كيف يمكن الاستثمار في السوق الصاعدة والهابطة؟

 

من حين لآخر، يسمع المستثمرون لمصطلحات مثل السوق الهابطة والسوق ‏الصاعدة تعبيراً عن تحركات معينة بأسواق الأسهم.‏

يمكن تعريف المصطلحين باختصار على النحو أن السوق الهابطة تحدث عندما ‏تتراجع الأسهم، والصاعدة عندما ترتفع الأسهم، لكن الأمر لا يخلو من بعض ‏التفاصيل.‏
خلال السوق الهابطة، يحدث تراجع حاد في أسعار الأسهم وتنهار ثقة المستثمرين ‏وتسود المخاطرة، بينما في السوق الصاعدة، تشهد الأسهم ارتفاعات متوالية وثقة ‏متزايدة لدى المستثمرين تعكسها بيئة اقتصادية قوية.‏

وبشكل أدق، توصف السوق الهابطة بأنها انخفاض في مؤشر الأسهم بنسبة 20% ‏أو أكثر من أحدث ذروة بلغها.‏

على الجانب الآخر، فإن السوق الصاعدة تتجسد في ارتفاع بنسبة 20% في سوق ‏الأسهم من انخفاضات حديثة.‏

كيف يمكن الاستثمار في السوق الهابطة والصاعدة؟

كمستثمر، يجب فهم كلا السيناريوهين في السوق الهابطة والصاعدة من أجل تحديد ‏ما سيفعله بأمواله.‏

يميل المستثمرون في السوق الهابطة إلى تصفية استثماراتهم خلال هذا الوقت لعدم ‏التعرض لمخاطر خسارة المزيد من الأموال.‏

من ناحية أخرى، قد يبيع المستثمرون في السوق الصاعدة بعض ما يملكونه من ‏أسهمهم لتحقيق ربح مناسب أو ربما الانتظار على أمل ارتفاع الأسهم لمستويات ‏أعلى في المستقبل.‏

وفي الوقت الذي من السهل فيه على المستثمرين معرفة ما يحدث في السوق، ينصح ‏الخبراء عموماً بترك الاستثمارات لفترة أطول وعدم النظر إلى المحفظة من أجل ‏تجنب التقلبات في السوق.‏

بالطبع، يكون لدى المستثمر غريزة طبيعية بالرغبة في الاستجابة لما يجري في ‏السوق بشكل فوري ومحاولة تقليل الخسارة أو جني الربح، لكن من الأفضل (كما ‏ينصح الخبراء) تجنب أي ردة فعل مفاجئة قدر الإمكان.‏

