة من الانكماش خلال الفترة الطويلة المدى. وقد توصل إلى هذه الاستنتاجات الباحثان براد هاندلر ومورغان بازيليان اللذان نشرت دراستهما في شهر مايو (أيار) الماضي في ورقة لمعهد باين للسياسات العامة التابع لمدرسة كولوادو للمعادن، هذه الجامعة العريقة التي تعد واحدة من أهم الجامعات العالمية المتخصصة في الدراسات البترولية. وقد اعتمدت الدراسة في بحثها واستنتاجاتها على تجربة تأثير انهيار الأسواق خلال العامين 2015-2016، وكيفية نمو الصناعة البترولية الأميركية خلال السنوات الماضية. وتكمن أهمية استنتاجات الدراسة في تبيان مدى تأثر صناعة إنتاج النفط بعد انهيار الأسواق الحالي، وما صاحبه من كساد الأسواق بسبب جائحة «كوفيد-19».
وتفيد الدراسة بأن جائحة «كوفيد-19» قد أضفت عبئاً اقتصادياً ثقيلاً إضافياً على الانهيار النفطي لعام 2020. وسيترك هذان التطوران المهمان آثارهما على الاقتصاد الأميركي، المحلي والعام، وأيضاً على المجتمعات المحلية المعتمدة على صناعة إنتاج النفط والغاز. كما أن هناك عوارض سلبية أخرى ستلحق بالصناعة، إذ سيشكل قطاع الإنتاج النفطي أبطأ قطاع اقتصادي في استرداد عافيته. وسيتقلص الإنفاق وإمكانية إعادة التوظيف في هذا القطاع على المدى الطويل. وستواجه الولايات والمناطق الأميركية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهذه الصناعة صعوبات عدة عند عودة الصناعة النفطية إلى حيويتها ثانية، تتمثل بمعدلات البطالة العالية، وانخفاض الريع النفطي.
إن صناعة إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة تدعم بشكل كبير اقتصادات عدد من الولايات الأميركية. وتقدر دائرة الإحصاءات في وزارة العمل الأميركية أن عدد الموظفين والعمال في شركات الحفر والخدمات الهندسية (قطاع الإنتاج النفطي) استوعب في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2019 نحو 464 ألف موظف، وشكل نوع العمالة المتخصصة هذه في بعض الولايات نحو 5 في المائة من مجمل الأيدي العاملة في الولاية، ومن بين هذه الولايات شمال داكوتا ووايومنغ. ومن الطبيعي أن الخسائر للولايات المعنية لا تشمل فقط المصاريف والضرائب المحلية للعائلات ذات العلاقة، ولكن أيضاً ضرائب القيمة المضافة والضرائب المتعددة على القطاع النفطي والغازي.
وكما هو معروف، فإن ولاية تكساس هي الأكبر بترولياً في الولايات المتحدة، وقد بلغ مجمل حجم الريع النفطي الذي حصلت عليه الحكومة الفيدرالية من قطاع الإنتاج النفطي والغازي لولاية تكساس في العام المالي لعام 2019 نحو 16.3 مليار دولار، مما يشكل في الوقت نفسه نحو 7 في المائة من مجمل الدخل المالي الذي حصلته الولاية من هذا القطاع النفطي. كما أن هناك ولاية ألاسكا التي بلغ استقطاع الحكومة الفيدرالية من دخلها البترولي في العام المالي لعام 2019 نحو 1.1 مليار دولار، مما شكل بدوره نحو 70 في المائة من دخل الولاية نفسها. وهناك أيضاً ولاية وايومنغ التي استقطعت الحكومة الفيدرالية من دخلها النفطي نحو 2.2 مليار دولار في العام المالي لعام 2017، مما يعادل نحو 52 في المائة من ريع الولاية (ويشمل هذا المبلغ الضرائبي على صناعة الفحم الحجري والمعادن). وهناك ولاية نورث داكوتا التي استقطعت الحكومة الفيدرالية ضرائب على القطاع النفطي بها بنحو 5.1 مليار دولار، مما شكل نسبة 45 في المائة من دخل الولاية في العام المالي لعام 2017.
