استأنف البنك المركزي الأسترالي رفع أسعار الفائدة يوم الثلاثاء، بعدما رأى أن تصاعد تكاليف الطاقة وقوة الطلب المحلي لم يعودا يسمحان بمزيد من الانتظار، في ظل مخاطر تفاقم الضغوط التضخمية.
رفع مجلس إدارة بنك الاحتياطي الأسترالي سعر الفائدة على النقد من 4.35% إلى 4.6%، بما يتماشى مع التوقعات، ليبلغ أعلى مستوياته في نحو 15 عاماً. وصوت أعضاء لجنة السياسة النقدية التسعة بالإجماع لصالح الزيادة الرابعة هذا العام، في وقت تواجه فيه الشركات ارتفاعاً في التكاليف يدفعها إلى زيادة الأسعار أو التفكير في ذلك.
لكن محافظة بنك الاحتياطي الأسترالي ميشيل بولوك أعربت، في مؤتمر صحفي أعقب القرار، عن “أملها” في أن يكون تشديد السياسة النقدية الذي نُفّذ حتى الآن هذا العام كافياً لإعادة التضخم إلى مستواه المستهدف، وكشفت أن مجلس الإدارة بحث تمديد فترة تثبيت أسعار الفائدة.
تقليص رهانات الفائدة
استجابةً لتصريحات بولوك، انخفضت عوائد السندات لأجل ثلاث سنوات، الشديدة التأثر بتغيرات السياسة النقدية، بمقدار 8 نقاط أساس، فيما هبط الدولار الأسترالي دون 70 سنتاً أميركياً للمرة الأولى منذ أوائل أغسطس. وقلّصت أسواق المال رهاناتها على تحركات إضافية لأسعار الفائدة، إذ رأى المتداولون أن تصريحات بولوك أقل تشدداً من بيان البنك.
قالت سالي أولد، كبيرة الاقتصاديين لدى “بنك أستراليا الوطني” (National Australia Bank): “رغم أن الإطار العام لقرار اليوم بدا متشدداً، أكدت محافظة بنك الاحتياطي الأسترالي مراراً في مؤتمرها الصحفي أن استراتيجية خفض التضخم مع الحفاظ على المكاسب المحققة في سوق العمل لا تزال قائمة”. وأضافت: “تشير هذه الاستراتيجية إلى رغبة في اتباع نهج أكثر تدرجاً في تعديل السياسة النقدية”.
انضم بنك الاحتياطي الأسترالي إلى نظرائه في أوروبا والولايات المتحدة واليابان في رفع أسعار الفائدة هذا الشهر لمواجهة الضغوط السعرية المتصاعدة بفعل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. ومع ضآلة فرص التوصل إلى تسوية قريبة للصراع وارتفاع أسعار الطاقة في أنحاء الاقتصاد العالمي، تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة إلى التحرك.
مخاطر ترفع التضخم
قال مجلس إدارة بنك الاحتياطي الأسترالي في بيانه: “منذ الاجتماع السابق، بدأت بعض المخاطر التي قد تدفع التضخم إلى الارتفاع تتحقق فعلياً. وسيواصل المجلس اتخاذ ما يراه ضرورياً لإعادة التضخم بصورة مستدامة إلى مستواه المستهدف، بما في ذلك رفع سعر الفائدة النقدي المستهدف مجدداً إذا لزم الأمر”.
أرسل مسؤولو بنك الاحتياطي الأسترالي إشارات أكثر تشدداً في الأسابيع الأخيرة، وأبدوا استعدادهم لرفع أسعار الفائدة إذا لزم الأمر سعياً إلى ضمان عودة التضخم إلى النطاق المستهدف البالغ 2% إلى 3%. وكان البنك المركزي قد رفع تكاليف الاقتراض في اجتماعاته الثلاثة الأولى هذا العام، وسط قلقه من تصاعد الضغوط السعرية حتى قبل صدمة الطاقة التي أطلقتها الحرب في الشرق الأوسط.
جاء في البيان: “انتقلت زيادة أسعار الوقود جزئياً إلى أسعار سلع وخدمات أخرى. وتُضاف هذه الدفعة التضخمية إلى أثر الضغوط الناجمة عن اقتراب الاقتصاد من حدود طاقته الإنتاجية”. وأضاف: “لا يزال المجلس يركز على ضمان ألا يصبح التضخم المرتفع مترسخاً”.
زيادات الفائدة في أستراليا منذ بداية 2026
أبقى بنك الاحتياطي الأسترالي سعر الفائدة عند 4.35% في اجتماعيه الأخيرين، في محاولة لتقييم أثر زياداته السريعة على الاقتصاد. وبقرار الثلاثاء، بلغ إجمالي الزيادات منذ بداية العام نقطة مئوية واحدة. كما ناقش اقتصاديون على نطاق واسع احتمال رفع الفائدة مجدداً في نوفمبر، خشية ترسخ الضغوط السعرية.
أشارت بولوك في مؤتمرها الصحفي إلى أن رفع أسعار الفائدة مرة أخرى ليس أمراً محسومًا.
قالت المحافظة: “نأمل أن تكون الزيادات الأربع في أسعار الفائدة كافية لتقييد النشاط الاقتصادي وخفض الضغوط السعرية. هل ستكون كافية؟ لا أعلم. لن أقدم توجيهات بشأن الخطوات المقبلة”.
وتراجعت الرهانات على زيادة أخرى في نوفمبر إلى احتمال يبلغ نحو 45%، مقارنة بنحو 61% قبل حديث المحافظة. ورغم أن المتداولين لا يزالون يتوقعون رفع بنك الاحتياطي الأسترالي الفائدة مرة أخرى خلال دورة التشديد الحالية، فإنهم يرجحون الآن بلوغ سعر الفائدة النقدي ذروته عند مستوى يقل عن 5%.
سياسة نقدية تقييدية
قالت بولوك للصحفيين: “نعتقد أن سياستنا النقدية تقييدية بعض الشيء. والسؤال هو: هل يكفي ذلك لخفض التضخم؟”.
تصدر أستراليا يوم الأربعاء بيانات التضخم الشهرية لشهر أغسطس، ويُرجح أن تكون مؤشراً مهماً لصناع السياسة النقدية، مع أن التقرير الفصلي الذي يفضله بنك الاحتياطي الأسترالي سيصدر قبل اجتماعه المقبل في نوفمبر.
من المتوقع أن يفرض رفع الفائدة يوم الثلاثاء مزيداً من الضغوط على سوق الإسكان الأسترالية، التي تشهد تراجعاً بالفعل وترتبط بقطاعات أخرى في الاقتصاد. وقد يدفع معدل البطالة إلى الارتفاع، بعدما بلغ 4.6% الشهر الماضي.
قال شون كين، كبير استراتيجيي منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى “جيه بي دراكس أونوريه” (JB Drax Honore): “يحمل بيان المجلس رسالة متسقة بشأن القلق من التضخم، رغم الزيادات الثلاث السابقة في أسعار الفائدة، وتباطؤ سوق الإسكان، والتراجع الطفيف في قوة سوق العمل”. وأضاف: “من الواضح أن هذا البنك المركزي مستعد لرفع الفائدة مجدداً هذا العام، ليس لأنه يريد ذلك، بل ببساطة لأنه قد يضطر إليه”.