بين السعودية والصين… رؤية وحزام وطريق

أنظار العالم تتجه إلى العاصمة السعودية الرياض، حيث يحل الرئيس الصيني شي جينبينغ ضيفاً على السعوديين، في زيارة رسمية تستمر 3 أيام يعقد خلالها 3 قمم وليست قمة واحدة، بمشاركة 30 رئيس دولة ومنظمة، فما هو سر كل هذا الاهتمام؟ هل ذلك يعود إلى أهمية الضيف أو أهمية المضيف أو كليهما معاً؛ أم أن له أسباباً أخرى؟
الكثير من التحليلات صاحبت هذه الزيارة حتى قبل أن تبدأ بأسابيع. هناك من نظر إليها على أنها من باب المناكفة السياسية، وهناك من يراها على أنها هرولة من دول المنطقة تجاه الشرق على حساب الغرب، وهناك من يعتقد بأن السعوديين يريدون إعادة ضبط علاقاتهم مع الأميركيين عبر التقارب مع الصين.
وبين كل ذلك يبدو أن جميع من يقف خلف تلك التحليلات لديه إما نظرة قاصرة أو نوع من اللاعقلانية؛ فالعلاقات بين الدول تحكمها المصالح المشتركة فقط، مهما كان حجم التباين كبيراً في المواقف السياسية.
صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية في عهد إدارة بايدن أشاحت بوجهها عن المنطقة، وتراجع الاهتمام بها بدرجات متفاوتة، ولكن ذلك لا يعني الكثير، لكون أن أي فراغ قد يملأه الآخرون.
وهنا من المفيد إعادة التذكير بما ذكره ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مقابلة مجلة ذا أتلانتيك الأميركية حينما سئل عن العلاقة مع الصين، حيث قال ما نصه: «إن السعودية واحدة من أسرع البلدان نموًا في المنطقة، وستصبح قريباً جدًا البلد الأسرع نموًا في العالم.
لدينا اثنان من أكبر عشرة صناديق في العالم، والمملكة تمتلك واحدة من أكبر الاحتياطيات بالعملة الأجنبية في العالم، والسعودية لديها القدرة على تلبية 12 في المائة من الطلب على البترول في العالم، والسعودية تقع بين ثلاثة مضائق بحرية: مضيق السويس ومضيق باب المندب ومضيق هرمز، وتطل على البحر الأحمر والخليج العربي، ويمر من خلالها 27 في المائة تقريباً من التجارة العالمية، وإجمالي الاستثمارات السعودية في أميركا هو 800 مليار دولار، وفي الصين، حتى هذا الوقت، استثمرنا أقل من 100 مليار دولار، ولكن يبدو أنها تنمو هناك بسرعة كبيرة، كما أن لدى الشركات الأميركية تركيزا كبيرا على المملكة العربية السعودية إذ لدينا أكثر من 300 ألف أميركي في السعودية، وبعضهم يحملون كلتا الجنسيتين، ويقيمون فيها، والعدد يزداد كل يوم، لذا فالمصالح واضحة، والأمر يعود لكم سواء كنت تريد الفوز بالسعودية أو الخسارة».
العلاقة السعودية الصينية اليوم تشهد تطوراً كبيراً في جميع جوانبها، فالبلدان عضوان فإعلان في إطار مجموعة العشرين التي تضم أقوى وأضخم اقتصادات العالم، وبكين تعتبر أكبر عميل للنفط السعودي حيث تستورد ربع الصادرات النفطية السعودية، وتجمع البلدين رؤيتان اقتصاديتان متماثلتان في الطموح (رؤية 2030 السعودية ومبادرة الحزام والطريق الصينية)، كما تعمل الدولتان من خلال لجنة مشتركة رفيعة المستوى على زيادة التنسيق في الشأنين السياسي والأمني، وتعزيز أوجه التعاون في الجوانب التجارية والاستثمارية، والطاقة، والثقافة، والتقنية، فضلاً عما شهدته القمة السعودية الصينية على هامشها من توقيع على أكثر 20 اتفاقية أولية بقيمة تتجاوز 110 مليارات ريال، وتوقيع وثيقة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وخطة المواءمة بين رؤية المملكة 2030، ومبادرة الحزام والطريق، وكل ذلك يدشن مرحلة جديدة وهامة من هذا التحالف الاستراتيجي الوثيق.
عالم اليوم، تحكمه المصالح فقط؛ والأكيد والثابت في السياسة السعودية أنها تنأى بنفسها عن معارك المحاور والاستقطابات أو تقوية تحالفات على حساب أخرى. ولكن قدرها دوماً بما تمتلكه من مكانة استراتيجية في العالمين العربي والإسلامي وثقل اقتصادي في المنطقة والعالم أن تكون البوابة الرئيسية لمد جسور التعاون مع الشرق كما الغرب. ومثلما ساهمت بالأمس بفتح صفحة مهمة في تصحيح العلاقة بين أميركا ودول العالم الإسلامي في وقت مرت فيه العلاقات بين الجانبين بأدنى مستوياتها، فها هي اليوم تفعل الأمر نفسه بين الصين والمنطقة العربية.