وتشير الدراسات عن التجربة الأميركية السابقة لفترة تدهور الأسواق 2015-2016 إلى أن مرحلة انتعاش قطاع الإنتاج النفطي والغازي الأميركي التي تلت انهيار الأسواق عندئذ تبعتها مرحلة ازدياد معدل الإنتاج من جهة، إلا أن عدد العمالة لم يعد إلى معدله السابق. والسبب في ذلك هو تحسن تقنية الحفر والتكسير الهيدروليكي لآبار النفط الصخري التي استغنت عن عدد كبير من الأيدي العاملة، إذ تدل المعلومات على أن معدل عدد العمال في قطاع الإنتاج النفطي والغازي في شهر يناير (كانون الثاني) 2019 كان نحو 487.200 عامل، مما يعني 20 في المائة أعلى من المعدل في 2016، ولكن نحو 24 في المائة أقل من المعدل القياسي لعدد العمال في قطاع الإنتاج النفطي والغازي في الولايات المتحدة.
وقد أغلقت بعض شركات الإنتاج أبوابها نظراً للصعوبات المالية التي واجهتها في أثناء كساد الأسواق خلال فترة 2015-2016، وحاولت بعض الشركات تقليص نشاطاتها نظراً للديون المصرفية المترتبة عليها. كما أن سياسة التباعد الاجتماعي الواجب اتباعها بسبب جائحة «كوفيد-19» ستترك آثاراً إضافية على طرق العمل المعتادة. فمن الملاحظ أن أرباح الشركات ستتراجع، رغم زيادة الإنتاج، وذلك بسبب هبوط سعر النفط والغاز إلى مستويات أقل مما كانت عليه قبل جائحة «كوفيد-19».
ويتوقع أن تعاني شركات النفط من هذه العوامل السلبية حتى السنة المالية لعام 2021، إذ إن نحو 1.3 مليون مواطن في ولاية تكساس قد تم الاستغناء عن عمله بنهاية شهر أبريل (نيسان) 2020. وهذا العدد من العاطلين عن العمل في 2020 أعلى بكثير من عدد العاطلين عن العمل خلال تدهور الأسواق في 2015-2016. ويعني هذا أن استعادة هؤلاء العمال لوظائفهم السابقة سيأخذ وقتاً أطول بعد هذه المرحلة. بالذات، إذا وضعنا في الحسبان أن معدل الإنتاج النفطي في الولايات المتحدة سجل معدل 12.2 مليون برميل في اليوم الواحد، وإنتاج الغاز الطبيعي نحو 111.5 مليون قدم مكعب يومياً في عام 2019، مقابل إنتاج نفطي نحو 8.8 مليون برميل في اليوم، و86.0 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز الطبيعي في عام 2014. وهذه الأرقام تدل بكل وضوح على زيادة إنتاج النفط والغاز بين عام 2014 (قبيل انهيار الأسواق) و2019 (بعد الانهيار).
وتلخص استنتاجات الدراسة أن العمالة في قطاع إنتاج النفط والغاز الأميركي لن تعود إلى كامل عهدها بسرعة لأسباب متعددة، منها: عدم اليقين فيما يتعلق بانتعاش الأسعار واستقرارها على معدلات أعلى مما هي عليه في أثناء الجائحة، واستمرار الصعوبات في الحصول على التمويل اللازم، بالذات بعد الضائقة الاقتصادية الناتجة عن الجائحة، ومحاولات الدمج بين بعض الشركات، مما يعني التركيز في العمل وتقليص الأيدي العاملة. ومن المحتمل جداً -كما تدل التجارب السابقة بعد انهيار الأسواق- أن تبادر الشركات إلى تبني نهج تحسين الإنتاجية في وقت تحسين أداء العمالة وزيادة الإنتاج نفسه؛ وهي جميعها خطوات يجب على الشركات تبنيها لدعم الموازنة والأرباح بعد الضربتين الاقتصاديتين اللتين طالتا الاقتصاد العالمي، ومعه طبعاً الشركات النفطية.

