التضخم يضغط على أكبر اقتصادات أوروبا مع ارتفاع أسعار النفط

قفز التضخم في أكبر اقتصادات أوروبا إلى أعلى مستوى له منذ سنوات، بعد أحدث موجة صعود في أسواق الطاقة، ما يسلط الضوء على الخطوة المقبلة التي سيتخذها البنك المركزي الأوروبي لكبح الأسعار.

تجاوزت قراءات التضخم لشهر سبتمبر في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا تقديرات المحللين، وسجلت إسبانيا معدل تضخم بلغ 5%، وهو أعلى مستوى منذ 2023، ما أعاد إلى الأذهان آخر موجة تضخمية شهدتها المنطقة بعد اجتياح الجيش الروسي لأوكرانيا.

لا تزال تكاليف الوقود المحرك الرئيسي للتضخم، ومن المتوقع أن تدفع زيادات الأسعار في منطقة اليورو ككل نحو 4% في وقت لاحق من العام. ويبلغ متوسط توقعات المحللين في استطلاع أجرته “بلومبرغ” 3.7% لبيانات التضخم المقرر صدورها يوم الجمعة في منطقة اليورو التي تضم 21 دولة، لكن تجاوزات التضخم المسجلة هذا الأسبوع تزيد مخاطر ارتفاع القراءة عن التوقعات.

ارتفاع أسعار الفائدة

ومن المرجح أن تؤدي هذه التطورات إلى ارتفاع أسعار الفائدة، رغم أن الرهانات على أن يجري البنك المركزي الأوروبي خفضاً ثالثاً لأسعار الفائدة في أكتوبر منذ اندلاع الحرب مع إيران قد تراجعت بالفعل. ويرجع ذلك أساساً إلى أن صدمة التضخم لا تزال محصورة في قطاع الطاقة، فيما قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن موجة البيع في أسواق السندات العالمية ستساعد أيضاً على تهدئة الأسعار.

وأدى ذلك إلى تخفيف بعض الضغوط الأخيرة على السندات، بعد موجة تراجع حادة هذا الشهر. وانخفض عائد السندات الألمانية لأجل عامين 8 نقاط أساس يوم الأربعاء إلى 3.22%، بينما تراجع عائد السندات لأجل 10 سنوات 6 نقاط أساس إلى 3.57%.

وكان البنك المركزي الأوروبي يستعد بالفعل لتسارع حاد في التضخم هذا الشهر، لذلك من غير المرجح أن تؤدي قراءة رئيسية أعلى من المتوقع وحدها إلى تغيير مسار السياسة النقدية، وفقاً لسيمونا ديلي تشياي، كبيرة اقتصاديي منطقة اليورو في “بلومبرغ إيكونوميكس”.

وقالت: “السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت صدمة الطاقة ستنتقل إلى التضخم الأساسي. حتى الآن، هناك أدلة محدودة على حدوث ذلك. ومع تشديد الأوضاع المالية أيضاً، من المرجح أن يبقي البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير في الوقت الحالي، قبل تنفيذ رفع أخير في ديسمبر”.

احتمالات رفع الفائدة

بدأت الأسواق تميل إلى هذا الرأي، إذ تقدر حالياً احتمال رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس أخرى في 29 أكتوبر بنحو الثلث. ومع ذلك، تتوقع الأسواق إجمالاً تشديداً نقدياً يصل إلى 90 نقطة أساس بحلول الخريف المقبل.

وكان المستثمرون قد بدأوا بالفعل الاستفادة من موجة البيع في السندات قصيرة الأجل، التي تتبع توقعات البنوك المركزية عن كثب، مُراهنين على أن الارتفاع الحاد في التسعير الذي تعكسه الأسواق قد تجاوز الحد اللازم.

وسعت لاغارد إلى الفصل في أذهان المستثمرين بين ارتفاع أسعار النفط الخام وتكاليف الاقتراض، قائلة هذا الشهر إن “أسعار الفائدة لا تتحرك بالتوازي مع أسعار الطاقة”.

الفائدة المرتفعة تهدد النمو

في تصريحات منفصلة يوم الاثنين، ساهمت أيضاً في تهدئة توقعات رفع أسعار الفائدة، قالت لاغارد إن أسعار الفائدة طويلة الأجل ارتفعت “بشكل ملحوظ”، ما من شأنه أن “يبطئ النمو ويحد من انتقال ارتفاع الأسعار بدرجة أكبر مما توقعناه في تقييمات سبتمبر”.

وفي حين يراقب مسؤولون آخرون الوضع عن كثب، شددوا على أن التضخم الحالي المدفوع بالطاقة لا ينتشر إلى أجزاء أخرى من الاقتصاد. وأيدت أحدث البيانات هذا الرأي، إذ استقر معدل التضخم الأساسي في ألمانيا، الذي يستبعد عناصر مثل الغذاء والوقود، عند 2.4%.

وقال محافظ بنك إسبانيا خوسيه لويس إسكريفا يوم الثلاثاء: “لحسن الحظ، لم تكن هناك آثار من الجولة الثانية عبر تكاليف الأجور”.

ومع ذلك، يرى بعض الاقتصاديين أن تراجع رهانات الأسواق على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة قد تجاوز الحد اللازم. وقال سايمون هارفي، كبير خبراء الاقتصاد الكلي في “إل بي ماكرو”، إن هناك احتمالاً يبلغ نحو 50% لرفع أسعار الفائدة في أكتوبر، مقارنة باحتمال يقل عن 30% تسعّره الأسواق حالياً.

وأضاف أن هذا الاحتمال “منخفض جداً مُقارنةً بما تشير إليه البيانات وأسواق الطاقة فيما يتعلق بآفاق التضخم”.