سلمان الدوسري

أزمة أرقام بين مصرف لبنان والبنك الدولي

يلاحظ المراقبون انّ الحركة الاقتصادية في البلد شهدت تغييرات في خلال العام 2022، بحيث انّ الوضع بات يختلف عمّا كان عليه في العام 2021. فهل هناك فعلاً حركة نمو، أم انّه وهم مرتبط بعوامل نفسية، وعوامل ظرفية، توحي بذلك، في حين انّ الأزمة تتجّه نحو مزيد من التعقيدات والبؤس والمخاطر في المرحلة المقبلة؟

يستند الناس في حكمهم على الحركة الاقتصادية على ما يشهدونه من ملاحظات في حياتهم اليومية. هذه الملاحظات توحي للبعض بأنّ «البلد ماشي»، رغم الأزمة: حركة المبيعات في بعض الاسواق ناشطة، المطاعم مفوّلة، حركة السير كثيفة رغم الارتفاع الجنوني في اسعار المحروقات، الكثير من الاعمال الحرفية والمهنية باتت مُسعّرة بالدولار، ومع ذلك جدول العمل لدى هؤلاء مليء بالمواعيد…

 

في المقابل، تستند الدوائر الاقتصادية والمالية المتخصصة إلى الارقام والمعايير الثابتة في تقييم نسب النمو، وترصد المؤشرات في قراءة الاتجاهات التي قد يسلكها الاقتصاد في المستقبل. لكن المفارقة، انّ لغة الارقام لم تكن موحّدة بالنسبة إلى هذه المؤسسات. ولعلّ التناقض النافر ظهر بين تقديرات البنك الدولي الذي تحدث عن نمو سلبي (انكماش) في العام 2022 سيصل إلى ناقص 5,4%، وبين إحصاءات وتقديرات مصرف لبنان التي تتحدث عن نمو نسبته 2%. وهذا ما أكّده حاكم المركزي في إطلالته التلفزيونية الأخيرة مع قناة «الحرة».

 

هل بدأ الاقتصاد فعلاً يتأقلم مع الوضع القائم، إلى حدّ الانتقال من الانكماش إلى النمو قبل البدء في خطة للتعافي، وقبل معالجة أزمة التوقف عن الدفع (الافلاس)، ومعالجة الوضع المصرفي ليعود إلى دوره الطبيعي؟

 

لا شك في انّ الاختلاف في التقديرات بين مصرف لبنان والبنك الدولي نافر، لأنّ الاختلاف في الرأي بالنسبة إلى النمو تحديداً كان يحصل في الماضي، قبل أزمة الانهيار، لكن الفارق لم يكن يتجاوز الـ1 أو2 في المئة في الحالات الاستثنائية. في حين انّ فارق التقديرات اليوم وصل إلى 7,4%.

 

من الواضح انّ مصرف لبنان يستند في إحصاءاته على وقائع قائمة، لكنها لا تعكس المسار الذي سيسلكه الاقتصاد لاحقاً، ولا تعكس في بعض الجوانب النمو الحقيقي الذي غالباً ما ينعكس على الحركة الاقتصادية، ويلمسه المواطن، ولو بنسبة ضئيلة. ومن هذه الظواهر والحقائق ما يلي:

اولاً- انّ حجم تدفق الدولارات إلى لبنان لم يحافظ على وتيرته المرتفعة قياساً بحجم الاقتصاد فحسب، بل انّه ارتفع.

ثانياً- انّ حجم الاستيراد زاد بما لا يقل عن نسبة 20% عمّا كان عليه في العام 2021.

ثالثاً- نشطت الحركة السياحية في الصيف، وسجّلت المطاعم والمقاهي حركة عمل ناشطة، وحتى بعد انتهاء موسم السياحة، استمرت الحركة وفق وتيرة جيدة.

رابعاً- رغم الارتفاع الهائل في اسعار المحروقات الناتج من تراجع قيمة الليرة، ووقف كل انواع الدعم على المادة، وارتفاع الاسعار عالمياً، وارتفاع اسعار الشحن والنقل، إلّا انّ الكميات المستوردة لم تنخفض سوى بنسبة تُعتبر ضئيلة قياساً بالأسباب الآنفة الذكر، بما يوحي بأنّ اللبناني لا يزال يتمتّع بقدرة شرائية مقبولة.