وليد خدوري.

* كاتب عراقي متخصص في أمور الطاقة.

الدولار بين الموجة الأولى والثالثة

رغم انّ المسارات في الاسواق المالية ليست ثابتة دائماً، ولا يمكن الجزم باتجاهاتها على مدى طويل، انطلاقاً من متغيرات قد تطرأ بشكل مفاجئ وتخربط الحسابات، مع ذلك، يمكن رسم خط بياني مبدئي للتطورات، انطلاقاً من تجارب الاسواق المالية عبر التاريخ.

تتحرك الأسواق المالية مثل بعض العوامل الطبيعية، ضمن خمس مراحل. على سبيل المثال، تبدأ موجات التسونامي بموجة تحضيرية تليها فترة استراحة يخال خلالها المراقب بأنّ الأسوأ قد ولّى، وإذ بالموجة الكبيرة تضرب وتكون مدمّرة بآثارها التي لا تقل في أي حال من الأحوال عن تأثيرات الموجة الأولى. يلي ذلك عادة فترة استراحة ثانية قبل وصول الموجة الأخيرة.

في الأسواق المالية تُعرَف هذه المراحل بموجات اليوت (ELLIOTT WAVES).

حركة الدولار حالياً مقابل الليرة تُصَنَّف تقنياً ضمن الموجة الثالثة:

1983-1992: الموجة الأولى التحضيرية. ارتفع الدولار من 3,74 ليرات الى 2750 ليرة.

1993-2018: الموجة الثانية، الفترة التصحيحية للاستراحة واستيعاب الارتفاعات السابقة.

2019-2028: الموجة الثالثة الحالية، وهي الأقوى. قد تنتهي بين عامي 2025 و2028.

الموجة الرابعة: يتم تحديدها فور انتهاء الموجة الثالثة، وتكون تصحيحية لاستيعاب ارتفاعات الموجة الحالية.

الموجة الخامسة: تتخطى مستويات الموجة الثالثة.

مقارنة بين موجتين

تطبيقاً لذلك نقول انّ الموجة الأولى التحضيرية بدأت في العام 1983 واستمرت حتى العام 1992. تلتها فترة استراحة دامت 26 عاماً حتى العام 2018، وها انّ موجة التسونامي قد بدأت في العام 2019، فماذا تخبرنا «موجات إليوت» عن مداها؟

• الموجة الأولى: 1983 ارتفع الدولار 46%، 1984 ارتفع الدولار 63%، 1985 ارتفع الدولار 104%، 1986 ارتفع الدولار 381%، 1987 ارتفع الدولار 423%، 1988 ارتفع الدولار 16%، 1989 انخفض الدولار -5%، 1990 ارتفع الدولار 65%، 1991 ارتفع الدولار 1%، 1992 ارتفع الدولار 213%.

• الموجة الثالثة: 2019 ارتفع الدولار 46%، 2020 ارتفع الدولار 350% في الأشهر الستة الأولى، 2021؟ الخط الأحمر لاحتياطي مصرف لبنان سيكون مهدداً، 2022 الانتخابات النيابية والرئاسية، 2023 خطر الفراغ الرئاسي واستحقاق حاكمية مصرف لبنان، 2025-2028 انتهاء الموجة الثالثة ولكن على أي سعر؟

هكذا، تكون موجة اليوت الثالثة حكماً الأسرع والأقوى من بين المراحل الخمس. وبحسب التَسارع الحالي لارتفاع الدولار يبدو أنّ الموجة الثالثة الحالية بدأت تتجاوز النسَب المئوية المسجلة خلال فترة الحرب، حيث كان القطاع الخاص في حالة جيدة وأموال المودعين مصانة والدولار الورقي متوفر في المصارف. وكما تظهر المقارنة أعلاه، ارتفع الدولار في سنة 1984 بنسبة 63% فيما سجلت الأشهر الستة الأولى من سنة 2020 وحدها ارتفاعات بنسبة 350% والسنة ما زالت في منتصفها (ملاحظة: لو حاكت ارتفاعات سنة 2020 نسبة ارتفاعات 1984 لتوقف الدولار هذه السنة عند مستوى 3565 ليرة (63%)، لكنه تجاوز هذا المستوى بأشواط).

للتذكير، ارتفع الدولار في الثمانينات وأوائل التسعينات من 3,74 ليرات الى 2750 ليرة، أي 735 ضعفاً. وإذا طبّقنا نفس النسب على سعر 1500 ليرة ستبدو الارقام حكماً صادمة لأيّ مراقب حيث ستتجاوز المليون ليرة للدولار الواحد بعد بضع سنوات. في كل مرة يستهجن بها أحد أصدقائي هذه الأرقام أطرح عليه السؤال التالي: لو قال لك أحدهم في العام 1983 حين كان سعر الدولار 3,74 ليرات أنه سيرتفع إلى 2750 ليرة أما كنت قلت انه يَهذي؟ وأذكر يومها أنه حتى رقم 10 ليرات كان يبدو لنا مستغرباً، تماماً كما أنّ رقم 10000 ليرة كان يبدو للكثيرين ضرباً من الخيال حتى الأمس القريب.