خامساً- ارتفعت الرواتب في القطاع الخاص بنسب متفاوتة. وهناك عدد كبير من المؤسسات باتت تدفع الرواتب بالدولار او تقسّم الراتب إلى دولار وليرة. وهذا الامر اتضح بسبب الضجة التي أُثيرت في شأن مشروع ضرائب الدخل الجديدة، بما يوحي بوجود نسبة لا بأس بها من اللبنانيين العاملين في القطاع الخاص باتوا يتقاضون رواتبهم بالدولار.

 

هل كل هذه المؤشرات كافية للقول انّ إحصاءات المركزي أكثر دقة من البنك الدولي، وانّ النمو موجود فعلاً، بصرف النظر عن نسبته؟

 

اللافت في هذا الموضوع، انّ تقديرات صندوق النقد الدولي للنمو في اقتصادات العالم جرى خفضها أخيراً بعد آخر تحديث للإحصاءات، بحيث تبين انّ معدل النمو في العالم قد ينخفض إلى ما دون الـ2%. وهذا يعني انّ الاقتصاد اللبناني المفلس حقق نمواً يعادل معدل النمو العالمي!

 

لا شك في انّ مظاهر التأقلم مع الأزمة في لبنان قائمة وحقيقية. لكن التأقلم لا يعني انّ الاقتصاد خرج من الأزمة وبدأ مسيرة الانتعاش. وكل الوقائع التي يستند اليها إحصاء النمو الحالي، إن وجد، مموهة او مؤقتة. الاستيراد ارتفع استباقاً للدولار الجمركي، انخفاض استيراد المحروقات بنسبة ضئيلة واستمرار حركة السير ناشطة سببهما انعدام وسائل النقل البديلة للمواطن للذهاب إلى مقر عمله. ارتفاع تدفق الدولارات قد يعكس زيادة حالات البؤس بما يضطر اللبنانيين العاملين في الخارج إلى إرسال المساعدات.

 

إلى ذلك، ينبغي الأخذ في الاعتبار الدولارات التي سُحبت من المصارف بناءً على التعميم 158، والتي بلغت حتى الآن حوالى 600 مليون دولار. جزء من هذه الدولارات جرى ضخه مجدّداً في السوق، لكن ذلك يعني ايضاً انّ المواطن يستنفد مدخراته ليؤمّن معيشته اليومية في هذه الأزمة.

 

خلاصة الامر، وبصرف النظر عن وجود نمو ايجابي كما يقول مصرف لبنان، ام انكماش كما يؤكّد البنك الدولي، ما هو اكيد انّ الاقتصاد مكربج، والاستثمارات الخارجية غير موجودة، والاستثمارات الداخلية الضئيلة، لا تبقي على أرباحها في الداخل، بل تعمل على إخراجها، والتفاوت الطبقي ينمو بشكل خطير يهدّد بالانفجار الاجتماعي. كل ذلك يعني انّ استمرار التأخير في البدء بالحل يزيد الأزمة صعوبة، ويزيد الكلفة على الجميع. ولا خلاص سوى بالاعتراف بالحقائق واستعجال المعالجة، قبل الوصول إلى وضع أسوأ بكثير من الوضع الحالي.

انطوان فرح

الوعود باسترجاع الودائع حلم أم حقيقة؟

مشروع استرجاع الودائع، والوعود الوهمية التي تتردّد، بات «سمفونية يومية»، من دون أي نتيجة عملية تُذكر. هذه الوعود الكاذبة والشعارات الفارغة تذكّرنا بوعود محاربة الفساد، حيث الذين يتبارون ويتنافسون على المنابر، ويُنادون بمحاربة الفساد هم اكبر الفاسدين، وهم أيضاً الذين يعدون باسترجاع الودائع المصرفية، وهم أنفسهم الذين أهدروها.

يبلغ مجموع قيمة الودائع المصرفية اليوم، تقنياً وبكل موضوعية، بين 15% و17%، لعملية صرف أي وديعة، بحسب سعر صرف السوق السوداء، وتحصيل ما تعادله بالـ»الفريش كاش».

 

الحقيقة المرة، التي علينا أن نقتنع بها في الوقت الحالي، أن الودائع المصرفية ليست لسوء الحظ مختبئة، في صناديق ما أو دهاليز، لكنها أُهدرت، وصُرفت وسُرقت. والمعنيّ الأول والمسؤول الأساسي باسترجاعها هو الدولة اللبنانية، التي صرفت وهدرت هذه الأموال. لكن لو توافرت النيات، كنا شاهدنا في هذه السنوات الثلاث الأخيرة، خطة إستراتيجية لبيع بعض العقارات، وإعادة هيكلة بعض المؤسسات، وبناء صناديق سيادية، لهذا الهدف.

 

لكن بعد ثلاث سنوات، من أكبر أزمة إقتصادية، وإجتماعية، ومالية ونقدية في العالم، لم تجرؤ الدولة على إتخاذ أي خطوة، أو مبادرة لتسديد الديون المتراكمة على عاتقها.

 

فالعملية الجارية عبر أمطار من التعاميم، (تعميم 151، 158، 161) التي بموجبها تُدفع بعض الودائع بـ»الملاليم» بخسارة أو «هيركات» يُراوح بين 75% و80%.

 

هذا يعني أن ليس هناك أي نية جدية من قبل الدولة لإسترجاع الودائع، وهدفها المبطّن هو دفعها بالليرة اللبنانية بالتقسيط، وبعد تراكم خسائر فادحة.

 

إضافة إلى ذلك، حتى قانون «الكابيتال كونترول»، الذي يتباحثون به منذ ثلاث سنوات، بدلاً من إقراره بعد أيام من الأزمة، يُبرهن أن لا نية جادة للتعامل مع هذه الكارثة وعملية النهب التي تتكامل، حيث لا يوجد بعدئذ أي «كابيتال» ولا نية أو قدرة على «الكونترول».

 

على صعيد المصارف، فهي تحت المقصلة، يربط حبل السكين الدولة التي لا تريد إصلاحها ولا إعادة هيكليتها، ولا حتى إفلاسها. فمصيرها معلّق بالهواء، مع مصير المودعين المفجوعين والمنهوبين. وحتى لو باعت المصارف بعض أصولها لن تستطيع استرجاع الودائع المتراكمة في المصرف المركزي، وقد أصبحت حبراً على ورق. وبعض المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، تطلب شطبها من سجلات المصرف المركزي.

 

ولو ذهبنا إلى أقصى الحدود، وأُفلست المصارف، مثلما البعض يطالب ويُراهن، فلن يُحصّل المودعون أكثر من 10% من الودائع، وبعد حروب ودعاوى ومحاكم طويلة الأمد.

 

أما في موضوع المردود من الغاز والبترول، الذي يعد السياسيون به، فعلينا أن نكون واقعيين، وندرك تماماً أننا لن نحصل على سنت واحد من المردود من هذه الموارد الطبيعية، سوى بعد سنوات بعيدة وطويلة، وإذا حصلت بأعجوبة، فستُهدرها الدولة، ويتقاسمها السياسيون، مثل عاداتهم التي باتت معروفة منذ عقود. ولن يرى المودعون المنهوبون منها سنتاً واحداً.

 

الحلّ الوحيد لإسترجاع الودائع تقنياً اليوم، هو فقط باستعادة الدولة الدورة الإقتصادية، وجذب الإستثمارات الخارجية، واستقطاب الدولار «الفريش» إلى السوق المحلية، وتنشيط الحركة والتبادل التجاري، وخصوصاً التصدير. فهذا هو الحل الوحيد لإسترجاع الودائع بالدولار وبالتقسيط، حسب الأرباح الجديدة التي سيتقاضاها الإقتصاد.