في بداية مسيرة ارتفاع الدولار في الثمانينات صدم الرئيس كميل شمعون اللبنانيين بتوقّعه الشهير لسعر الدولار رافعاً ورقة الخمسين ليرة، عندها ساد الاستهجان والاستنكار فإذا بالحقيقة تتجاوز التوقعات ويصبح الرقم 2750 ليرة رقماً كغيره من التسعيرات المتداولة في العام 1992.

يتساءل كثيرون كيف سيتعامل اللبنانيون مع هذا الواقع الجديد؟ تخبرنا معظم التجارب العالمية أنه لا بد للسعر الرسمي بأن يلاقي سعر السوق السوداء عاجلاً أم آجلاً (وليس العكس). والتجربة المصرية الأخيرة تظهر بأنّ السلطات النقدية المصرية كانت تقوم برفع السعر الرسمي للجنيه لدى المصارف ليشكل ما لا يقل عن 50% من السعر في السوق السوداء، ثم تعود إلى رفعه مجدداً كلما ارتفع السعر في السوق السوداء، إلى أن استقر الوضع في النهاية على ملاقاة السعر الرسمي للسوق السوداء، مع فوارق مقبولة نسبياً.

هل يعني ذلك أنّ الأزمة الحالية ستدوم 10 سنوات؟ هذا احتمال غير مؤكد، إذ كما يتبيّن أعلاه أنّ الموجة الثالثة هي دائماً الأقوى ولكنها الأسرع، وبالتالي قد يصل الدولار الى ارتفاعاته القصوى ما بين عامي 2025 و2028.

هل ستوازي الارتفاعات القادمة نسب ارتفاعات الدولار خلال الحرب أم ستتجاوزها؟ للأسف يبدو اننا قد تجاوزنا هذه النسَب حتى الآن ولا يمكن التكهّن بنسَب التسارع المستقبلية. إنّ احتمال بلوغ مستويات خيالية يبقى وارداً، لا بل مُرَجَّحاً. المرحلة القادمة ستكون صعبة ومؤلمة ولكن التأقلم سيكون سيّد الموقف.

هل سيسترد اللبنانيون ودائعهم؟ نعم، سيقبض اللبنانيون دولاراتهم بالليرة اللبنانية على سعر سيرتفع دورياً، وسيتم رفع الرواتب تحت الضغط المعيشي. ولكن القدرة الشرائية للمواطن لن تشكل أكثر من 20% من تلك التي تنعَّمَ بها حتى العام 2018. لتبيان ذلك يكفي مراقبة الحد الأدنى للأجور مُقَيَّماً بالدولار خلال الحرب، حيث انخفض الحد الادنى بنسبة 80% رغم الزيادات المتتالية التي أُعطِيَت ما بين عامي 1982 و1992.

الحد الأدنى للأجور مُقيَّماً بالدولار الأميركي

1982 242,8 دولارا

1983 200,4 دولار

1984 140,6 دولارا

1985 81,5 دولارا

1986 25,3 دولارا

1987 18,7 دولارا

1988 47,2 دولارا

1989 49,5 دولارا

1990 53,4 دولارا

1991 136,5 دولارا

1992 43,6 دولارا

في الخلاصة، وفيما كنت أنهي مقالي هذا، أطلّ عبر شاشة التلفزيون مجموعة شباب من بلادي ينشدون «لبنان رح يرجع». تذكرت تلك الأيام التي غنّينا فيها «راجع يتعمّر لبنان» و«رح يرجع لبنان أحلى ممّا كان»… يا ليتنا، وبينما كنا نُغَنّي بَنينا وطناً، فها نحن اليوم نترحَّم على الماضي فيما مستقبلنا تتقاذفه موجات إليوت. وحذار ثم حذار من نتائج الموجة الثالثة…

د. فادي خلف.