 

في الخلاصة، إننا نقفز من أزمة إلى أخرى، والجمود سيّد الموقف، وفقدان الثقة يزداد يوماً بعد يوم، بين اللبنانيين لبعضهم البعض، وأكثر مع الدولة، وأكثر بين المجتمع الدولي والدولة الفاسدة، ولا يوجد حتى الساعة أي نية حقيقية لمشروع إنقاذي، لا بل ثمة مشاريع تخريبية تتواصل، والتدمير يستمر، والشعب يدفع الثمن، ويُنهب يوماً بعد يوم.

د. فؤاد زمكحل

الشركات الصناعيّة تهرب من الصين: إلى الهند وفيتنام در!

تتسارع خطوات شركة آبل الأميركيّة الرامية إلى نقل كل ما يمكن نقله من سلاسل إنتاجها وتوريدها، من الصين باتجاه أماكن أخرى في آسيا، وتحديدًا الهند وفيتنام. قبل يومين، أعلنت آبل إجراء مباحثات لنقل جزء من إنتاج جهاز “آيباد” من الصين إلى الهند، بعدما كانت الشركة قد نقلت بالفعل أجزاء أخرى من عمليّة الإنتاج هذه باتجاه فيتنام. أمّا بالنسبة لإنتاج هواتف آيفون، قررت آبل منذ أسابيع البدء بإنتاج أجهزة هواتف “آيفون 14” في مراكز التصنيع في الهند، في سابقة تحصل للمرّة الأولى على الإطلاق. فآيفون 14، سيكون عمليًّا نسخة آيفون الأولى التي تبدأ آبل بتصنيعه خارج الصين منذ البداية، إذ كانت الشركة تعمد سابقًا إلى البدء بإنتاج جميع نسخ آيفون الجديدة في الصين، قبل الانتقال إلى تصنيع جزء صغير من الإنتاج في الهند، بعد أشهر طويلة من طرحها في السوق.

آبل تبتعد عن شريكها التاريخي
ببساطة، تبتعد آبل شيئًا فشيئًا عن الصين، شريكتها التي رافقت صعودها في عالم شركات التكنولوجيا. وما جرى على مستوى علاقة آبل بالصين، لم يكن مجرّد قرارات متقطعة وغير مترابطة، بل مثّل سياسة متكاملة ومتعمّدة، ومن ضمن خطّة طويلة الأمد لتقليل الاعتماد على الصين كمركز للإنتاج.

فعلى المدى الطويل، تسعى آبل إلى نقل أكثر من 45% من إنتاج أجهزة آيفون إلى الهند، بعدما اعتمدت خلال السنوات الماضية على الصين لإنتاج أكثر من 98% من هذه الهواتف الذكيّة. كما تسعى الشركة إلى نقل كامل عمليّات تصنيع سائر منتجاتها، كأجهزة الكومبيوتر والساعات الذكيّة وال”Air Pods” إلى فيتنام.

وفي شهر آذار المقبل، تتوقّع الشركة أن يبلغ حجم إنتاجها السنوي في الهند ما يقارب الـ2.5 مليار دولار، مقارنة ب1.3 مليار دولار قبل سنة واحدة بالظبط، ما يمثّل زيادة بنسبة 92% في حجم عمليّات الشركة داخل الهند. مع الإشارة إلى أنّ شركة آبل كانت قد بدأت بإنتاجها في الهند منذ العام 2017، إلا أنّها حافظت على حجم عمليّات متواضع جدًّا هناك، قبل أن تتسارع خطواتها باتجاه نقل أجزاء من إنتاجها الصيني إلى الهند خلال الأشهر الماضية.

آبل ليست وحدها: الشركات تهرب من الصين
ما تقوم به آبل، ليس سوى جزء من حالة عامّة تعيشها كبرى الشركات الصناعيّة وقطاع التكنولوجيا، حيث تسعى اليوم نسبة كبيرة من هذه الشركات إلى الانسحاب بشكل متدرّج من الصين، واستحداث جزء من سلاسل التوريد والإنتاج التي تحتاجها في دول مجاورة، وتحديدًا الهند وفيتنام. مع الإشارة إلى أنّ نزوح صناعي من هذا النوع غالبًا ما يحتاج إلى سنوات لإنجازه على مراحل، بالنظر إلى ارتباط عمل الشركات الكبرى بسلاسل توريد معقّدة ومتشعّبة، وبتفاهمات طويلة الأمد مع الدول التي تحتضن سلاسل التوريد.

فعلى سبيل المثال، بدأت شركة غوغل بنقل نشاطها التصنيعي من جنوب الصين إلى فيتنام، بداية من عمليّات إنتاج هاتف بيكسل 7، حيث تقدّر الشركة بأن نصف هواتفها الذكيّة ستكون مصنّعة في معاملها الفيتناميّة بحلول العام المقبل. مع الإشارة إلى أنّ معامل جنوب الصين كانت تستأثر في السابق بكل إنتاج الشركة، قبل أن تبدأ غوغل بتوزيع إنتاجها ما بين الصين وفيتنام خلال الأشهر الماضية. ومن الناحية العمليّة، لم تتمكن الشركة من نقل كل إنتاجها من الهواتف الذكيّة إلى فيتنام دفعة واحدة، بسبب ارتباط بعض الأصناف المصنّعة بسلاسل توريد صينيّة، وبمورّدين موجودين داخل السوق الصيني، إلا أنّ الشركة تسعى لاستحداث بدائل معقولة لهذه السلاسل خارج الصين.

وعلى النحو نفسه، نقلت شركة مايكروسوفت عمليّات تصنيع أجهزة ألعاب “إكس بوكس” إلى فيتنام، كما بدأت شركة أمازون بتصنيع أجهزة “فاير تي في” في مدينة تشيناي الهنديّة، فيما كانت جميع هذه المنتجات تخرج إلى العالم من المصانع الصينيّة حصرًا في السابق. أمّا شركة ديل، فكانت السبّاقة في هذا المجال، حين قامت بالفعل بنقل معظم مصانعها تدريجيًّا إلى خارج الصين خلال الأعوام الماضية، قبل أن تلحق سائر شركات التكنولوجيا خلال هذا العام.

عوامل طاردة للشركات من الصين
تتنوّع العوامل التي تقاطعت خلال السنتين الماضيتين، بما أدّى إلى تحويل الصين إلى بيئة اقتصاديّة طاردة لبعض الشركات الصناعيّة الكبرى، بعد أن تمكنت خلال العقود الماضية من جذب هذه الشركات باتجاهها. أمّا أبرز هذه العوامل الطاردة، فيمكن تلخيصها على النحو التالي:

– الحرب التجاريّة بين الولايات المتحدة والصين، والتي أدّت في مراحل سابقة إلى فرض رسوم جمركيّة تصل إلى حدود الـ 15% على المنتجات التي يجري تصنيعها في الصين، وهو ما يقلّص تنافسيّة هذه السلع المشمولة بالرسوم. كما أدّت هذه الحرب إلى ارتفاع كلفة توريد المكوّنات التي تحتاجها المصانع في الصين، ما قلّص من هامش ربح الشركات من عمليّاتها هناك.

– العقوبات والقيود التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركيّة على الصين في ما يخص وارداتها التكنولوجيّة، وخصوصًا أشباه الموصلات والشرائح الإلكترونيّة، والتي تحتاجها بشكل أساسي صناعات الحواسيب والهواتف الذكيّة. ورغم لجوء بعض الشركات إلى محاولة الحصول على إعفاءات من بعض هذه القيود، باتت الشركات الكبرى تخشى من التورّط داخل الصين –ولو من غير قصد- في عمليّات يمكن أن تُعد خرقًا لهذه العقوبات.