عن قيادة الاقتصاد ومؤشرات الأزمة والمرايا المضللة

تقود سيارتك وتطالع لوحة القيادة والتحكم فتفاجأ بأن كل مؤشر يُفترض ارتفاعه في نقصان، وكل دليل يجب الحرص على انخفاضه في ازدياد. هذا هو وضع الاقتصاد العالمي بعد جائحة كورونا: فالنمو الذي كان يتباكى مقدروه على انخفاضه في أول العام لأنه سيقل عن 3 في المائة، لن يقل تراجعه عن 8 نقاط مئوية عما كان مقدراً له ليصل إلى سالب 5 في المائة، وفقاً لأفضل تقدير من المؤسسات الدولية الثلاث التي تحدث تقديراتها بانتظام وهي صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي. وقد خفضت كل هذه المؤسسات تقديراتها في شهر يونيو (حزيران) عما قدرته منذ أسابيع معدودة في شهر أبريل (نيسان). وتشير منظمة العمل الدولية إلى خسارة سوق العمل لما يعادل 300 مليون فرصة عمل حول العالم، من العمالة المنتظمة، وهو أكثر بخمس عشرة مرة لخسائر البطالة عما سببته الأزمة المالية العالمية.
وقدرت منظمة التجارة العالمية تراجع التجارة العالمية بما قد يتجاوز 30 في المائة عما كانت عليه في العام الماضي. وذهبت منظمة الأنكتاد التابعة للأمم المتحدة إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر سينخفض بنسبة لن تقل عن 40 في المائة ليقل رقمه عن تريليون دولار لينحدر لما كان عليه منذ خمسة عشر عاماً في عام 2005. وفي هذه الأثناء تتراجع تحويلات العاملين بالخارج بأكثر من 20 في المائة مقارنة بالعام الماضي. أي أنه لم تسلم قناة من القنوات الثلاث للعولمة الاقتصادية، المتمثلة في التجارة والاستثمار وعوائد هجرة العمالة من ضرر بالغ.
وفي ظل هذه الأوضاع تتزايد أرقام الفقر المدقع ليضاف إلى من يعانون منه ما يقدر بحوالي 70 مليونا و100 مليون إنسان، وفقاً لتقديرات البنك الدولي، بما يجعل الرقم الكلي للفقراء وفقاً لهذا المعيار يقترب من مليار إنسان. ويحذر برنامج الغذاء العالمي في الوقت نفسه من تفاقم مشكلة شح موارد الغذاء لتطول 265 مليون من البشر.
وفي هذه الأثناء تطالعك أرقام البورصات المالية العالمية وهي في ارتفاع متراقص غير مبالية بركود أو بتهديد بكساد، فتعوض خسائر شهري فبراير (شباط) ومارس التي تكبدتها مع أنباء الوباء، وتتجاوزها ارتفاعاً. وفي حين يرى البعض أن مستثمري البورصات يرون في المستقبل ما لا يرى عموم الناس، فالواقع يدل على أن مرتادي شارع وول ستريت، حيث تقع بورصة نيويورك، قد انفصلوا عن شوارع أسواق الاقتصاد الحقيقي المصدومة، طلباً وعرضاً، والمواجهة لضغوط إعادة جدولة المديونيات والصلح الواقي من الإفلاس، لمن لم يفلس بالفعل، إذ لم يكونوا من المشمولين بحزم الدعم المعلنة.
فلا توجد هناك أدلة دامغة على أن البورصة مرآة للاقتصاد الحقيقي حتى في الأحوال العادية بعيداً عن الأزمات. فالبورصة سوق لتداول الأوراق المالية ومجال للاستثمار وللتمويل، وكذلك التوسع والتخارج لشركات مسجلة. وفي حالة البورصات العالمية قد تكون الشركات غير متواجدة أصلاً في الاقتصاد الحقيقي للدولة، أو أن أغلب نشاطها خارجها مثل حالة الشركات الأجنبية المسجلة في بورصتي لندن ووول ستريت. كما أن هناك أنشطة اقتصادية هادفة للربح غير ممثلة في البورصات. وفي الدول النامية ينشط القطاع غير الرسمي في الاقتصاد لا علاقة بينه وبين البورصات فهو غائب عن أي سجل معتمد أو تعداد.