– النزاع الصيني مع تايوان، وتنامي مخاطر هذا النزاع على الشركات العاملة داخل الصين، خصوصًا أن تايوان تُعد المورّد الأساسي في سوق أشباه الموصلات والشرائح الإلكترونيّة. مع الإشارة إلى انّ واردات مصانع شركة آبل داخل الصين عانت في مراحل سابقة من عرقلة وارداتها التايوانيّة، نتيجة هذا النزاع بالتحديد، وهو ما أثار خشية الشركة من توقّف نشاطها الصناعي داخل الصين نتيجة هذا النوع من المخاطر.

– استمرار الصين باعتماد سياسة “صفر كوفيد” المتشددة، التي أدّت إلى استمرار إقفال المعامل في أجزاء واسعة من البلاد، في مقابل عودة الحركة الصناعيّة والتجاريّة في الغالبيّة الساحقة من أنحاء العالم الأخرى.

في نتيجة تقاطع كل هذه العوامل، باتت جميع الشركات الصناعيّة الكبرى ترى في عمليّاتها داخل الصين مصدر لمخاطر يصعب حصرها أو تلافيها، وهو ما دفعها مؤخرًا للعمل على تنويع سلاسل إنتاجها، واستحداث مراكز تصنيع جديدة في الهند وفيتنام.

سعي الهند وفيتنام للحلول مكان الصين
في هذا المشهد، تبدع كل من الهند وفيتنام في وضع الأسس الكفيلة بوضع البلدين مكان الصين، كمركز أساسي لاستقطاب النشاط الصناعي في آسيا، بالاستفادة من كل الظروف القاسية التي تمر بها الصين اليوم. ولهذه الغاية، عملت الدولتان على وضع رزم كبيرة من الحوافز الضريبيّة، والسياسات الداعمة للنشاط الصناعي.

ومن هذه السياسات مثلًا، اعتماد الهند على خطط تقوم على تمويل الدولة لنصف كلفة مصانع أشباه الموصلات والشرائح الإلكترونيّة، في محاولة لاستقطاب استثمارات كبرى الشركات العاملة في هذا المجال، كـ TSMC وإنتل وسامسونغ، بالإضافة إلى تمويل 30% من كلفة مصانع الشاشات الذكيّة.

ومن خلال تحفيز نشوء هذا النوع من النشاطات الصناعيّة، تكون الهند قد وضعت الركيزة الأولى لسلاسل توريد الصناعات الذكيّة، التي تحتاج إلى هذا النوع من المكوّنات الأساسيّة. مع الإشارة إلى أنّ الشركات الأجنبيّة تأخذ بعين الاعتبار مدى توفّر هذا النوع من المكونات المحليّة الصنع، عند اتخاذ قرار إنشاء المعامل في أي سوق، في محاولة لتخفيض كلفة نشاطها الصناعي.

بالتأكيد، لا تعني كل هذه التطوّرات أن الصين في طريقها إلى خسارة موقعها الصناعي المتقدّم خلال الأشهر أو حتّى السنوات القليلة المقبلة، خصوصًا أن هذا الموقع جاء نتيجة تراكمات وإنجازات تحققت على مدى عقود من الزمن. إلا أنّ جميع هذه المؤشرات تدل على أن الصين لن تكون خلال المرحلة المقبلة القطب الأكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات الأجنبيّة في منطقة جنوب آسيا، خصوصًا أن الإحصاءات تشير إلى أنّ أكثر من نصف الشركات الصناعيّة العاملة في الصين قررت بالفعل تجميد كل خططها الاستثماريّة داخل السوق الصيني. باختصار، بات هناك منافسة شرسة من قبل لاعبين آخرين جدد وأقوياء، وبات هناك عوامل ضاعطة تُضعف من قدرة الصين على منافسة هؤلاء اللاعبين.

علي نور الدين

بورصة انفو: الموقع الرائد لأخبار الذهب ، العملات ، البورصات. مع تحليلات