فالقول إذن بأن البورصة مرآة للاقتصاد ومؤشراتها تعبر عن أدائه الكلي لا يستند إلى دليل إلا إذا أخذنا في الاعتبار أن من المرايا أنواعا غير مستوية مقعرة ومحدبة، وهناك أخرى مكسورة ومشوهة. وتظل العلاقة بين الشارع المالي والشارع الاقتصادي أكثر تعقيداً واختلافاً عما يصوره أصحاب المرايا. فما يجب أن تعكسه البورصات هو أداء الشركات المسجلة وتوقعات نشاطها وهذا هو المطلوب من مؤشراتها؛ لكن في الأزمة العالمية الحالية تضطرب المعايير، خاصة مع وجود تمويل رخيص متاح لبعض المستثمرين وضخ غير مسبوق للنقد من البنوك المركزية التي مدد أكبرها قوائمها لتشتري أصولاً تجاوزت 6 تريليونات دولار بما في ذلك من أصول مالية عالية المخاطرة. ويتزايد مع التمويل الرخيص نشاط المقامرين، وليس المضاربين فقط، وأنماط شرحتها، في مقال سابق في هذه الصحيفة الغراء، عن «بونزي وشركائه» ونماذج التمويل الهرمي يفوز فيها من يدخل السوق ويخرج منها مبكراً قبل موجات الانخفاض الحاد أو انفجار الفقاعات المالية مثلما حدث مراراً من قبل في أزمات مالية سابقة. لكن ذاكرة الأسواق تتبدد مع سيطرة سلوكيات الأزمة بين جشع لمحترف قديم وطمع لمستجد غشيم.
والواجب هو الدفع بتطوير سوق المال بالعمل على تنويع محافظ شركاتها المدرجة مع تدعيم الرقابة وإتاحة المعلومات المدققة عن أوراقها المتداولة وتبصير المستثمرين بالمخاطر والعوائد، وحبذا لو اتخذت هذه الإجراءات قبل وقوع الأزمة لا أن تأتي في شكل عظات بعد اندلاعها.
أما الاقتصاد الحقيقي فله محدداته ومؤشراته التي ظهر مدى تأثرها بالأزمة ولا تحسن لها إلا باستكمال إجراءات التصدي لأزمة الوباء الصحية وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية:
وفي هذا أميز بين ستة مجالات للسياسات العامة وتنفيذها بالمشاركة مع قطاع الأعمال والمجتمع المدني:
أولاً، اتخاذ تدابير التعايش مع فيروس كورونا وتكاليف توفير وسائل الوقاية وتدابير التباعد الاجتماعي وتوفير العلاج ومستلزماته، خاصة مع غياب وجود لقاح ضد الفيروس.
ثانياً، مكافحة الركود ومنع تحوله لكساد من خلال الإنفاق الاستثماري في تطوير رأس المال البشري من خلال الرعاية الصحية والتعليم، وتدعيم البنية الأساسية والتكنولوجية، الاستثمار في التوقي من آثار تغيرات المناخ وتمتين قدرة المجتمع على احتواء الصدمات؛ ولا يوجد تناقض بين هذه الاستثمارات وأولوياتها فهي متكاملة يمسك بعضها من أجل التنمية بعضاً.
ثالثا، التصدي لمشكلات زيادة الديون خاصة في شقها الخارجي قبل تحولها لأزمة كتلك التي شهدتها بلدان أميركا اللاتينية في الثمانينات وجنوب شرقي آسيا في أواخر التسعينيات.
رابعاً، تبني التحول الرقمي وتكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتها كأسلوب حياة وإنتاج وتطور وليس مجرد قطاع منفصل.
خامساً، توطين التنمية المستدامة بدفع الاستثمارات المحلية في أركان اقتصاد الدولة بدأ من الأقل دخلاً ورفاهاً.
سادساً، التعامل المتوازن بين أدوار مؤسسات الدولة الحكومية والخاصة وتلك المرتبطة بالمجتمع، فلكل مجاله وشأنه لا يجب الافتئات عليه، مع ضرورة مواكبة القواعد الرقابية لمستلزمات العصر وشدة تغير معطياته.
وعلى صناع السياسات في المجالات الستة المذكورة مراعاة تأثر إجراءاتها وكفاءة تطبيقها بفعل عاملين من عوامل أزمة الجائحة يدفعان بعضهما دفعاً. فبعدما جاءت الأزمة كاشفة لمواطن القوة والوهن في الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة، ترى العامل الأول كمعجل لحدوث ما كان ينتظر وقوعه في سنوات فيصير حدوثه في أشهر معدودة. أما العامل الثاني فيرجع لتأثير القصور الذاتي يدفع الأمور لمسارها القديم، ويتصدى للتغيير كأن أزمة لم تقع. ويدفع العاملان بعضهما بعضاً حتى يصير الأمر لواقع جديد في عالم شديد التغير.

د. محمود محي الدين.

أميركا والصين وإنعاش الاقتصاد العالمي

تزيد جائحة وباء كورونا المستجد من كثافة الاتجاهات الأكثر تدميراً في التجارة العالمية. ولقد أفسح مجال دعم التجارة الحرة الأجواء للحديث عن الانفصال التجاري والانفكاك عن العولمة. وذلك في ظل تصاعد المواجهات التجارية – وغيرها – ما بين الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن كثافة الدعوات المنادية بالحمائية وإعادة توطين سلاسل التوريد العاملة في الخارج. ولم تعد محاولات دمج البلدان التي تملك الأنظمة الاقتصادية أو الآيديولوجيات الفكرية من الأمور المرغوب فيها، وإن حتى الممكنة على أي صعيد يُذكر.
ومن شأن محاولات عكس تلك التوجهات أن تستلزم اتخاذ إجراءات مصيرية كبيرة. فمن شأن قرار واحد أن يحدث فارقاً حقيقياً، وذلك بالنسبة إلى الصين من حيث الانضمام إلى معاهدة التجارة الكبرى في المحيط الهادئ، التي تصدرت الولايات المتحدة زعامتها في حين، ثم تخلت تماماً عنها في حين آخر.
وقبل عام ونصف العام من الآن، دخلت «معاهدة الشراكة التقدمية والشاملة عبر المحيط الهادئ» – وهي المعاهدة التي ورثت «اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ» الأكثر اختصاراً قبلها – إلى حيز التنفيذ الفعلي. ووصفت حينذاك بأنها الاتفاقية التجارية من «الجيل الثاني»، وذلك من أجل اعتمادها للمعايير العالية وتركيزها بالأساس على القطاعات التجارية والاقتصادية الناشئة. وتغطي تلك المعاهدة 11 دولة، وما يقرب من نصف مليار نسمة، وأكثر من 13 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي لكل تلك الدول الأعضاء.
ويُشهد للاتفاقية قدرتها على استيعاب النظم الاقتصادية والأنظمة السياسية المختلفة للغاية. وتضم بين دولها الأعضاء والبلدان الديمقراطية الصناعية الغربية، على غرار كندا وأستراليا، فضلاً عن الأسواق الاقتصادية الناشئة في قارتي أميركا اللاتينية وآسيا، مع دولة فيتنام الاشتراكية.
وفي الوقت المفعم بالكثير من التحديات غير المسبوقة على صعيد التجارة العالمية، تمهد التزامات «معاهدة الشراكة التقدمية والشاملة عبر المحيط الهادئ» العميقة والمتشابكة الأجواء لتعزيز النمو الاقتصادي والإقلال من حالة عدم اليقين الراهنة. ولقد أبدت العديد من البلدان اهتمامها بالانضمام إلى تلك المعاهدة. كما شكلت تايلند لجنة معنية بتقدير ما إذا كان ينبغي على الحكومة السعي وراء الانضمام إلى تلك المعاهدة من عدمه. ومن شأن المملكة المتحدة أن تشرع في وقت قريب في مفاوضات تجارية ثنائية مع اليابان، وهي التي تعدها حكومة رئيس الوزراء بوريس جونسون بمثابة دفعة انطلاق إلى الأمام على مسار الانضمام إلى «معاهدة الشراكة التقدمية والشاملة عبر المحيط الهادئ».
ومع نهاية مايو (أيار) الماضي، كان السيد لي كي تشيانغ – رئيس مجلس الدولة الصيني – قد اقترح على حكومة بلاده التفكير في الانضمام إلى «معاهدة الشراكة التقدمية والشاملة عبر المحيط الهادئ». وما يزال ذلك المقترح يكتسب المزيد من الزخم عبر العديد من المناقشات والمداولات في دوائر صناعة القرار السياسي في الحكومة الصينية.
وهناك عقبتان واضحتان على طريق حصول الحكومة الصينية على عضوية تلك المعاهدة: أولاً، أن النظام الاقتصادي في الصين لا يتسق مع معايير العضوية المقررة للانضمام إلى المعاهدة. على سبيل المثال، لا بد من تحديث، وربما تعديل، اللوائح الصينية ذات الصلة بالدعم المادي للشركات والمؤسسات المملوكة للحكومة الصينية، فضلاً عن مراجعة القيود المفروضة على نقل البيانات عبر الحدود الدولية.
ومع ذلك، تقترب الإصلاحات الحكومية المحلية في الصين مع «المرحلة الأولى» من الصفقة التجارية مع الولايات المتحدة من جبر هذه الفجوة. وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، تسارعت الجهود الصينية على مسار تحسين البيئة الداخلية لصالح الاستثمارات الأجنبية. وتشتمل هذه الجهود على سن قانون جديد معني بالاستثمارات الأجنبية في البلاد، فضلاً عن فتح الأسواق المحلية أمام الخدمات المالية والصناعات التحويلية، وكذلك توفير الحماية القوية للملكية الفكرية في البلاد.
ويمكن انتظار المزيد من هذه الإصلاحات الهيكلية في الصين. إذ أعلنت الحكومة الصينية في الآونة الأخيرة عن تعهدها بتقليص القائمة السلبية، التي تضم القطاعات المغلقة من الاقتصاد الوطني في وجه الاستثمارات الأجنبية بصورة أكبر، مع تفكيك الحواجز غير الرسمية القائمة أمام وصول مثل هذه الاستثمارات إلى البلاد. وفي الثاني من يونيو (حزيران) الجاري، جرى نشر خطة صينية جديدة بهدف بناء أكبر ميناء للتجارة الحرة في قارة آسيا، وذلك على جزيرة «هاينان»، الأمر الذي سوف يكون بمثابة اختبار حقيقي للتحرر الاقتصادي المزمع في الصين. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إصدار المخطط الاقتصادي الجديد الذي يشمل اتخاذ التدابير الموسعة المؤيدة للأسواق مع إصلاح الشركات والمؤسسات الوطنية المملوكة للدولة.
وبطبيعة الحال، ينبغي ترجمة تلك الأقوال إلى أفعال في أرض الواقع.
لكن، ومع انسحاب الحكومة الأميركية من المعاهدة، تراجعت مثل تلك المزاعم إلى زاوية النسيان. ولكن ينبغي علينا إمعان النظر في أمر مهم: من شأن قواعد «معاهدة الشراكة التقدمية والشاملة عبر المحيط الهادئ» تحفيز الحكومة الصينية على اتخاذ وتنفيذ العديد من الإصلاحات الهيكلية الداخلية التي طالما طالب بها المسؤولون الأميركيون من قبل الانسحاب، وذلك مثل إخضاع الشركات والمؤسسات المملوكة للحكومة الصينية إلى القواعد الحاكمة لانضباط السوق مع تحسين لوائح حماية الملكية الفكرية. ومن شأن الانضمام إلى تلك المعاهدة أن يعزز من مواقف أنصار الإصلاح الاقتصادي داخل الصين، والذين يمكنهم المجادلة بأن التعديلات والتغييرات التي يطلبها ميثاق المعاهدة تتسق مع أهداف التنمية الوطنية في الصين، بما في ذلك الابتكار ثم الكفاءة، وحتى حماية البيئة.
ذلك، ومن شأن انضمام الحكومة الصينية إلى «معاهدة الشراكة التقدمية والشاملة عبر المحيط الهادئ» أن يفيد الدول الأعضاء كما يفيد الاقتصاد العالمي بنطاقه الأوسع؛ إذ سوف تنضم إليه السوق الاستهلاكية الأضخم على مستوى العالم التي فقد مثيلتها مع انسحاب الحكومة الأميركية من المعاهدة قبلا. وفي ظل الوجود الصيني، من شأن المعاهدة أن تغطي أكثر من 28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ومن شأن ذلك أن يزيد بمقدار أربعة أضعاف المكاسب العالمية المحققة من وراء المعاهدة إلى 632 مليار دولار، وذلك وفقاً للتوقعات الصادرة عن معهد بيترسون للاقتصاد الدولي. ومن شأن الانضمام الصيني أن يجلب المزيد من الاقتصادات الإقليمية تحت مظلة مجموعة رسمية من القواعد المعتبرة المدفوعة بتوافق العديد من الأطراف، الأمر الذي يدعم ويؤيد النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي.
أما بالنسبة إلى الصين، فإن المكاسب المحققة هي على القدر نفسه من الوضوح. فمن شأن الانضمام إلى «معاهدة الشراكة التقدمية والشاملة عبر المحيط الهادئ» أن يتيح للشركات الصينية مقدرة الوصول الأكبر إلى الأسواق الواسعة ذات الدينامية العالية.
ومن شأن الانضمام للمعاهدة أيضاً أن يعزز من الدور الاقتصادي الصيني في قلب قارة آسيا في الوقت الذي تشهد فيه الأوضاع الاقتصادية للمنطقة تغيرات كبيرة ومتسارعة.
وعلى المدى الطويل، من شأن «معاهدة الشراكة التقدمية والشاملة عبر المحيط الهادئ» الموسعة تهيئة الأجواء لإجراء إصلاحات مطلوبة في منظمة التجارة العالمية، وإعادة ضبط مسار أجندة الأعمال التجارة الحرة على مستوى العالم.

وانغ هوياو.